ارشيف من :أخبار لبنانية

النظام والضعف وعجز الدولة

النظام والضعف وعجز الدولة
"السفير" - الفضل شلق

يقلق اللبنانيون على مصيرهم. يصابون بالهلع كلما تصاعدت توقعات الحرب. اعتادوا أن تهاجم اسرائيل كل بضع سنوات. يخافون من ضعفهم كما يخافون من قوة اسرائيل. ضعف لبنان واللبنانيين هو من صنع أيديهم؛ لقوة اسرائيل أسباب أخرى: من الدعم الأميركي والأوروبي إلى القدرة الاسرائيلية، لكن الأساسي فيها قدرة اسرائيل، التي تعتمد على إرادتها السياسية. تواطأت الطبقة السياسية في لبنان منذ ما قبل نشوء لبنان على أن يكون البلد ضعيفاً، سواء في خطابها المعلن أم المضمر، وقد كانت هذه الطبقة، لفترة طويلة، تعلن أن قوة لبنان في ضعفه.
 
يحتاج بناء القوة إلى الإرادة السياسية إلى قرار الطبقة السياسية بامتلاك القوة وتوفير أسبابها. لا يجرؤ أحد على مهاجمة دولة صغيرة، مهما كان الفرق في القوة، إذا توفرت الإرادة في الدولة الصغيرة، واذا كان مجتمع هذه الدولة الصغيرة متماسكاً موحّد الارادة. القوة ووحدة الارادة وجهان لعملة واحدة، وهذا ما لم يتوفر في لبنان منذ أن نشأت الدولة اللبنانية. لم يكن ذلك صدفة، يبدو أن القرار الذي تأسس عليه لبنان هو أن يبقى ضعيفاً.
 
تشير إلى ذلك سياسات الدولة في عهودها المتعاقبة. في جميع العهود كان هناك إجماع أو شبه إجماع لدى الطبقة السياسية على أن تبقى الدولة في لبنان ضعيفة. ربما كان هذا الإجماع مفروضاً أو اختيارياً، لكن النتيجة واحدة. إنّ فلسفة الدولة واحدة في معظم العهود، وفذلكة الموازنة تتكرر عاماً بعد عام مشيرةً إلى فرادة لبنان وإلى ضرورة أن يبقى لبنان ضعيفاً. لا يقتصر الأمر على الشأن العسكري بل ينسحب أيضاً على الشأن الاقتصادي، وعلى الشأن الاجتماعي أيضاً.

تأسس لبنان على مقولات تصغير حجم الدولة؛ تصغير مدى تدخل الدولة في شؤون اللبنانيين. يتباهى اللبنانيون بذلك ويعتبرونه ذكاء. يفخر اللبنانيون بذكائهم، اذ يعتبرون قلة تدخل الدولة في شؤونهم حرية، ويعتبرون هذه الحرية تفوقاً على أشقائهم العرب من المحيط الى الخليج. لكن اسرائيل تقبع بجوارهم، تشن الحرب عليهم كل بضع سنوات لتحيل الذكاء الخارق قلقاً وخوفاً على المصير.
 
كلما تأزمت الاوضاع واشتدت وطأة توقع الحرب نعلن أسفنا على هرب السياح والمصطافين وعلى امتناع المغتربين عن القدوم. نحسب آثار ذلك على الحجوزات في الفنادق والمطاعم ومكاتب تأجير السيارات، ولا نتساءل مع اهل السلطة عندنا عن مكامن الضعف، وعن سبل بناء القوة. نريد فقط أن نحافظ على حجم الدولة صغيراً، نريد فقط أن نحد من تدخل الدولة في شؤوننا الفردية والطائفية، نريد فقط أن نحافظ على «حريتنا»، ولا نحسب خطر العدوان الاسرائيلي، وخطر الهيمنة الاسرائيلية، وآثار ذلك على حريتنا التي نتباهى بها؛ كأن الحرية تبقى مع الاحتلال، او كأن الحرية تبقى مع سيطرة الخوف والقلق على المصير. نشارك مع أهل السلطة والطبقة السياسية في الحفاظ على مقولة ضعف لبنان قوة، ولا نرى أن القدرة تُستَمد أيضاً من توحيد اللبنانيين وتماسك مجتمعهم. لا ندرك انه بمقدار ما تكون الحرية فردية تكون أيضاً مستمدة من المجتمع ووحدته.

تبني الطوائف ممالكها و«كانتوناتها» ضمن الدولة الواحدة، تنشئ طوائف ميليشياتها وتطلق عليها مختلف التسميات، وتبني الطوائف اجهزتها التعليمية مع تعدد التسميات ايضاً، وتبني الطوائف محاكمها للأحوال الشخصية، وتراكم الطوائف امتيازاتها باسم الوكالات الحصرية أو غيرها من الامتيازات التجارية التي تتناقض مع مبادئ النظام الاقتصادي الحر الذي نتباهى به؛ حتى العمران يزداد فرزاً طائفياً وتتقلص المساحات التي كانت تعددية في سكانها وانتماءاتها الطائفية. لا نعالج الفرز الطائفي في السكن ولا في أماكن العمل ولا في الاختيار لوظائف الدولة. ومع ذلك نسمي تجاور الطوائف تعايشاً. الأرجح أن معظم اللبنانيين من مختلف الطوائف والمذاهب ما عادوا يلتقون إلاّ في المطاعم والنوادي الليلية وبعض الصفقات المشتركة. نسمي كل ذلك عيشاً مشتركاً ونتعامى عن العوامل التي تفرق وتضعف المجتمع والدولة.
 
مع تقلص حجم الدولة في المجتمع يضعف دورها، ومع ضعف دور الدولة يضعف المجتمع وتُشلّ قدرته على مواجهة التحديات والاعتداءات الخارجية. نفسر تقلص دور الدولة بالطائفية. نعتبر الطائفية معطىً تاريخياً. لكننا نبرر تقليص دور الدولة بالفذلكة الاقتصادية للموازنة، وبفلسفة خاصة للمجتمع. لا نرى أن البنية الاقتصادية تدعم البنية الطائفية، والعكس أيضاً صحيح. في النهاية، نبرر ضعفنا بأن نعتبره ضرورة تاريخية، أو بأن نعتبره تراثاً لا يمكن الخروج منه: بنية النظام تبررها الايديولوجيا والايديولوجيا تدعمها بنية النظام. ندور حول أنفسنا، ندور في حلقة مفرغة، يأتي يوم الحساب عندما تهاجمنا اسرائيل. نطلب العون من المنظمات الدولية، من الدول الغربية، من الدول العربية، تماماً كما نطلب المساعدات والقروض من هؤلاء جميعاً لإعمار لبنان كلما خضنا حرباً أهلية أو كلما تعرضنا لغزو خارجي .
 
نمضي في تكرار الأمر نفسه عاماً بعد عام، وعقداً بعد عقد من السنين. راكمنا تاريخاً من المتناقضات التي لا نعمل على حلها. الضعف الذي نراه قوة، العجز الذي نراه ميزة، الفقر الذي أحللناه هجرة، البطالة التي نحيلها هجرة وتسولاً.
نمضي في تكرار التناقضات التي لا نحاول حلها. فقدان الارادة السياسية هو السبب، فقدان الارادة السياسية هو جوهر نظامنا. يبدو أن النظام أقوى منا.
2010-08-06