ارشيف من :أخبار لبنانية

الدبلوماسيّة المصريّة تنشط مع جعجع وقليلات : القاهرة تعزف وبيروت ترقص!

الدبلوماسيّة المصريّة تنشط مع جعجع وقليلات : القاهرة تعزف وبيروت ترقص!

ثائر غندور - صحيفة الاخبار

يتزايد الحديث في الأوساط السياسيّة اللبنانيّة عن دور جديد لمصر في لبنان، لملء الفراغ الذي تركته السعوديّة بعد تحسين علاقتها بسوريا، وطبعاً هذا الدور، «هو بتنسيق وإدارة أميركيّين» كما يؤكّد أحد السياسيّين اللبنانيين العارفين بتفاصيل السياسة المصريّة في لبنان. لكن، ما الجديد الذي طرأ بالنسبة إلى السياسة المصريّة في لبنان، وما الذي تهدف إليه بحراكها الأخير؟

يؤكّد العارفون في الشأن المصري، أنّ هذه الدولة ودبلوماسيّتها تُعانيان مستوى عالياً من الضغوط. فهي «اكتشفت» فجأةً أن أمنها القومي في خطر: غير قادرة على إنجاز المصالحة الفلسطينيّة، مع توتّر كبير في العلاقة مع حركة حماس، يُترجم بعبارات قاسية تُنقل عن ألسنة المسؤولين المصريين بحق الحركة. السودان في خطر التقسيم، وبالتالي تتضاءل قدرة مصر على الوصول «البري» إلى منابع النيل، ما دفعها إلى إصدار مواقف غريبة في ما يتعلّق باستفتاء السودان، وإلى التهديد باستعمال القوّة ضد إثيوبيا بهدف حماية منابع النيل.

في ظلّ هذا الواقع، انتقلت الدبلوماسيّة المصريّة من «ثوابتها» القديمة، وهي الحراك البطيء والمدروس إلى العمل انطلاقاً من ردات الفعل.

ما حصل في زيارة جعجع هو رد فعل بالكامل. وه ردّ فعل، بحسب مصادر عدّة هدف إلى أمور عدّة هي:

ـــــ حماية سمير جعجع والقوّات اللبنانيّة بعد الهجوم الكبير التي تعرّضا له من جانب حلفاء سوريا في لبنان. وقد تراكم هذا الضغط إلى الدرجة التي بات يشعر فيها جعجع بأنه محاصر بالكامل. وهذا الأمر يعني أن جعجع كان في خطر أن يفقد قدرته على أداء الدور المطلوب منه داخلياً. كذلك هناك من يعتقد بأنّ وضع جعجع في الزاوية سيدفعه إلى العمل الأمني لحماية نفسه.
ويوضح آخرون معنى الاستقبال المصري، والخليجي، لجعجع. وهو أن الولايات المتحدة الأميركيّة تُريد التأكيد للجميع أنها تكفل الحماية الكاملة لجعجع وللقوات اللبنانيّة.

ـــــ تخفيف الضغط السني عن رئيس الحكومة سعد الحريري. فبعد سلسلة الأخطاء التي وقع فيها جعجع، وأبرزها التعرّض للرئيس عمر كرامي وشقيقه الرئيس المغدور رشيد كرامي في ذكرى اغتياله في آذار من العام الجاري، وهو ما أدّى إلى التفاف سنّي كبير حول كرامي، فصدرت ردود مؤيّدة من الرئيس نجيب ميقاتي والنائب أحمد كرامي والنائب محمد كبارة والنائب السابق جهاد الصمد وتوفيق سلطان، وصولاً إلى مواقف النوّاب السابقين وجيه البعريني ومحمد يحيى ومصطفى حسين وإسلاميين، إضافةً إلى الهجوم المركّز الذي يقوم به على نحو دائم العميد مصطفى حمدان على جعجع. هنا، اضطرت مصر إلى استعمال صورة استقبال مبارك لجعجع، لتُريح الحريري، لأن «الدولة السنيّة الأكبر في العالم العربي استقبلت سمير جعجع».

ـــــ إعادة التوازن إلى الداخل اللبناني، بعدما مالت الدفّة ميلاً واضحاً إلى الفريق المتحالف مع المقاومة، وخصوصاً بعد انضمام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إلى هذا الحلف. فبدا فريق 14 آذار كمجموعة من الثكلى. لذلك، كان من الضروري التأكيد أن فريق الاعتدال العربي (أو الانكفاء العربي كما يُسمّيه أحد السياسيين المنضوين في هذا الفريق) لا يزال قادراً على الحراك، وعلى الفعل السياسي.

