ارشيف من :أخبار لبنانية

ما هي الرسائل المطلوبة من الإعتداء الإسرائيلي ؟

ما هي الرسائل المطلوبة من الإعتداء الإسرائيلي ؟

سمير منصور _ النهار

بدا واضحا ان الاعتداء الاسرائيلي على لبنان امس كان مبرمجا وعن سابق تصور وتصميم. واذا كان هناك من عنصر مفاجأة، فهو تصدي الجيش للقوة المعتدية وجها لوجه بامكاناته المتواضعة، وبدا انها لم تضع في الحسبان احتمال تعرضها لرصاص الجيش الذي كان في موقع الدفاع عن النفس وقد قصفت القوة الاسرائيلية بوحشية ناقلة جند واحرقتها مما ادى الى سقوط شهيدين للجيش الى سقوط مدني هو الزميل عساف بو رحال مراسل "الاخبار" وجرح آخرين بينهم مراسل لـ"المنار".
ولعل الخبر الذي بثته الاذاعة الاسرائيلية مبررة الاعتداء بسقوط صاروخين "داخل منطقة الحدود الشمالية" ومن ثم تكذيبه من الاسرائيليين قبل غيرهم، يؤكد النية الجرمية سلفا لديهم، سواء رد الجيش اللبناني على الاعتداء ام لا. لذا يمكن القول ان اولى الرسائل التي ارادها الاسرائيليون من اعتداءاتهم امس، كانت موجهة الى الجيش.
وبديهي السؤال: هل من المصادفات ان يأتي هذا الاعتداء بعد سقوط صواريخ مجهولة في العقبة وايلات قيل انها اطلقت من صحراء سيناء؟ وما هي علاقة هذه المصادفة بما يحكى عن استئناف المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، وهل يريدها الاسرائيليون؟
وهل من المصادفات ان يتزامن الاعتداء مع الذكرى الرابعة لاندلاع حرب تموز والعدوان الاسرائيلي الواسع النطاق على لبنان والذي بلغ ذروته في مثل هذه الايام من عام 2006؟ وهل من المصادفة ان يأتي بعد سلسلة اختراقات اسرائيلية بأشكال مختلفة وهدفها الدائم ايجاد السبل الكفيلة باحداث صدامات داخلية في لبنان؟
واذا كان الاعتداء الاسرائيلي الجديد يندرج في اطار المساعي الاسرائيلية الى مشاريع فتنة في لبنان، فان نتائجه الاولية جاءت معاكسة تماما، إذ سارع اللبنانيون حكومة وشعبا واحزابا الى تأكيد وقوفهم صفا واحدا مع جيشهم. ولعل الجيش الاسرائيلي كان يبحث عن حجة لتبرير الاعتداء من خلال الخبر الذي تم تكذيبه لاحقا حول صاروخين مزعومين سقطا على الحدود الشمالية، وبدا لاحقاً أن ما يهمه هو ايصال الرسائل المتوخاة، بحجة او بدونها. وكان من الطبيعي ان يشكل الاعتداء مادة دسمة للامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، قبل ساعات من خطابه الذي كان الجميع في انتظاره لمعرفة مسار التطورات السياسية من وجهة نظر الحزب بعد القمة الثلاثية السعودية - السورية - اللبنانية نهار الجمعة الماضي.
وفي اعتقاد كثيرين ان ابرز استهدافات الاعتداء الاسرائيلي، كانت الاجواء الايجابية التي نجمت عن القمة الثلاثية في بيروت، ومحاولة استدراج "حزب الله" الى رد فعل يعيد خلط الاوراق ويكفل اعادة اجواء التوتر في لبنان واطاحة الجهود العربية لاحتوائها، ولكنه لم يقع في الفخ.
