ارشيف من :أخبار لبنانية
كتـاب مفتـوح إلـى الرئيـس سعـد الحريـري البحـث عـن القاتـل يبـدأ مـن هنـا
نصري الصايغ - السفير
I ـ إننا نحب الحياة
دولة الرئيس
لنفترض أن قراراً ظنياً صدر، يتهم عناصر من حزب الله، بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
لنفترض ذلك. لكن، قبل ذلك أؤكد لك أننا شعب يحب الحياة، حباً يبلغ حد الهوس والاحتراف، وله مع الحياة حكايات لا يشحب فرحها أبداً. ولدينا، يا دولة الرئيس، مئات الأسباب لهذا الحب.
لو تسنى لك أن تكون معنا في بعلبك، حيث للأعمدة الستة، شقيق سابع، يدعى «السكر بالفن»، على كتف معبد باخوس، إله الخمر. لو تسنى لك أن تسهر برفقة الموسيقى والرقص والشعر، لأدركت، بلمس الحواس، كم أن حب الحياة معتّق عندنا، ومتصل بالروح وأمكنة الوطن المتخيل. لو أتيح لك أن تكون معنا نحن اللبنانيين، في جبيل، لتخلّيت عن الهندام البروتوكولي، وصفقت ملء شغافك لموسيقى تجترح تأليه الفرح. لو كنت معنا في بيت الدين، لما شعرت أنك في ضيافة مفترضة من وليد جنبلاط، بل كنت نسيت السياسة والسياسيين، وأقمت هناك طليق القلب. فالفرح وحب الحياة لا سياسة لهما.
لو أمضيت معنا فسحة يوم في مليتا، لشعرت مثلنا، أننا نحب الحياة بكرامة وحرية وعطاء... لكنت توقفت وقلت بنبرة ناصرية: «إرفع رأسك يا أخي»، لدنوت من التراب وتحسست قداسته المعطرة بالدم. لو كنت معنا في مليتا، متحف المقاومة والانتصار على العدو الإسرائيلي لوقفت في صدر القاعة الكبيرة، لتسمع «اعترافات» قادة إسرائيل بالهزيمة.
ستقرأ بتمهل عذب ما قاله اسحق شامير، رئيس وزراء العدو الأسبق:
«لم يخطر ببالي أن أحيا لهذا اليوم الذي ترغم فيه إسرائيل وجيشها الذي وصفه أعداؤنا بأنه الجيش الذي لا يقهر، على الفرار أمام طرف عربي»... لو كنت هناك لطلبت ممن معك أن يسجل أقوال قادة اسرائيل: «ما الذي حدث؟ كيف جرت الأمور على هذا النحو؟ بضع مئات من جنود حزب الله يجبرون الدولة الأقوى في الشرق الأوسط على الظهور بهذا الشكل الانهزامي». ستفرك يديك فرحاً وتبتسم بغبطة. يا دولة الرئيس، عندما تتابع ما قاله شامير: «لقد أثبتنا للعرب دوماً أنه يجدر بهم ألا يحاولوا إرغامنا على تقديم تنازل لهم بالقوة، لأنهم في النهاية، هم الطرف الذي سيتنازل. لكن حزب الله أثبت أن هناك عرباً من نوع آخر».
ستفرح يا دولة الرئيس، لأن شيمون بيريز، سيعترف أمامك، وستقرأ ذلك بأم عينيك، بأن «الجيش الإسرائيلي دخل حرباً (تموز) ولم يحصل فيها مجد ولا انتصارات. نحن اليوم نظهر أضعف مما كنا. خسرنا من قوة ردعنا أمام العالم العربي الذي سلّم عموماً بوجود دولة إسرائيل... منذ ذلك التاريخ، تراجع موقفنا، وأستطيع القول، إن إسرائيل كانت مشكلة العالم، أما اليوم، فالعالم هو مشكلة إسرائيل».