ـــــ التأكيد للقوى الإقليميّة الأخرى (سوريا وإيران) أن الدبلوماسيّة المصريّة لا تزال حاضرة، وهي ليست في حكم المتوفّاة. وأنها قادرة على خلق الاضطرابات في وجه هذا الفريق.

ـــــ إعادة موضوع «التدخّل الإيراني» إلى الواجهة انطلاقاً من اعتبار أن هذه الدولة لا حقّ لها في دور في العالم العربي، لأنها غير عربيّة، بينما مصر وغيرها يحقّ لها ذلك.

ليس استقبال جعجع هو الحراك الوحيد التي قامت به دبلوماسيّة مصر. فهي، تعمل في لبنان انطلاقاً من ضرورة حماية رئيس الحكومة اللبنانيّة، وتسعى إلى توفير أفضل الظروف لنجاحه في الحكم. هنا، يُشير أحد السياسيين المقرّبين من مصر إلى أن هذا التصرّف هو من التقاليد المعتمدة في السياسة المصريّة، «واسألوا الرئيس نجيب ميقاتي، إذا ما دعمته مصر أم لا؟»، يقول هذا السياسي في إطار اعتباره أنّ الأمر أكثر من طبيعي. ولكن كيف تدعم مصر الرئيس الحريري؟
يتحدّث بعض الساسة عن دور مصري في إعادة النائب أحمد فتفت إلى البيت المستقبلي. لكن هذا يُمكن أن يُعد تفصيلاً، عندما تعمد مصر إلى تحريك المقرّبين منها بهدف الحماية السياسيّة للحريري.

وفجأةً خرج مؤسّس حركة المرابطون إبراهيم قليلات من سباته، وهناك معلومات تشير إلى احتمال زيارته القاهرة مع عدد من «المرابطين» المقرّبين منه، وتشير المعلومات أيضاً إلى نيّته القيام بحراك سياسي وتنظيمي جديد، يستهلّه بالهجوم على ابن شقيقته، العميد مصطفى حمدان، ثم بتأسيس هيئة قياديّة جديدة، وبتفريغ عدد من العناصر بهدف ضرب العمل الذي يقوم به حمدان في بيروت والمناطق الأخرى، وخصوصاً أن حمدان يستعمل استراتيجيّة الهجوم الدائم على جعجع، وبات يُزعج الحريري في الطريق الجديدة. فهو وضع جولة جعجع الخارجية (التي استهلّها في مصر) في خانة الاستعدادات لبدء «عمليات تخريبية في لبنان، داعياً الأجهزة الأمنية إلى مراقبة تحرّكات المدعو جعجع، الذي نال أمر العمليات التخريبيّة. وطالب بمحاسبة السفير اللبناني في إسبانيا، شكري عبود، لدى مدريد، إذ استقبل جعجع بحضور سفراء عرب وأجانب لأنّ «استقبال السفراء لا يكون لمجرم على شاكلة المدعو سمير جعجع، وهل هو استقبال لمشروع رئيس جمهورية عائم على بحر من الدماء اللبنانية الطاهرة؟».

أمّا مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، المعروف بعلاقته الممتازة مع مصر أيضاً، فبعدما غاب عن السمع والهجوم، عاد فجأةً ليشن هجومه على الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، ورئيس التيّار الوطني الحرّ النائب ميشال عون... وسوريا. فقال إنّ نصر الله هو «رئيس الجمهورية الآن لأنّ معه مدفعاً ويستطيع أن يقتل». ورأى أنّ «من يحكم لبنان اليوم هو من يحمل السلاح السوري». ثم وصف «شيعة» حزب الله بـ«المتخلفين لأنهم اعتدوا على بيروت بدل محاسبة الحكومة، فما ذنب الطريق الجديدة بقرار اتخذته الحكومة»، في إشارة إلى أحداث السابع من أيار 2008 التي لم يستبعد تكرارها. واستغرب كيف أنّ بعض «رجال الدين السنّة يدينون بالولاء لحزب الله».

