ارشيف من :أخبار لبنانية
رئيس المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق: تدخل الدولة وتصحيح الأجور وتحسين شروط الإقراض بداية لحل مشكلة السكن
أصبحت أزمة السكن في لبنان العبء الأكبر على كاهل فئةٍ يزداد عددها يوماً بعد يوم. ارتفاعٌ جنوني وغير منطقي في أسعار الوحدات السكنية، وطلبٌ متزايد برغم الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرّة في ظل غياب شبه تامّ لأيّ تدخّلٍ من قبل الدولة ولأي سياسات علاجية. أسئلة عدّة تطرح على بساط الأزمة أبرزها: كيف يمكن للبناني الحصول على مسكن؟ وما هي الإجراءات اللازمة للخروج من هذه المشكلة التي يعاني منها في الدرجة الأولى أصحاب المداخيل المحدودة والفقراء.
في محاولة لفهم ما يجري في قطاع الإسكان في لبنان، التقى موقع الانتقاد رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، الخبير الاقتصادي الأستاذ عبد الحليم فضل الله، فكان الحوار التالي:
• ما هو حجم قطاع الإسكان في لبنان؟
ـ في لبنان لا يوجد تقدير دقيق لهذا القطاع. وحدها الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية حيث المساكن مرتبطة بالمصارف، يمكنها إعطاء إحصاء دقيق على هذا المستوى.
أما في لبنان، فيمكن التوقف عند مجموعة مؤشرات نستنتج من خلالها حجم القطاع وهي القروض المصرفية التي تبلغ نحو 5 مليارات دولار بحسب المؤسسة العامة للاسكان، وعدد القروض الذي يبلغ نحو 7000 قرض، أي ما يقارب 30 % من الطلب. مع العلم أن حجم الطلب على الشقق السكنية في لبنان هو بين 25 الف الى 30 الف مسكن سنوياً.
• هل صحيح أن عدد الشقق الفارغة اليوم هو عدد محدود (30 الف شقة) ما يمنع تكرار أزمة التسعينات العقارية؟
ـ رصد الشقق الفارغة صعب جدا، وقد ظهرت هذه الصعوبة عند طرح فكرة فرض ضرائب على الشقق الفارغة، عندها قيل ان الشقق الفارغة لا تتخطى الألفي شقة (2000) فقط. اما الحديث عن 30 الف شقة فارغة في بيروت الكبرى فهذا لا يعتبر رقماً قليلاً، إنما لا يمكن فصل هذا الرقم عن المضاربة.
• ما هو توصيفك لواقع قطاع الإسكان اليوم؟ هل تنطبق عليه صفة الأزمة؟
ـ ليس هناك فائض بالعرض، ما يعني ان الازمة بالمعنى التقليدي لا وجود لها. المشكلة الكامنة برأيي تتأتّى من وصول المقترضين الى مرحلة يصبحون فيها غير قادرين على الدفع.
وهذا احتمال وارد مع الارتفاع الجنوني للأسعار مقابل عدم ارتفاع الأجور التي تآكلت بطريقة كبيرة. فالمواطن الذي اقترض في العام 2004 ونظم موازنته على أساس دخل حقيقي يوازي الألف (1000) دولار مثلا يجد نفسه اليوم مع دخل انخفض وفقد 50% من قيمته الشرائية، ما يعني انه وجد نفسه مع قرض على اساس دخل يوازي الـ500 دولار لا اكثر.
•ما هو تفسيرك لعدم تأثر لبنان بالازمة العقارية التي ضربت كل دول العالم؟
ـ الازمة العقارية لم تضرب كل دول العالم، وبعض الدول مثل لبنان والبلدان المجاورة بقيت بمنأى عن هذه الازمة وذلك لاسباب موضوعية. فسوريا مثلا بقيت بعيدة عن الأزمة بسبب المال النفطي العراقي، وقد لجأ العراقيون لشراء المساكن في الدول المجاورة وتحديدا في الشام، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة تفوق ارتفاع الأسعار في لبنان.
بالنسبة للبنان فإن تدفق المال النفطي وزيادة اموال المغتربين التي وصلت الى سبعة مليارات دولار سنوياً، أي ما يوازي 20% من الناتج المحلي، إضافةً إلى ان المستثمر والمدّخر اللبناني يتعاطى مع العقار على أنه جزء من محفظته المالية. وكلّما حصل اضطراب ينتقل من الأصول المضطربة إلى الأصول الأكثر استقراراً. فعند مشكلة أسواق الصرف لجأ المستثمرون إلى الذهب الذي يتعرّض حالياً لصعودٍ وهبوط، فتمّ الانتقال تلقائياً إلى العقارات التي تعتبر الجزء الأكثر ثباتاً واستقراراً في المحفظة. كما أن اللبنانيين يميلون تقليدياً الى تخزين الثروة البعيدة المدى من خلال العقارات.
