ارشيف من :أخبار لبنانية

"إسرائيل" تصوّب على حزب الله .. فتصيب "القرار الاتهامي"!

"إسرائيل" تصوّب على حزب الله .. فتصيب "القرار الاتهامي"!

نبيل هيثم ـ السفير

في ذروة الاشكالات الاخيرة حول «اليونيفيل» ودورها ومحاولة تعديل أو تغيير قواعد الاشتباك التي تحكم عمل تلك القوات تحت سقف القرار 1701، دخلت "اسرائيل" على خط تلك الاشكالات من مداخل متعددة، فأطلت اولا من باب المحكمة الدولية والكلام الاخير لرئيس الاركان الاسرائيلي غابي اشكينازي الذي بدا عارفا بمضمون القرار الاتهامي ووجهته قبل أن يصدره القاضي الكندي دانييل بيلمار. وأطلت ثانيا بتظهير خرائط ونماذج وصور لبعض قرى جنوبي الليطاني، ومنها بلدة الخيام الحدودية، يؤشر فيها العدو الى ما يقول عنها انها مواقع أو مخازن أسلحة 

 صور السلاح: «شهادة زور» مع «اليونيفيل».. أم تنصـّل من جريمة لاحقة؟
لـ«حزب الله».

تقود تلك الوقائع الى طرح سؤال من شقين: إلى ماذا تسعى "اسرائيل" من وراء دخولها على خط القرار الاتهامي وهل يفيده أم يضرّه.. وماذا يخفي العدو خلف تلك الخرائط النماذج والصور وفي هذا التوقيت بالذات؟

في ما يتعلق بالشق الاول، فما من شك بأنّ دخول "اسرائيل" المباشر على «القرار الاتهامي»، يلحق بهذا القرار الذي لم يصدر بعد ضرراً جسيماً ويصيبه في مصداقيته، ويدفع فئات كبيرة إلى أن تحوطه بعلامات استفهام أو تزرع شكوكا حوله، وخصوصا بعدما أوحى رئيس أركان العدو من خلال ما كشفه، بأنّ "اسرائيل" هي الاكثر معرفة بما يجري في المحكمة الدولية وبما يدور أو يحضّر في الخفاء. وحدد، بما يشبه الجزم واليقين، موعد صدور قرار اتهامي ضد «حزب الله» في أيلول، لا يخدم كشف حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري، بل يخدم منطق العدو في مواجهة «حزب الله». ولم يخف الجنرال الاسرائيلي الرهان على حملة داخلية تسعى، بحسب المنطق الإسرائيلي، إلى محاسبة الحزب والاقتصاص منه وبالحد الادنى إشغال المقاومة وحرفها عن مهمتها.

لقد حدد اشكينازي الهدف الاسرائيلي بوضوح, وهو الرهان على فتنة في لبنان. وهي الباب, على ما يقول خبير في الشؤون العسكرية، الذي يمكن أن يلج منه العدو للثأر من هزيمة تموز 2006. وأما صدور هذا الكلام عن اشكينازي نفسه، فله دلالته، إذ إن هذا الجنرال سيغادر موقعه في رئاسة أركان جيش العدو بعد نحو ثمانية أشهر. ويتأهـّب لدخول الحلبة السياسية في "إسرائيل"، وبالتالي هو يبحث عن «إنجاز» يبني له جسر العبور المتين الى تلك الحلبة. وأما المدخل الى ذاك الإنجاز، فهو بلا أدنى شك، إحداث فتنة في لبنان. والفتنة، في اعتقاد الخبير المذكور، معناها الحرب. وبالتالي فإنّ من يسعى اليها في الداخل اللبناني، إن بتسهيلها أو بالتناغم معها وتوفير عناصرها ووقودها، وحتى بموقف إعلامي، فإنه، عن قصد أو عن غير قصد, يستدعي "إسرائيل" الى حرب على لبنان.

وحول الشق الثاني من السؤال، يرى خبير في الشؤون الاسرائيلية ان ما ظهـّره العدو من صور وضعها الكومبيوتر، لما قال إنها مواقع عسكرية أو مخازن أسلحة، قد لا تكون محصورة بمنطقة بعينها، بل قد تكون هناك خرائط ونماذج وصور وضعها العدو على مساحة كلّ لبنان لكلّ ما يعتبرها مناطق خطر عليه. وقد لا تكون دقيقة، وأكثر من ذلك قد تكون وهميّة. ومن هنا، يرى الخبير المذكور أنه من الخطأ افتراض أن العدو كشف بنك أهدافه أو حتى أهدافا معيّنة, والسبب بسيط هو أن "اسرائيل" معنية طوال الوقت في إبقاء «بنك الاهداف» على درجة عالية من الغموض.

الجلي في الأمر، كما يقول الخبير في الشؤون الاسرائيلية، أن"اسرائيل" أرادت من خلال ما بادرت اليه ان تستغل لحظة توتر حصلت في الجنوب ما بين بعض الأهالي و«اليونيفيل»، لترسل رسالة تلاقي الضغط الفرنسي في مجلس الامن، وفحواها أن «حزب الله» ينتشر ويخزن أسلحته في قرى الجنوب التي يسري عليها القرار 1701، وانه نجح بذلك برغم وجود القوات الدولية. ويخزن سلاحه في الاماكن الآهلة.

