ارشيف من :أخبار لبنانية
كلمة ولون وضوء .. مشهد إبداعي يتنفس مقاومة
عندما تصل إلى قصر الأونيسكو تستقبلك لافتات كبيرة على الباب الخارجي صممت خصيصاً من أجل المناسبة، تدخل الى الباحة فيشدك صالون الاعلاميين الذي يعج بحركة نشيطة، تلتفت يساراً فتقع عينك على شاشة عملاقة نصبت في آخر القاعة تعرض أفلاماً وصوراً. تصل سمعك موسيقى هادئة تعزف على الـ"أورغ" وتضفي على الأونيسكو أجواءً شاعرية. تقترب من الباب قليلاً، فتتفاجأ بمهرجان فني متكامل، لوحات رسمت باليد، وأخرى صورت بالكاميرا، منحوتات وأعمال يدوية. زاوية مزدحمة بأقلام التلوين والزيت والشمع والرصاص والفحم، وشعراء شباب على المنبر! تحتار من أين تبدأ، وقبل أن تسأل يأتيك الجواب من أحد المنظمين "أهلاً بك في معرض الإبداع".
هذا هو باختصار المشهد الذي تراه في معرض "إبداع بالكلمة واللون والضوء" الذي أقامته جمعية "إبداع" في قصر الأونيسكو على مدى ثلاثة أيام وعرضت فيه ما وقعت عليه من مواهب أدبيّة وفنيّة.
معاون المنسق العام للمعرض ومدير المنتدى الأدبي محمد علوش أكد لـ"الانتقاد" "نجاح المعرض على اكثر من صعيد".على المستوى التنظيمي "كان ناجحاً جداً، فاللجان التي حددتها اللجنة المنظمة للمعرض قامت بدورها على أكمل وجه، وكلّ حسب اختصاصه، أما على مستوى البرنامج بحد ذاته فقد كان غنياً ومنوعاً وضم القصة القصيرة والشعر الفصيح والشعر الشعبي والمنتدى المفتوح".
ولمّا كان الهدف الأساسي لجمعية إبداع هو اكتشاف المواهب والعمل على تنميتها إن كان من خلال المعرض أو النشاطات المختلفة التي تقوم بها، فقد تمكنت من تحقيق هدفها بشكل دقيق إن كان من خلال "ورشة الفنون الجميلة أو المنتدى الشعري المفتوح الذي أتاح فرصة لاكتشاف العديد من المواهب والطاقات الواعدة".
علوش الذي شكر للإعلام تغطيته المميزة ومساهمته في تعريف الجمهور بشكل أكبر الى هذه الجمعية أكد أن "هذا المعرض الإبداعي سينظم سنوياً مع العمل على تطويره اكثر في المستقبل، والسعي دائماً للعمل على تقديم ما هو لمصلحة الجيل الشاب".
أما منسقة العلاقات الداخلية في المعرض هدى نصرالله فشرحت طبيعة المعرض وأشادت بالتعاون والتنسيق الكامل بين هذه الأقسام وقالت "عقدنا عدداً من الاجتماعات واللقاءات التحضيرية، وقمنا خلالها بتقسيم المعرض الى عدة أجنحة، كل جناح يرأسه منسق ولجنة مختصة مؤلفة من أعضاء في الجمعية، هذا وتم وضع خطة عمل واضحة ووزعت الأدوار بشكل مبرمج ومنسّق بهدف تغطية كل الأنشطة طوال الوقت".
وتابعت نصرالله "خلال المعرض لمسنا التعاون الكامل بين الجميع حيث كانوا يبذلون جهداً استثنائياً لتحقيق الأهداف الموضوعة بإشراف رئيس الجمعية الشاعر علي عباس وبتوجيه منه، واستطعنا بروحية الفريق الواحد وإمكانياتنا المتواضعة أن ننجح في إيصال رسالتنا إلى الشباب اللبناني والعربي".
وعلى صعيد الأقسام فقد ضم المعرض بحسب نصرالله "جناحين كبيرين لعرض رسوم الشباب المبدعين وصورهم الفوتوغرافية، زاوية للمنحوتات وللـ"غرافيك ديزاين" وأخرى للمحترف الفني الذي مكننا من اكتشاف العديد من المواهب الجديدة، وتوسط المعرض عمل فني يدوي راق لأحد الشباب المبدعين، وقد نصبت شاشة ضخمة خصصت لعرض الأفلام القصيرة، هذا بالإضافة إلى المنبر الذي شهد أمسيات أدبية متنوعة".