ولم تكن مصادفة ان يأتي الاعتداء بعد تهديدات اطلقها وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك من واشنطن الاسبوع الماضي باستهداف المؤسسات الحكومية اللبنانية "اذا اقدم "حزب الله" على اطلاق صاروخ على مدينة اسرائيلية". لم ينتظر باراك تلك الصواريخ، بل سارع الى تنفيذ الاعتداء بحجة قطع شجرة داخل الاراضي اللبنانية تحجب الرؤية عن كاميرات المراقبة الاسرائيلية، فكانت كلفتها عليه سقوط ضابط من القوة المعتدية. وفي بعض المعلومات ان الاسرائيليين حاولوا قبل يومين اختراق الحدود اللبنانية وقد ارجئت العملية بعد استنفار الجيش وتدخل القوة الدولية، وهذا ما يؤكد مرة جديدة ان الاسرائيليين كانوا يبحثون عن "مشكل" مع لبنان في اطار مساعيهم المستمرة لافتعال توترات كان قد "بشر" بها رئيس اركان الجيش الاسرائيلي غابي اشكينازي قبل نحو اسبوعين.
وثمة سؤال آخر من "وحي" الاعتداء الجديد: هل ان الاسرائيليين انتقلوا من التحريض على الفتنة الى الاعتداء العسكري المباشر وقد استنفدوا محاولات سابقة من خلال تسريبات حول القرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه؟
واسوأ ما في الاعتداء الاسرائيلي امس، ان الحكومة الاسرائيلية سارعت الى "تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية الاشتباكات" والتحذير "من عواقب وخيمة في حال استمرارها" وكأن الجيش اللبناني هو من اجتاز الحدود لقطع شجرة تحجب الرؤية عن كاميرات مراقبة لبنانية!
وفي رأي مرجع سياسي ان هذا الاعتداء ينبغي ان يشكل حافزا للجميع في لبنان "لتصحيح البوصلة وتصويب الامور بما يضع حدا للترهل الذي احدثه التشنج السياسي الاخير الذي بلغ ذروته قبل القمة الثلاثية".
واذا كان من المصادفات ان الاعتداء الاسرائيلي لم يكن ردا على صاروخ من هنا او هناك كالصواريخ المجهولة المصدر التي سقطت قبل يومين في العقبة وايلات، فقد اثبت مرة جديدة ان الاسرائيليين لا يتوقفون عند الحجج، عندما يستهدفون لبنان، وهذا لا يعني عدم تجنب "اهدائهم" اياها، ولا سيما من "المجهول"، وهي على كل حال لم تعط لهم منذ وقف النار بعد العدوان الاسرائيلي في آب 2006.
ولعل ما جعل نتائج الاعتداء معكوسة لا كما كان يشتهيها الاسرائيليون، ان اللبنانيين قد يختلفون حول كل شيء، الا على الوقوف مع جيشهم، فكيف عندما يكون في مواجهة اعتداء اسرائيلي؟
للعميد الراحل ريمون اده عبارة شهيرة قالها عام 1972 يوم تصدى الجيش لقوة اسرائيلية معتدية وجاء فيها: "اليوم عرف اللبنانيون لماذا يصفقون لجيشهم في عيد الاستقلال"!
ومن المؤكد ان التصفيق وحده لا يكفي، فقد كان المشهد مؤلما اذ كان الجيش بامكاناته المتواضعة بل باللحم الحي، في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية، وكل ذلك "بفضل" "العالم الحر" وعلى رأسه الولايات المتحدة الاميركية التي تحرص على تزويد الجيش الاسرائيلي باحدث انواع الاسلحة برا وبحرا وجوا، ومساعدات سنوية بالمليارات، في مقابل لا اكثر من مئة مليون دولار للبنان، وهذا العالم غالبا ما يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، وفي احسن الحالات يطالب الطرفين بعدم التصعيد وضبط النفس!
واخيرا، كيف السبيل الى دعم الجيش بما يجعله قادرا على التصدي لاي اعتداء اسرائيلي وان بالحد الادنى من القدرات العسكرية بحيث تكتمل حقاً معادلة الشعب والجيش والمقاومة؟


2010-08-04