يتقاطع ما تقدم، مع تحليل عسكري للوقائع ينزع عن الخرائط والنماذج والصور التي ظهـّرها العدو أي قيمة بالمعنى العسكري، ففي مقدور أي كان أن يضع مثل تلك الخرائط والنماذج والصور بمجرّد الدخول والبحث في نظام «غوغل» والانترنت. ويسجل ملاحظتين يشرّح فيهما الخطوة الاسرائيلية وأسبابها ومراميها:

الملاحظة الاولى: بعدما حاولت اليونيفيل وفشلت في ان تخرج على القرار 1701 لفرض أمر واقع جديد في الجنوب يطلق حرية حركتها ويبدل قواعد الاشتباك التي حكمت مهمتها طيلة السنوات الاربع الماضية، حاولت "إسرائيل"، وبالتنسيق مع فرنسا، أن تقرن اجتماع مجلس الامن بدليل ملموس يسند الموقف الفرنسي ويغطي سعي «اليونيفيل» إلى تغيير قواعد الاشتباك، وتلك الصور التي كشفتها "إسرائيل" هي الدليل على أن الجيش اللبناني لا يتعاون مع «اليونيفيل» كما يجب، و«حزب الله» يتسلـّح ويخزن سلاحه في هذا المكان أو ذاك في منطقة عمل اليونيفيل وهاكم الاثباتات بالصور... إلا أن التحايل لم ينجح حتى في مجلس الامن الذي لم يستطع أن يتجاوز «تفاهم تبنين» بين الاهالي واليونيفيل والجيش، والذي ثبّت قواعد الاشتباك المعمول بها حاليا، بعدما اضطر قائد تلك القوات الجنرال الاسباني البيرتو اسارتا أن يعتذر من الاهالي ويقر بارتكاب أخطاء!

وما من شك، في هذا السياق، بأن تلك الخاتمة التفاهمية التي رست عليها العلاقة ما بين اليونيفيل والاهالي والجيش، أحبطت الهدف الفرنسي الرامي الى نسف تلك القواعد بالكامل، وبناء قوة تدخل سريع (فرنسية)، والذهاب أبعد من ذلك بإعادة هيكلة قوات اليونيفيل. وفق ما طرح رئيس أركان «اليونيفيل» الجنرال الفرنسي لافونتين خلال محاضرة ألقاها قبل فترة قصيرة في الجنوب وحضرها سفراء بعض دول اليونيفيل وتردد ان من بينهم السفير الفرنسي في لبنان. ونقل عنه قوله في تلك المحاضرة: «ان «حزب الله» يتسلـّح على نطاق واسع في الجنوب، وفي منطقة عمل اليونيفيل تحديدا، وكل ذلك يجري تحت أعيننا، لكننا لسنا قادرين على أن نفعل شيئا في مقابل ذلك. ولذلك أنا أطرح تعديل قواعد الاشتباك وإعادة هيكلة قوات اليونيفيل...»! وتعني إعادة الهيكلة أن تسند لكل وحدة مهمة عسكرية أو لوجستية أو استخبارية، فيما تتولى الوحدة الفرنسية المهمة القيادية الردعية.

ومعروف عن لافونتين أنه لعب دورا تحريضيا مشهودا من الجنوبيين طيلة فترة توليه مهمته التي تقرر إنهاؤها واستبداله بضابط فرنسي آخر. إلا أن ما ينبغي لفت الانتباه اليه هنا هو أن طرح لافونتين ينقل اليونيفيل من كونها قوات حفظ سلام الى قوات مواجهة مع الجنوبيين، وهو الامر الذي رفضته بعض الوحدات العاملة في إطار اليونيفيل التي شكت التوجه الفرنسي. وأبلغت من يعنيهم الامر إصرارها على إبقاء العلاقات سليمة مع الاهالي.

الملاحظة الثانية: الواضح مما قامت به "اسرائيل" بالامس لناحية عرض صور لما قالت إنها مخازن أسلحة لـ«حزب الله» في المناطق الآهلة، أنها ترمي من خلال ذلك الى تحقيق هدف خماسي الأبعاد:

ـ البعد الاول: محاولة إثارة الناس ضد المقاومة.

ـ البعد الثاني: تخويف الأهالي بما يدفع بعضهم الى ترك قراهم والانتقال الى ما يعتبرونها مناطق آمنة.

ـ البعد الثالث: محاولة إيقاع الاهالي في الفخ بما يدفع البعض الآخر الى أن يتطوّع لإبلاغ اليونيفيل أو غيرها، عن أماكن تلك المخازن ان وجدت. أو لتأكيد وجود تلك المخازن أو نفيه.

ـ البعد الرابع: محاولة زعزعة الثقة بالجيش اللبناني المسؤول عن المنطقة، وإظهار أنه لا يتعاون في هذا الموضوع، ويغمض العين على سلاح «حزب الله».

ـ البعد الخامس: محاولة تنصل مسبقة أمام الرأي العام العالمي من مسؤولية ما قد تقترفه مستقبلا من اعتداءات على الاماكن الآهلة التي تؤشر صور العدو الى وجود مخازن سلاح فيها. كما تتنصل مما قد ينتج من تلك الاعتداءات، والذريعة هنا انها تضرب مخازن أسلحة لا أماكن وأحياء سكنية.. وكأن في ذلك تبريرا مسبقا لما قد ترتكبه من مجازر.

هل ثمة تخوّف أو خشية من شن حرب إسرائيلية قريبة على لبنان؟

يورد المحلل العسكري شرطين إنْ توافرا لـ"إسرائيل"، فقد يمكناها من شن حرب في هذه المرحلة:
ـ الشرط الاول: امتلاكها القدرة على تحقيق النصر في الميدان. وهو ما لا تمتلكه. وبالتالي لا تريد "اسرائيل" تكرار تجربة حرب تموز 2006 وهزيمتها فيها.
ـ الشرط الثاني: امتلاكها القدرة الحمائية لجبهتها الداخلية. وهو ما لا تمتلكه. وقد سجلت مناورتها الاخيرة فشلا ذريعا في تحقيق هدفها.

2010-07-12