بدورها أثنت الفنانة أحلام عباس على فكرة المعرض وأهدافه، ورأت عباس التي أشرفت على المحترف الفني أن "الفكرة جديدة ولم يقم بها أحد من قبل، وأنها لاقت استحساناً لدى الزائرين، فالإقبال كان جيداً على ورشة العمل في محترف الفنون الجميلة، وقام المشاركون برسم مجموعة من اللوحات المختلفة من حيث الموضوع أو أدوات الرسم، وعند الانتهاء من تنفيذها تم عرض هذه الرسوم في المكان الذي خصصناه لها في المعرض".
أثناء التحضير للمعرض قامت جمعية إبداع بإفساح المجال أمام الموهوبين للمشاركة بوضع شعار المعرض، أي ما يسمى بالـ"لوغو"، وبعد استعراض كل المقترحات تقرر اعتماد التصميم الذي قدمته الموهوبة فاطمة فرحات التي شاركت أيضاً في جناح الـ"غرافيك ديزاين". فرحات الحاصلة حديثاً على إجازة ليسانس في الفنون الإعلانية والتواصل البصري من الجامعة اللبنانية تحدثت عن تجربتها قائلة "معرفتي بجمعية إبداع كانت من خلال شبكة الـ"فايسبوك"، أما الانضمام إليها فكان عبر بعض الأصدقاء منذ ثلاثة أشهر، ومشاركتي الفعلية مع إبداع كانت من خلال المعرض، فكانت فرصتي الأولى لعرض مشروعَي التخرج خارج أسوار الجامعة".
وتابعت فرحات الشرح عن مشروعيها فـ"الأول عنوانه (كن) وهو عبارة عن خمس لوحات تتوحد في لوحة واحدة، وهي تجيب عن السؤال الأول للفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت (ماذا يمكن أن أعرف؟) ويهدف المشروع إلى إيصال خلاصة مفادها أنه من خلال الوصول إلى المعرفة يمكننا إدراك الوجود". أما المشروع الثاني فعنوانه (الإمكانية Possibility ) وهو يتحدث عن "إمكانية أو عدم إمكانية وجود "إسرائيل"، وفي الوقت نفسه يأتي رداً على ما قاله شمعون بيريز مطلع هذا العام (هذا زمن الـ"نعم")، فمن خلال ثماني لوحات فوتوغرافية استعرضت ثماني محطات تاريخية استطاعت أن تبرهن أن هذا زمن الـ(لا)".
وكان لطالبة الجامعة اللبنانية ـ كلية العمارة والفنون الجميلة، قسم الهندسة المعمارية ـ زينب فرحات، شقيقة فاطمة، مشاركة أيضاً في المعرض، وقد تلخصت بعملين "الأول، مجسم مصغر للنصب التذكاري لشهداء الجامعة اللبنانية الذي فاز بالمرتبة الأولى دون أن ينفذ، والذي يحكي مراحل حياة الشهيد المجاهد الجامعي قبل وبعد الشهادة، أمّا العمل الثاني فهو عبارة عن منحوتة من الجفصين تلخص تناقض المشاعر لدى الإنسان".
ميرفت وميرنا جمعة مصورتان موهوبتان تطمحان إلى إنشاء استديو للتصوير في منطقة النبطية، شاركتا من خلال صورهما المميزة في جناح الصور الفوتوغرافية، وكانت الموضوعات التي اختاروها محط إعجاب زوار المعرض، فـميرفت اختارت لصورها عنوان "الوجه الآخر" وقامت بتصويرها في قلعة الشقيف الأثرية، أما ميرنا فقد استعرضت بصورها جمال الطبيعة في منطقة الجنوب. الأختان اللتان أكدتا على أهمية الدور الذي تقوم به " إبداع" في ساحة الثقافة والفن الملتزم في لبنان، شكرتا بدورهما القيمين على الجمعية للفرصة التي أتاحتها لهما لإبراز موهبتيهما.
إذاً هي حلقات متسلسلة لتعزيز قدرات المرء وفق امكانياته، ومشاهد إبداعية تقدم للجمهور المتعدد الاطياف والالوان، لترسم من خلال الأدب والرسم والموسيقى عالما مفيداً للشباب، تتسع من خلاله دائرة الجمال لتحاصر دائرة تضييع الوقت وهدره عبثاً. كلمة ولون وضوء، إبداع ما بعده إبداع، والملتقى القادم في الجنوب المقاوم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018