كلام حاسم. أليس كذلك؟
في مليتا، ستجد يا دولة الرئيس شعباً مؤمناً، يحب الحياة بطريقة فذة، طريقة التصوف بالقضية والعشق لمسالكها ومآلاتها. طريقة تقوم على ابتداع القرابين عبر مراسم الشهادة والعطاء بلا حساب. طريقة، فرضت على أرييل شارون الاعتراف بأنه «لأول مرة في تاريخنا، نبادر إلى سحب الجيش الإسرائيلي، يفسرها العدو والصديق معاً، بأنها انكفاء بلا شروط».
ستشهد معنا هناك، يا دولة الرئيس، «حكاية الأرض للسماء» وهي حكاية، نسج مقدماتها وعقدها وحلولها، قائد الانتصارين، عماد مغنية.
معك حق يا دولة الرئيس، نحن شعب نحب الحياة. وبقدر حبنا لها، نخاف عليها، إذ سرعان ما ينقلب الفرح في لبنان إلى غم وهمّ. يتجوّل القلق بيننا كسؤال: «متى تبدأ الفتنة»، مع رجاء، «من يوقف الفتنة»؟ مع أمل ألا يتحول الوطن إلى «مقبرة للحياة» نهيل عليها دموعنا ونطعم التراب مواسم أبنائنا وآبائنا وأمهاتنا... وما تبقى من الوطن.
II ـ لا تعداد لضحايا القرار الظني
دولة الرئيس
لنفترض أن القرار سيصدر غداً، بصيغة الاتهام المباشر لعناصر من حزب الله، بارتكاب الجريمة.
أول التداعيات: إقامة حفلات غير معلنة، لوداع الأفراح، والقبض على «حب الحياة». حصل ذلك مراراً. تاريخ لبنان، في خمسة عشر عاما من الحرب، كان تناوباً لأعراس مختصرة تعقبها جنازات مديدة. عرف لبنان كيف يرخّص الحياة وينفقها كالحيوانات الشاردة في طوائفها والمستفحلة في مذاهبها.
ماذا بعد؟
نصل إلى السياسة. ولبنان صاحب قواعد سياسية لا تخطئ. ديموقراطيته المشوهة، مدرسة في تلقين الدروس، وليس من يتعلم منها.
أولى الضحايا، يا دولة الرئيس، حكومتك. لن يبقى منها وزير إلى جانب وزير. هم لا يتطايقون الآن، فكيف إذا صدر الاتهام. سينفرط العقد الهش، وتصبح رئيس وزارة، مشلّعة، مستقيلة، تسيّر أعمالاً، لم تعد قابلة لأن تسير.
تصير حكومتك وأنت على رأسها، بلا سلطة ولا قرار ولا شرعية. ولا طاقة للمعارضة على تأليف حكومة من دونك، إلا إذا توهمت أنها أكثرية، بإضافة نواب اللقاء الديموقراطي إلى حساباتها. فيما وليد جنبلاط يناسبه أن يبقى بين «البور» و«الفلاحة».
وعندما تتعطل سلطة القرار، تشل المؤسسات، ويضطر الجيش إلى التحصن بثكناته. فمن أين يتلقى قراراته السياسية... الأمثولة تقول: الجيش على الحياد. لا يجوز الزج به في أتون الصراعات والنزاعات الطائفية والمذهبية. الخوف عنده يصونه. الخوف عليه ومنه ينجيه.
لكن من ينجي اللبنانيين؟ من يضمن أمنهم؟ وهكذا، يا دولة الرئيس، يصبح اللبناني بلا أمن، مكشوفاً كل يوم. خائفاً في كل لحظة. وعندها يخشى من الأعظم.
لا أمن، لا جيش، لا سلطة، لا قرارات، هذا يساوي الفلتان الغرائزي الطبيعي. والطبيعة عندنا فصول طوائفية، لا ربيع فيها، غير ربيع الدماء. وسيصير السقف اللبناني العالي: «منع الحرب الأهلية». أليس صحيحاً يا دولة الرئيس ما قاله السيد حسن نصر الله، اننا عشنا في لبنان، على مدى أربع سنوات، على شفا حرب أهلية، كان يمكن أن تندلع كل يوم.
