ارشيف من :أخبار لبنانية

فورد ينتظر ودمشق تربط الحوار المباشر برفع التمثيل

فورد ينتظر ودمشق تربط الحوار المباشر برفع التمثيل

نقولا ناصيف

في 24 حزيران 2009، قرّر الرئيس باراك أوباما إعادة السفير إلى سوريا، في خطوة رمت إلى إبراز انفتاحه على حوار جديد مع الرئيس بشّار الأسد. وفي شباط 2010 عيّن روبرت فورد سفيراً. إلى اليوم لم يحظَ السفير الجديد بموافقة الكونغرس.

لا يزال تعيين السفير الأميركي الجديد في سوريا روبرت فورد مجمّداً في أدراج الكونغرس، من غير أن يبدو الأخير مستعجلاً التصويت على قرار الرئيس باراك أوباما تسمية فورد. ولا يزال تعيينه يصطدم بانقسام الكونغرس على الموقف من رغبة أوباما في رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين العاصمتين المتنافرتين إلى سفير، بعدما كان الرئيس السابق جورج بوش قد سحب، في 15 شباط 2005 غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، السفيرة مارغريت سكوبي من السفارة في دمشق، وأبقى المنصب شاغراً في عهدة القائمة بالأعمال مورا كونيلي في مرحلة أولى، ثم حالياً في عهدة تشارلز هانتر.

وتتجاذب أعضاء الكونغرس وجهتا نظر متعارضتان:


أولى تدعم رأي الإدارة بضرورة تعيين سفير أميركي جديد، بغية فتح حوار مباشر ودائم بينها وبين القيادة السورية، وصرف النظر عن حوارات متقطعة وُضعت بين يدي مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان الذي قصد دمشق مرتين في 7 آذار و7 أيار 2009، يرافقه مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي دانيال شابيرو، والتقيا وزير الخارجية وليد المعلم، إلى حوارات مماثلة في واشنطن أجراها فيلتمان مع السفير السوري عماد مصطفى. واتسم الصنف الثاني في الغالب بسوء تفاهم دائم ناجم عن اعتقاد الإدارة الأميركية بأن مصطفى لا ينقل إلى قيادته المواقف الأميركية بأمانة.

وثانية تقول إن تعيين سفير أميركي جديد، قبل أن تستجيب دمشق عدداً من المطالب الأميركية المتصلة بملفي العراق ولبنان، وخصوصاً حزب الله، يُعدّ ضرباً من التنازل غير المجدي، يشجع الرئيس بشّار الأسد على مزيد من التصلّب ونبذ التعاون مع الإدارة، والوقوف عقبة في طريق الجهود الأميركية في المنطقة.
في ظلّ التجاذب بين وجهتي النظر هاتين، يراوح الحوار الأميركي ـــــ السوري مكانه، من غير أن يحرز تقدّماً ملحوظاً على صعيد العلاقات الثنائية. ويقترن هذا التباطؤ بالمعطيات الآتية:

1 ـــــ ما لم يُدعَ الكونغرس إلى جلسة للتصويت على تعيين فورد سفيراً في دمشق، فإن قرار الرئيس يظلّ مجمّداً، إلا إذا قرّر اللجوء إلى سابقة إرسال السفير بصفة قائم بالأعمال في انتظار تصويت الكونغرس على اعتماده. وهو تصويت ملزم لنفاذ قرار التعيين. إلا أن أوباما لا يسعه انتدابه بهذه الصفة إلا لسنة واحدة قابلة للتجديد. مع ذلك لم يُقدم رئيس أميركي مرة على التجديد سنة ثانية. كان أقرب الأمثلة إلى هذه السابقة تعيين الرئيس جورج بوش في آذار 2005 السفير جون بولتون لدى الأمم المتحدة: لم يبت الكونغرس التعيين، فانتدبه بوش للمنصب سنة واحدة بسبب عدم التئام الكونغرس للتصويت على هذا التعيين خلال تلك السنة. ورغم انعقاد الكونغرس في أكثر من جلسة السنة التالية، حيل فيها دون طرح التعيين على التصويت، بدا أن بعض الأعضاء جمهوريين وديموقراطيين غير موافقين على بولتون. بعد انقضاء السنة لم يكرّر الرئيس انتدابه.

