ارشيف من :أخبار لبنانية

اجتثاث العملاء.. مسؤولية الجميع

اجتثاث العملاء.. مسؤولية الجميع

واصف شرارة، السفير

استرعى النشاط المكثف الذي قامت به الأجهزة الأمنية مؤخراً الانتباه في كشف العديد العديد من شبكات التعامل مع العدو الصهيوني، ولعل أخطرها عميل شبكة «ألفا» للاتصالات الذي أشارت المعلومات الى الفترة الزمنية الطويلة التي أمضاها في خدمة العدو وتسهيل مهمته ووفرة ما قدمه له ضد أبناء شعبه ووطنه.

وما يجدر التوقف عنده هو أعداد المتعاملين والشبكات على الأرض اللبنانية التي راحت تتزايد وتنمو كالفطر، خاصة خلال الفترة التي أعقبت حرب تموز 2006 حتى الآن، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لو أن العقوبات والاجراءات التي اتخذت بحق العملاء منذ العام 2000 وبعد التحرير كانت رادعة وكافية ما كان تجرأ العديد منهم على سلوك هذا المنحدر ولا تجرأ أيضاً العديد من السياسيين للدفاع عن العملاء الذين لا يزال قسم منهم يعيش ويقيم داخل الأرض المحتلة بعد التحرير، وما كانت نغمة «الحياد» التي يجاهر بها البعض تتصاعد مقترنة مع تصريحات بعض رجال الدين والسياسة وحول سلاح المقاومة، وما لهذه التصريحات من إحياء الانقسام الطائفي والمذهبي الذي أقل ما يقال فيه انه يحضّر لفتنة ما مهدت لها أموال الولايات المتحدة وحلفائها العرب، كما أكد ذلك «جيفري فيلتمان» حول نصف مليار دولار وزعتها إدارته في لبنان خلال السنوات الخمس الماضية بهدف تشوبه صورة المقاومة، وبالتالي تحضير الأجواء لفتنة مذهبية أولاً ومن ثم الى صراع طائفي ثانياً.

إن الضجة التي أثارها البعض لدى توقيف بعض الجواسيس ما هي إلا لتوهين جرم التجسس للعدو الصهيوني ولربط هذا التوقيف بمآرب سياسية لاستثارة غرائز وتضليل الرأي العام، وهذا ليس إلا أداءً ممنهجاً ومريباً الهدف منه إخفاء الحقائق وصرف الانتباه عن مخاطر الانكشاف الأمني والاستباحة الصهيونية لقطاعات حيوية في لبنان، وإسهاماً في توفير مظلة محلية للمتعاملين.

وثمة من يعتقد أن لبنان ساحة ملائمة لعمل أي جهاز استخباري في العالم، وبالأخص «الموساد»، والحاجة الإسرائيلية الى المعلومات الدقيقة تعاظمت بعدما اكتشفت القيادة العسكرية في صيف 2006 ان «بنك الأهداف» الذي تملكه يحتاج الى تجديد وتحديث، وان المقاومة استطاعت ان تخدع القيادة الإسرائيلية على أكثر من صعيد.

ومنذ نشأة حزب الله في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تدور حرب متواصلة بينه وبين الكيان الغاصب، وقد خاض الحزب معارك كبرى عدة مع «إسرائيل» في العامين 1993 و1996 وحرب 2006 كانت أكبر هذه الحروب وأشرسها. كما خاض الحزب حرب استنزاف طويلة ضد الجيش الإسرائيلي والعملاء في جنوب لبنان استمرت نحو عقدين من الزمن ولم تنته بانسحاب العدو عن معظم أرض الجنوب عام 2000، ويخوض الحزب مع العدو في كل يوم وساعة ودقيقة حرباً سرية استخبارية لا يعرف الناس من فصولها إلا ما يسربه هذا الجانب أو ذاك من نجاحات يحققها.

ويشكل جهاز «الموساد» الإسرائيلي نموذجاً للإرهاب، وبرزت الى العلن مفاعيل بعض أعماله، ولكن هذا الجهاز يضع الخطط لتكون برامج تلتزم بها "إسرائيل" بالسير عليها من أجل ما تسميه النجاح الأمني والذي تبحث عنه بعد الاخفاقات الكثيرة من الوزن الثقيل في حرب العام 2006 في الجنوب اللبناني وفي حرب غزة، وهذا ما دفع بمئير داغان رئيس «الموساد» للاعلان قبل أسابيع أن الولايات المتحدة باتت تميل الى اعتبار إسرائيل عبئاً لا ذخراً أمنياً لها، وهناك بدأت تظهر في الصحف الإسرائيلية مطالبات عديدة لإقالته جراء الاخفاقات المتكررة السياسية والعملياتية على حد سواء، وهذا أيضاً ما يدفع «الموساد» للتركيز على خلايا وشبكات تحاول من خلالها تحقيق بعض «الانجاز» الذي لم تستطع الحصول عليه من قبل.

وإذا كان «الموساد» رأس حربة الكيان الصهيوني، فإنه بعد هذه الاخفاقات لم يعد تلك المنظمة المرعبة التي تحيط نفسها بستار حديدي، بل أصبحت منظمة تضم اليوم وكما في الأمس مجموعة قتلة ليس إلا!! والضربة القوية التي تلقاها «الموساد» كانت من المقاومة عندما وجهت إليه احدى ضرباتها القاسية يوم جرّت العقيد «تننباوم» برجليه الى بيروت في عملية معقّدة جداً وخلصت الى مبادلته بأسرى ومعتقلين لبنانيين، كما ان الجيش اللبناني استطاع في واحدة من أخطر العمليات دقة من سحب العميل المسجل «خطر» أحمد الحلاق من داخل الشريط المحتل الى بيروت ومحاكمته أمام القضاء وإعدامه ليلقى القصاص العادل، وعلى هذا الأساس كان يجب الاستمرار بمحاكمة كل العملاء ليلقوا العقاب والقصاص العادل وليكونوا عبره لمن يعتبر، لكن المحاكمات التي جرت عقب تحرير المنطقة والأحكام المخففة دفعت بالعديد منهم للاستمرار في غيّهم.

إن الدولة كلها يجب أن تستنفر كل أجهزتها لضرب العملاء ومحاكمتهم على طريقة محاكمة العميل الحلاق، فكيف يعقل أن يفلت العميل محمود رافع الذي كان وراء استشهاد الأخوين المجذوب في صيدا والذي ارتكب بحق الوطن وأبناءه جرائم من حبل المشنقة.

أمام هذا العدد من الشبكات ومن العملاء نرى أن لبنان مستهدف مباشرة وهو في المرمى الإسرائيلي على مستويات مختلفة، وان "إسرائيل" تمكنت من استغلال الصراع القائم على الساحة اللبنانية وتمكنت من النفاذ الى داخل بعض القوى بهدف تحقيق اختراقات ملموسة، مستغلة ما أحدثه هذا الصراع وهذا الانقسام اللبناني من خلل في مناعة الجسم اللبناني تجاه مسألة الصراع مع العدو التي لا يمكن تعويضها إلا بمزيد من التلاحم والتنسيق بين الجيش والمقاومة.

إن اجتثاث العمالة وإنزال العقاب الرادع والقاسي بحق كل عميل باع نفسه وضميره وسخّر حاله أداة طيّعة بيد العدو هو مطلب وطني لا جدال فيه، لأن التهاون والخنوع في هذا الموضوع دفعا وسيدفعان بأصحاب النفوس الرخيصة ليكونوا لعبة بيد الأعداء.

2010-07-14