وطن على الصليب... والجلجلة بلا نهاية.
فما العمل؟ هل نستسلم أم نقاوم؟
III ـ من سيبقى على قيد الحياة؟
دولة الرئيس، لنفرض أن القرار الظني سيصدر غداً في جريمة الاغتيال، لا بد من التذكير:
ان «النعيم» اللبناني جار لصيق للجحيم. من يصدّق أن لبنان يحتل المرتبة الأولى في الاغتيالات. دولة ديموقراطية مبنية على التوافق، كما هو مفترض، ترتكب الغدر والاغتيالات. الأنظمة الدكتاتورية لا تحتاج إلى اغتيالات ترتكب سراً. الإعدام يتم جهاراً وبلا محاكمة والتهمة الملفقة جاهزة. في الأنظمة الديموقراطية الحقيقية، الاغتيال استثناء. عندنا لائحة تطول، وقد طالت رجالات وقادة ومفكرين، رؤساء جمهورية وحكومة ونواباً و... لم يعدنا أحد بعد، إلا بالمزيد من الاغتيالات.
اغتيل أنطون سعادة بمحاكمة صورية ظالمة. واغتيل رياض الصلح انتقاماً، واغتيل معروف سعد قصداً وعمداً (أين محاكمة قتلته؟) واغتيل كمال جنبلاط تصفية له ولمشروعه، واغتيل طوني فرنجية بهمجية ووحشية من قبل القوات اللبنانية، بقيادة بشير الجميل وسمير جعجع، واغتيل بشير الجميل عقاباً له، واغتيل رشيد كرامي، ثم رينيه معوض، فأي جحيم هذا البلد؟ من بقي من قادته الذين دشنوا الحرب اللبنانية على قيد الحياة في نهايتها. من؟
بلد يقتل قادته ويأكل أولاده.
دولة الرئيس... لا يليق اللون الأسود بنا. بعد اغتيال والدك، كرت سبحة الاغتيالات... احتل الأسود الثياب والقلوب. كان الحزن خبزنا اليومي، عشاءنا السري، وكنا نتساءل: من التالي؟
لم يعاقب أحد من القتلة. وحده سمير جعجع سيق الى السجن، بتهمة تفجير الكنيسة، ثم أدخل الى ملف الرئيس كرامي، وحكمت المحكمة بإدانته. وأمضى أحد عشر عاماً سجيناً، أدخله القضاء السجن، وأخرجته السياسة.
من غيره؟
لا أحد.
لذلك، يا دولة الرئيس، نصر عليك بأن تذهب في البحث عن الحقيقة الى النهاية. الحقيقة الدامغة. الحقيقة المحسوبة بدقة الشهود، لا بصدّيق التزوير. الحقيقة المثبتة بالأدلة اللا لبس فيها، وليس بالاستنتاجات، وتلفيق الأدوار.
نريد أن تذهب الى النهاية، كي يعاقب القاتل الحقيقي، وليس القاتل المشتهى، أو القاتل المرغوب، أو القاتل المؤقت. لا نريد حقيقة متنقلة، بين اتهام لسوريا، تبين بهتانه، وحقيقة قضت باعتقال الضباط الأربعة ظلماً. نريد حقيقة، قد لا يرضى بها أعوانك وبعض من آل سياستك.
نريد، ولو لمرة واحدة، أن نكتشف القاتل الحقيقي، لينجو لبنان.
IV ـ المحكمة الدولية ليست امرأة قيصر
دولة الرئيس
لنفرض أن القرار سيصدر غداً... 14 آذار ستعتبره الحقيقة وتدافع عنه، متهمة عناصر من حزب الله بالارتكاب، من رؤوس شفاهها، فيما قناعتها أن القرار هو قرار الحزب بقيادته، وليس بعناصر مخترقة... المقاومة وحلفاؤها سيعتبرون القرار إعلان حرب على المقاومة، وإعلان بدء الفتنة في لبنان.
