ارشيف من :أخبار لبنانية

توماس، نصر وغاي: أيّ حال لإسرائيل توجب هذا القمع؟

توماس، نصر وغاي: أيّ حال لإسرائيل توجب هذا القمع؟
ابراهيم الأمين - صحيفة الاخبار

هيلين توماس، أوكتافيا نصر وفرانسيس غاي.

الثلاث نعرفهنّ بسبب مواقعهنّ المهنيّة. والثلاث تعرّضن للعقوبة بسبب أنّنا، نحن أبناء المنطقة العربية المواجهة لإسرائيل، نعرفهنّ. والثلاث معرّضات لأذية نفسية وربّما أكثر، بسبب أننا سوف نحفظ الأحداث التي حصلت معهنّ. لكننا لم نعرف بعد ما هو رأي زملاء هؤلاء، في البيت الأبيض، في شبكة «سي إن إن»، وفي الخارجية البريطانية. ولم نعرف ما إذا كان هؤلاء الزملاء والأهل والأقارب والمعارف قد عبّروا عن تضامنهم بطريقة تؤثر على الجهات التي أصدرت قرارات التعنيف والتأنيب والطرد. ولم نعرف ما إذا كان المسؤولون في تلك المؤسسات قد تلقوا رسائل احتجاج من زملاء المعاقبين أو من العاملين معهم. ولم نعرف ما إذا كان أحد من كل هذا النادي قد تعرض لمساءلة أو مناقشة بسبب هذه الخطوات.

ما لم نعرفه أيضاً، هو موقف دعاة الإصلاح والديموقراطية والليبراليين الجدد المنتشرين في صحافة ومواقع ومحطات تلفزة مدعومة من «جمعية جيفري فيلتمان الخيرية» أو من مركزها الرئيسي في الولايات المتحدة، أو تلك المدعومة من السعودية والإمارات العربية وغيرها من جماعات أميركا عندنا في العالم العربي.

ما لم نعرفه بعد، ما هو موقف كتبة المانشيتات والمقالات البارزة في صحف أميركا العربية، والنشرات التي تصدرها الاستخبارات المصرية هنا وهناك... وغيرهم من المنتشرين في صحافة تعطينا يومياً دروساً في الديموقراطية وحقوق الإنسان.

ما لم نعرفه بعد، هو هل للعقاب أصل مهني بما يؤثر فعلاً على الحريات وعلى حقوق الإنسان في العالم، وهل من اتخذوا القرار في الولايات المتحدة أو في بريطانيا، يختلفون بشيء عن طالبان أو عن الجهات التكفيرية، أو يختلفون عن كل من يهجمون عليهم صبح مساء باسم الحريات والتعددية والحق في التعبير.
ما لم نعرفه بعد، هو موقف مراكز حقوق الإنسان الأميركية أو الأوروبية المولد والتمويل والإشراف، وكل ما يتفرع عنها من منظمات غير حكومية تعنى بحرية التعبير، وتواجه العنف ضد الصحافيين أو ضد السياسيين أو ضد من يقول كلاماً يخالف أوامر السلطان.

ما لم نعرفه بعد، ما هو موقف الذين تولوا انتقاد الحكم في إيران أخيراً لأنه منع المراسلين الأجانب من تغطية «ثورة الحريات الخضراء»، أو أولئك الذين أنفقوا الملايين على حملات تدعو الى ثقافة التسامح والحرية والحوار وغيره.

لكن ما نعرفه، هو أننا لن نستمع بعد اليوم الى صوت أي من هؤلاء، ولن نقرأ أي مقال لهم، ولن نصافح أياً منهم، وأننا لن نمنح هؤلاء أي شرعية أخلاقية أو مهنية أو خلافها. ولن نغضّ الطرف عن أيّ سلوك من كل هذا الجيش الملوّن بالمنح الأميركية التي لا تسمح لهم إلا بالشتم والسباب وإهانة من يعارض أميركا وإسرائيل.

ترى، كيف سيكون موقف أي دبلوماسي بريطاني يخرج على الناس وهو يحدثهم عن بلاد الديموقراطية العريقة، وعن بلاد القانون. عن بلاد ألغيت فيها ملاحقة فاسدين لأن السعودية هدّدت بوقف الاستثمارات إن استمر القضاء في متابعة قضية الفساد في صفقة الطائرات، وبلاد أجبرت سفيرة ودبلوماسية نشطة، على التراجع، أو هدّدتها بالعواقب الوخيمة إن هي باحت برأي يخالف مصالح إسرائيل في لبنان والمنطقة.


ما نعرفه أيضاً، أنه يجب مقاطعة كل صحافة الولايات المتحدة الأميركية التي وافقت على ما اتخذ بحق توماس ونصر، علماً بأنه يمكن، من موقع المقاوم لإسرائيل والمعارض لاحتلالات أميركا وجرائمها، معارضة الكثير من النشاط المهني والسياسي لتوماس أو لنصر، أو لمواقف السفيرة البريطانية في بيروت.

ما نعرفه أيضاً، هو أن العالم الراعي لإسرائيل، يدلنا على المأزق الذي تعيشه هذه الدولة الخرافية، ويدلنا على المأزق الذي يواجه حكومات الغرب في تبرير دعم مجموعات من القتلة واللصوص. ولنعرف، كيف أن الأمور لم تعد تحتمل رأياً مختلفاً من شخص شارف على الارتحال عن هذا العالم، وكيف لا يتحمل هؤلاء إبداء الحزن أو الأسف لغياب رجل مثل السيد محمد حسين فضل الله. ولنعرف أن واقع العدو ومن يقف خلفه بات صعباً إلى حدود عدم احتمال كلمة، علماً بأن مندوبة إسرائيل في الأمم المتحدة قالت كلاماً واضحاً عن الواقع الصعب لإسرائيل مع المجتمع الدولي، تلك المرأة الخبيثة، التي عبّرت عن رأيها جراء ما تراه في عيون الدبلوماسيين والموظفين والزوار القادمين الى مبنى لا يصدر عنه أي قرار يدين إسرائيل. قالت هي ذلك لأنها تشعر بأن الجميع يصافحها عنوة، وأن الجميع يتجنّبها متى أتيح له ذلك، ولأن عيون الجميع مليئة بصورة القتل المستمرة من قبل دولة الاحتلال.

وإذا كانت توماس ستتقاعد في منزلها دون أن تتاح لها زيارة البيت الأبيض من جديد، أو أن أوكتافيا نصر ستضطرّ إلى العمل في مؤسسات مختلفة إن سُمح لها بذلك على الأرض الأميركية أو حتى الأوروبية، فإن المجال واسع أمام السفيرة البريطانية عندنا، لأن تتوقف عن مقابلة المسؤولين والإعلاميين وأن تركز جهدها على زيارة الأماكن السياحية، ولا بأس أن تجول على أمكنة ضاقت بسكانها، شرط أن تحفظ الدرس وتمتنع عن إبداء الرأي أو التعاطف... هل ستسألين مجدداً عن حقيقة ما أخبرك إيّاه ديموقراطيّو منع الناس من معارضة توجّهات قادة 14 آذار، عن أن المقاومة تمنع أحداً من انتقادها؟

2010-07-13