وأكمل الجوزو قوله إن «سوريا خرجت عسكرياً من لبنان، لكنها سياسياً لا تزال فيه»، منتقداً «انبطاح الناس على أعتاب دمشق».

وقال في تصريح آخر: «كان يجب أن نُحاسب الذين سبّبوا الحرب اللبنانيّة ـــــ الإسرائيلية عام 2006، وسبّبوا إغراق الدولة بالديون ولم يشبعوا». ورأى أن «الجنرال (ميشال عون) لم يستطع أن يتحرّر من شخصيته العسكرية، فأخذ يخلط السياسي بالعسكري كأنه يخاطب جنوده ويوجه إليهم الأوامر والتعليمات».
والمعروف أن الجوزو على علاقة قويّة بالسفارة المصريّة في بيروت، وبالتالي فإن تصريحاته تأتي أيضاً في سياق الإعلان المصري عن الاستمرار في القيام بدورٍ لبناني.

يُضاف إلى هؤلاء رئيس المؤتمر الشعبي كمال شاتيلا، الذي كان لافتاً تصريحٌ له بعد الاعتداء على أسطول الحريّة، يقول فيه بضرورة عدم الرهان الكبير على تركيا، وعدم وضع القضايا العربيّة في عهدتها لأنها دولة غير عربيّة، والعمل على إعادة بلورة مشروع الوحدة العربيّة.
هذا في السياسة. أمّا في غيرها، فتُكال لمصر اتهامات عن أدائها دوراً أمنياً، في جمع المعلومات. والأخطر هو الحديث المستجد عن تسليح «مجموعات صغيرة» في الطريق الجديدة بسلاح كلاشنيكوف وذخيرة مصريين.

المقرّبون من مصر يردّون على هذا الموضوع بالنفي التام، «فمصر التي توافق على التوصيف الذي يقول إن وجود سلاح خارج يد الدولة يؤثّر في بناء الدولة سلباً، لا تسلّح مجموعات أخرى»، يقول أحد الساسة اللبنانيين القريبين من مصر. يُضيف «من الغباوة التفكير مجدداً في بناء مجموعات مسلّحة بعد الفشل الذريع الذي حصل في السابع من أيّار، يوم كانت الـSecure Plus تملك المال الكثير والسلاح المميّز والمساحة والأرض للعمل». لكنّ الرجل، الذي يؤكّد عدم ارتباط مصر بتسليح مجموعات لبنانيّة، يقول: «إذا ما وجد أحدكم سلاحاً مصرياً أو ذخيرة مصريّة، فسلّموا المعلومات عنه إلى الجهات الرسميّة المصريّة، التي ستتحقّق من مصدره، لأنه من المؤكّد ليس من أي جهة رسميّة».

بعد هذه المعطيات، يُقدّم أحد المخضرمين في «معرفة» مصر قراءة هادئة تُشير إلى الآتي:

ـــــ تعمل الدبلوماسيّة المصريّة في لبنان بتوتر عالٍ هو انعكاس للتوتر التي تعيشه استخباراتها ودبلوماسيّتها عموماً.

ـــــ تتحرّك هذه الدبلوماسيّة لتأكيد أنها لا تزال على قيد الحياة، لكنّها تعتمد على عناصر عفا عليها الزمن، وباتت غير قادرة على التأثير على نحو جدي، وذلك باستثناء جعجع، الذي وإن كان له تمثيل شعبي، فإنه يُواجه مشاكل داخليّة عدّة.

ـــــ تفتقر هذه الدبلوماسيّة (ومن خلفها الاستخبارات) إلى عنصرين أساسيين للعمل: المال والهيبة.

ـــــ لم تعدّ تضع جدول أعمال خاصاً بها، بل أصبح عملها يقوم، إمّا على ردّ فعل تجاه سوريا أو إيران، أو بناءً على طلب أميركي.

ـــــ تُلبي جميع الطلبات الأميركيّة لأنّ جميع مكوّنات السلطة في مصر يسعون إلى علاقة ممتازة مع واشنطن، لأن بلدهم على أبواب استحقاق رئاسي.

يُشبّه أحد السياسيين العتيقين وضع استخبارات مصر ودبلوماسيّتها في لبنان، بالفرعون الذي استفاق فجأةً بعد خمسة آلاف عام، وظنّ أنه قادر على بناء الأهرام، وعلى تحنيط الجثث.


2010-07-13