في لبنان المشكلة ليست بمستوى واحد داخل القطاع العقاري، ففي بيروت نلحظ ارتفاعاً حادّاً بالأسعار وبالطلب. أما في المناطق فمستوى الارتفاع أقلّ. كما يلاحظ أن المساكن المرتفعة الثمن (نصف مليون دولار وما فوق) استقرّت أسعارها، أما المساكن الشعبية، فهي في ارتفاعٍ مستمرّ.
• ما هو السبب وراء هذه الظاهرة؟
ـ السبب أن هذه المساكن تموّل عبر التمويل المباشر الذي يتمّ من قبل المغترب نفسه دون اللجوء للمصارف، كما أن هناك فجوة بين العرض والطلب على مستوى المساكن الصغيرة، خاصةً أن المصارف تفضّل تمويل المشاريع الكبيرة وليس المشاريع السكنية الشعبية.
• يقال إن حرب تموز أثّرت سلباً على سوق العقارات في لبنان، ما هي صحة هذا الكلام؟
ـ حرب تموز أثّرت جزئياً ونسبياً وعلى المدى القصير بما لا يتخطى الـ5 % من الارتفاعات التي حصلت. أما اليوم، فلا علاقة لحرب تموز بما يجري، خاصةً أن الناس عادت الى مساكنها، وأصلاً التأثير كان على الإيجار الذي لجأ اليه من تهدّم منزله. في كل الأحوال، فإن الضاحية الجنوبية فها 120 ألف وحدة سكنية، أي تشكّل 5% من قطاع الإسكان في لبنان فقط.
• هل من إمكانية للخروج من هذا الواقع الذي يعاني منه بالدرجة الاولى اصحاب المداخيل المحدودة؟
ـ في الحقيقة، إن أكبر مشكلة يعاني منها القطاع أنه خارج متناول السياسات. كما أن تمويل القطاع يتمّ بشكلٍ مباشر، إما من أموال آتية من الخارج أو بتمويلٍ مباشر. ما يعني أن الفوائد والسياسات المصرفية لا تؤثّر على الاسعار. كما أن هناك عاملاً آخر وهو طغيان التملّك خاصةً في منطقة مركّزة هي بيروت.
• يقال إن قطاع العقارات خاضع لمافيا احتكارية، هل هذا صحيح؟
ـ من الصعب التحكّم بهذا القطاع ولا أملك المعطيات التي تسمح لي بتأكيد هذا الأمر، إلا أن الاحتكار ممكن على مستوى مصادر التمويل.
• ماذا عن المضاربات في هذا القطاع؟
ـ بالفعل هناك مضاربات في القطاع، ولا يمكن إغفال الموضوع والسبب هو الرهان المستمر على ارتفاع الأسعار، ويلاحظ أن المضاربة تتركّز كلما اقتربنا من وسط بيروت حيث نشعر بأن مشاريع بأكملها لا سكن فيها إطلاقاً. ولا حلّ لهذه المشكلة إلا من خلال فرض ضريبة على الأرباح العقارية.
• هل من إمكانية للوصول إلى حلول خاصةً أن الأزمة يدفع ثمنها أصحاب المداخيل المحدودة؟
ـ هناك أكثر من إطار للحلّ. الإطار الاقتصادي لا بدّ منه من خلال تقدير معدّلات التضخّم لمعرفة مدى ارتفاع الأسعار، ما يدفع إلى تصحيح الأجور وإعادة النظر ببرامج الإقراض لتصبح طويلة الامد ومدعومة، فتستفيد منها الفئات المتدنية الدخل، يترافق هذا الأمر مع خفضٍ للفوائد. ويجب على الدولة أيضاً ان تتدخّل لتوازن بين تمويل العرض وتمويل الطلب. أما المؤسسة العامة للإسكان، فيجب عليها زيادة عدد المستفيدين ومضاعفة عدد القروض، وهذا ممكن من خلال الاستفادة من التدفق المالي، لأن الواقع اليوم يظهر أن المؤسسة العامة للإسكان تخدم طبقة معينة دون أخرى، بينما نلاحظ انه حتى العام 2005 عندما كانت أسعار العقارات منخفضة، كان يمكن لصاحب دخل يبلغ 600 ألف ليرة لبنانية وما فوق ان يستفيد من المؤسسة. أما الآن، فشراء 100 متر في ضواحي بيروت يتطلّب دخلاً يصل إلى 2500 دولار، وهذا لا يخدم الا نحو 7 بالمئة من اللبنانيين.
• هل يمكن تعزيز خيار الاستئجار في لبنان، وهل يمكن لهذا الخيار أن يساهم في حلّ الأزمة؟
ـ طبعاً، فحصّة الإيجار من سوق الإسكان لا تزيد عن 20% ويفترض أن تصل إلى 50% وهذا يتطلّب إعادة النظر بقانون الإيجارات، حيث يمكن تمديد مدة الإيجار مع حفظ حقّ المالك بإعطائه زيادة في الإيجار وفق معايير محددة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018