هل هذا واضح يا دولة الرئيس؟
لا تعليق على ما يقوله من حولك. نحن بانتظار ما ستقوله أنت. وما ستقوله أنت، هل سيجيب عن الأسئلة التي تبدأ من الشك بالمحكمة؟
دولة الرئيس، المحكمة ليست امرأة قيصر، عايناها مع ديتلف ميليس، إنها كانت «امرأة سوق» وليس امرأة منزهة. عرفناها أنها مبتذلة ومهترئة وملفقة... فكيف ندافع عن محكمة، هكذا بدأت سيرتها؟
دولة الرئيس، المحكمة ولو كانت دولية، ومتمتعة بحصانة مجلس الأمن، فإنها لا تملك حصانة النزاهة والعدالة. يكفي أنها ارتكبت عاهات قضائية مثبتة، روج فريقكم لها. فريقكم لعن سوريا وأخرجها من لبنان. أسقطتم حكومة برمّتها. اعتقلتم ضباطاً أربعة وشهّرتم بهم... ثم، لماذا لم تقدموا بعد على تنقية صفوفكم من شهود الزور ومن خطط ونفذ ولفق شهادات وشهود الزور؟
دولة الرئيس، ان فريقاً في لبنان لا يثق بالمحكمة، ولديه حججه، وفريقاً يثق بالمحكمة. برغم ما يعتورها، بمعرفة منه أو بتغاض منه، من ارتكابات، كان آخرها رفض المحقق/ المدعي العام دانيال بلمار، بجواز تسليم شهود الزور للواء جميل السيد، كي يقاضيهم في محكمة ما، في بلاد الله الواسعة.
لا ثقة بهذه المحكمة، وبكيفية إدارتها لهذا الملف، ودخول سياسة لعبة الأمم فيه. أما القضاء اللبناني، فلا حول ولا قوة إلا بالله. إنه ليس من هذا العالم المبني على الحقوق والشفافية.
Vـ لنذهب إلى الحقيقة معاً!
دولة الرئيس
لنفترض أن قراراً صدر غداً، يتهم عناصر من حزب الله بالارتكاب، فماذا سيحدث أيضاً؟
قيل لنا، ليس في لبنان إمكانية لحماية كل المساجد. ولا إمكانية لحماية الحسينيات، ولا إمكانية لحماية الشخصيات السياسية والدينية، ولا إمكانية لحراسة المنشآت ووسائل الإعلام، ولا إمكانية لمنع أي انفجار، يبدأ في... وينتقل إلى... كل لبنان.
من المستفيد؟
لن يقال بعد ذلك، إذا كان القرار الاتهامي صحيحاً أو مزوراً. القرار، ان كان كامل الأوصاف النبيلة، أو معقل الأخلاق والسياسة، فإنه سيكون بوابة الجحيم. وعليه، فالتطرف سيقضي على الاعتدال. والتعصب سيصير نبيّ الشرائع، ومنه تصدر فتاوى القتل.
إنه لأمر مرعب حقاً!
من يبقى منا بعد ذلك؟
هل واثق يا دولة الرئيس، بأن الأحوال ستتبدّل، وقد تنقلب، ولا يبقى منا أحد في لبنان، لا أنت ولا نحن ولا... إلا من... يا لها من صورة رهيبة!
وعليه، يا دولة الرئيس، فإن أمر أمننا وحياتنا رهن بقرار منك. ما هو؟
لا أعرف على وجه التحديد والتفصيل. قد يكون اقتراح الرئيس الحص، أو سواه، لنعد القضية برمتها إلينا. لنذهب الى اكتشاف الحقيقة معاً. فلتقل الأمور بكل صراحة. فلتكشف الأوراق المخبأة، الأوراق الملغومة، الأوراق الملعونة... فلنفتح الملفات الأمنية السابقة والراهنة. فليستدع شهود الزور ومشغلوهم. فليضم الدليل على المرتكب، صغيراً أم كبيراً، وليشهد الجميع على ذلك.
من دون أن نذهب معاً الى هذه الحقيقة، فكل حقيقة أخرى ستقود لبنان الى المقصلة... وسيكون على المقاومة أن تحمي بالقوة سلاحها وبقاءها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018