2 ـــــ رغم وجود قائم بالأعمال يسيّر شؤون السفارة في دمشق، فإن القيادة السورية تصرّ على ربط أي حوار بينها وبين واشنطن بالسفير، كون مهمته تتجاوز الصلاحيات الإدارية إلى الاضطلاع بمهمة سياسية، هي نقل الرسائل بين رئيسي الدولتين ورعاية الحوار المباشر. وكانت قد أبلغت إلى واشنطن أنها لا ترى مبرّراً لحوار لا يراعي الأصول على مستوى سفير. في المقابل اشتكت واشنطن باستمرار من أن النظام السوري، الصارم والمتشدّد، لا يسهّل على الدوام سبل الاتصال بين السفير والقيادة، ولا يمكّنه من الاجتماع بوزير الخارجية بمرونة، ويوصد الأبواب دون اجتماعه بالرئيس السوري إلا في ظروف استثنائية. ذلك أن الأميركيين يرغبون في بناء علاقة مباشرة بين سفيرهم وبين الأسد.


 إلى سوريا، فإن الكونغرس مدعو إلى النظر في تعيين ثلاثة سفراء آخرين في الشرق الأوسط، في لبنان والعراق واليمن. وعدا فورد الذي أدلى بشهادته أمام الكونغرس قبل شهرين، فإن أياً من المرشحين الثلاثة بمن فيهم كونيلي (المرشحة لخلافة السفيرة ميشال سيسون في بيروت) لم يدلِ بشهادته أمام الكونغرس، المدعو كذلك في تشرين الثاني المقبل إلى انتخاب ثلث أعضائه مع انتخاب أعضاء مجلس النواب. وبسبب الخلاف على مبررات إرسال سفير إلى دمشق، يفضّل الكونغرس تجاهل التصويت على تعيين فورد، الأمر الذي يرشّح السفير الجديد بعد أشهر ـــــ ما لم يُسمَّ حتى أيلول بعد انقضاء عطلة آب ـــــ لمنصب آخر، على غرار ما حلّ بالسفيرة سكوبي التي استدعيت من دمشق إلى بلادها، وفي ظنّها أن انقطاعها عن مركز عملها لن يطول، فإذا به مستمر إلى الساعة. نقلت أولاً إلى السفارة في العراق، وتشغل حالياً منصب السفيرة في القاهرة.

4 ـــــ منذ عام 2005 راحت الإدارة الأميركية تنظر إلى سوريا ولبنان على نحو منفصل، أفضى إلى أن ترسي سياسة مستقلة حيال لبنان وأخرى مستقلة حيال سوريا، بعدما كانت قد اعتمدت على مرّ عقد تسعينات القرن الماضي دبلوماسية واحدة للبلدين، جعلت لبنان جزءاً لا يتجزأ من السياسة الأميركية لسوريا، معوّلة بذلك على التفويض المعطى للرئيس السوري، الأب ثم الابن، بإبقاء جيشه في لبنان ورعاية استقرار هذا البلد وإدارة نظامه. بعد القرار 1559، انفصل البلدان تماماً في رأي واشنطن التي راحت أيضاً تنظر إلى استقرار لبنان بمعزل عن استقرار سوريا، لا جزءاً لصيقاً بنظامها. حمل ذلك الرئيسين الأميركيين، السابق والحالي، على التأكيد في كل مناسبة، وأسهب في الغالب فيلتمان أكثر من سواه من دبلوماسيي الخارجية الأميركية نظراً إلى تعلقه بالملف اللبناني وإدارته إياه وهو يحاور دمشق، أن لا تسوية ولا صفقة مع نظام الأسد على حساب لبنان وسيادته واستقلاله. في الأشهر الأخيرة سعت واشنطن إلى تبديد مخاوف اللبنانيين بالتأكيد أن انفتاحها على سوريا بإرسالها سفيرها إليها، لن يفرّط بدعمها لبنان وحرصها على سيادته واستقلاله. بذلك أصبح هذا البلد في صلب الحوار الأميركي ـــــ السوري ونجاحه.


2010-07-14