ارشيف من :أخبار لبنانية

العقيدة المعمّدة بالدم

العقيدة المعمّدة بالدم
"السفير" - إدمون صعب

فوجئ كثيرون في الداخل والخارج بوجود الجيش على الحدود، وعلى خط المواجهة مع العدو الإسرائيلي، وأنه لم يبال بكل التحذيرات التي وُجّهت إليه من الجانب الإسرائيلي بأن أي صدام مع جيش العدو سيكلّف لبنان غالياً، وأن الرد سيشمل المنشآت الحكومية والمواقع المدنية ولن يقتصر الرد على مصادر النار.
 
وتقصّدت إسرائيل تهميش دور الجيش في الدفاع عن السيادة انطلاقاً من الحدود. واستند أفرقاء سياسيون محليون إلى نظرية مماثلة، ويا للأسف، للقول إن المقاومة قد قزّمت دور الجيش في حماية الحدود، بل ألغته، لتحتكر لنفسها المبادرة ومهمة المواجهة وبالتالي القبض على قرار الحرب والسلم الذي يفترض أن يكون في يد الدولة، مع أن القاصي والداني يعرفان أن هذا القرار هو في يد العدو الإسرائيلي.
إلا أن ما غاب عن إسرائيل وعن جهابذة التنظير الداخلي، وحدة الدم، والتكافل والتضامن القائمة بين الجيش والمقاومة، وعمق التنسيق بينهما منذ أن أعيد تنظيم الجيش مطلع تسعينيات القرن الماضي على أساس أن إسرائيل هي العدو، وأن المقاومة هي الظهير وهي الشعب الذي يختلط دم شهدائه بدماء شهداء الجيش.
 
وكان لافتاً أول من أمس موقف الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله الواقعي والعقلاني مما حصل أول من أمس في الجنوب بين الجيش والإسرائيليين وسقط فيه شهيدان من الجيش. إذ هو أكد أن الجيش هو المدافع الأول عن الوطن «وهو الذي يدير المعركة ويتولى المواجهة المباشرة». لكن الشعب المتمثل بالمقاومة لن يقف متفرجاً.
 
وقال نصر الله إن «معادلة الجيش والشعب والمقاومة قد تعمّدت بالدم، وبالرجولة والثبات، كما كرّستها حرب تموز».
ولعل الدرس الأكبر مما جرى الثلاثاء على جبهة العديسة، هو أن شهيدي الجيش قد ثبّتا بدمائهما العقيدة القائمة على أن المهمة الأولى للجيش هي التصدي لأي عدوان إسرائيلي، وذلك خلافاً لما تحاول القوى الخارجية، وخصوصاً الأميركية منها، أن تزرعه في نفوس عناصره وضباطه، خلال اللقاءات والدورات، من أن التعامل مع الجيش اللبناني «سيكون مثمراً إذا تمّ التركيز على نطاق واسع على قدرات القوات المسلحة اللبنانية لتحقيق توازن متساو مع نفوذ سوريا وإيران» على ما قال القائد الجديد للمنطقة المركزية الأميركية الوسطى جيمس ماتيس.
 
وهو قد أضاف فقال: «إن مكافحة الإرهاب هي أحد الأهداف الرئيسية المعلنة للقوات المسلحة اللبنانية، إلى جانب الدفاع عن الحدود وتأمينها وتوفير الأمن والاستقرار الداخلي ودعم التنمية الاجتماعية».
وهذا يتناقض مع ما ورد في «أمر اليوم» الذي وجهه قائد الجيش العماد جان قهوجي يوم السبت الماضي إلى العسكريين في مناسبة عيد الجيش الذي احتفل به في اليوم التالي، إذ هو دعا العسكريين «إلى الاستعداد التام لمواجهة ما يبيته العدو من نيات خبيثة، مستندين إلى قدراتكم الذاتية، وطاقات شعبكم المقاوم»... وقد كان له ما أراد في العديسة.
إلا أن الحدث المفاجئ في الجنوب يجب ألا يحجب ما جرى بين دمشق وبعبدا والجنوب منذ الأربعاء الماضي من قمة ثنائية بدأت في دمشق بين العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس السوري بشار الأسد وكان لبنان في قلب محادثاتهما، وخصوصاً موضوع المحكمة الدولية وما تروّجه إسرائيل من أن القرار الظني سيصدر في أيلول ـ بحسب رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال غابي أشكنازي ـ وسوف يوجه الاتهام إلى عناصر من «حزب الله» بالضلوع في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
 
وإذ لم يرد في الكلام الرسمي صراحة أن الزعماء الثلاثة قد تطرقوا إلى موضوع المحكمة الدولية ومصير قرارها الظني المنتظر بين أيلول وتشرين الأول، فإن المحكمة كانت أهم ما استدعى حضور الملك السعودي والرئيس السوري إلى لبنان، وما تم التفاهم على أن يُعطى الملك السعودي فرصة للتفكير في هذا الموضوع، الأمر الذي طمأن الرئيس سعد الحريري وجعله ينام على «حرير» لعشرة أيام في سردينيا، في عطلة يستحقها بعد الإجهاد الذي تعرض له في الأيام الأخيرة.

وقد وضع لبنان ثقته بحكمة الملك عبد الله وبُعد نظره وإدراكه معنى اتهام المقاومة باغتيال الحريري وسحب ذلك على الطائفة الشيعية، وهو الذي لا يغيب عن ناظريه شبح إسرائيل في أروقة المحكمة ومقارها الرئيسية.
علماً ان اللبنانيين لم يفقدوا ثقتهم بالمحكمة ويتمنون ألا تسيّس وتحافظ على مهنيتها ونزاهتها وصدقيتها، وأن تعبّر عنها في بيانها أو قرارها الاتهامي الذي ينتظره الجميع من أجل جلاء الحقيقة وتحقيق العدالة.
 
فعسى أن يكون الرئيس سعد الحريري قد أفاد من فترة تأمل في سردينيا ليطرح على نفسه الأسئلة الآتية:
ـ هل صحيح أن الإسرائيليين مزروعون في المحكمة؟
ـ كيف توصلوا إلى ما سرّبوه؟ ومَن أوصلهم إليه؟
ـ لماذا المحكمة لا تزال صامتة؟ وأين مسؤولية المدعي العام دانيال بيلمار؟ ولماذا لا يكون هو المسؤول عما يجري؟
ـ وهل في الإمكان إزاحته من موقعه وتعيين قاض آخر مكانه؟
ـ وهل ستبقى الحكومة متفرجة في انتظار خراب البصرة؟
مطلوب أجوبة صريحة عن هذه الأسئلة.
2010-08-05