ارشيف من :أخبار لبنانية
رحلة على خط النار1/1
تحقيق: بشير البكر (*)
ليس مصادفة أن تكون “إسرائيل” اكثر المبتهجين والمروجين لاتهام حزب الله بالضلوع في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، والسبب الرئيسي لذلك هو الرهان على توجيه ضربة قاصمة للمقاومة التي نجحت في أن تصبح حالة شعبية متجذرة، خصوصاً في جبل لبنان .
كانت آخر زيارة شخصية لي إلى جنوب لبنان في شهر مايو/أيار سنة ،1982 يومها ذهبت برفقة أصدقاء فلسطينيين في رحلة عادية، لم تلبث أن انتهت جولة على مواقع للقوات الفلسطينية التي كانت منتشرة على نحو واسع في الجنوب . وأول ما لاحظته في حينه هو التسليح الثقيل، وخصوصاً بطاريات المدفعية البعيدة المدى، التي تعد من تجهيزات الجيوش النظامية .
شعرت بسرور بالغ في تلك الجولة، لكني بقيت اتساءل عن فعالية ذلك السلاح الثقيل في مواجهة “إسرائيل”، وماذا يفيد المقاومة الفلسطينية أمام عقيدة “إسرائيل” القتالية، التي كانت تعتمد على كثافة نيران الطيران في المقام الأول . بقيت اعتقد أن السلاح الثقيل سوف يصبح عبئاً على المقاتل الفلسطيني، في حال حصول مواجهة واسعة من خلال اجتياح “إسرائيلي” للجنوب، حيث يمكن استخدامه لساعات ربما، ولكنه لن يفيد في نهاية المطاف أمام الآلة العسكرية “الإسرائيلية” البرية المتفوقة .
لقد تبين خلال اجتياح سنة 1982 أن كل ذلك السلاح لم يكن نافعاً، ولم يستخدمه المقاتلون الفلسطينيون في الجنوب، بل إن الدفاعات التي كانت مقامة هناك سقطت بسرعة، وصار خط الجبهة الأول في غضون ثلاثة أيام على مشارف بيروت، التي قاتلت أكثر من 80 يوماً على طريقة حرب العصابات وبأسلحة خفيفة، ولم تخسر منظمة التحرير في حينه المواجهة عسكرياً، ولكنها اضطرت للانسحاب لسببين: الأول أن بيروت لم تكن قادرة على احتمال المعركة . والثاني هو أن الجو الشعبي اللبناني المحيط بالمقاومة الفلسطينية كان منقسماً من حولها، أي أنها لم تجد السند الشعبي الفعلي، الذي يمدها بالمعنويات والتغطية التي تمكنها من استنزاف العدو وهزيمته .
ويرجع هذان العاملان لأسباب كثيرة، ليس المجال هنا للحديث عنها، ولكن نقطة واحدة تظل جديرة بالاهتمام، وهي أن العلاقة بين المقاومة الفلسطينية، وسكان جنوب لبنان بدأت تأخذ منحى تراجعيا، وهو ما عبرت عنه أحداث صيدا قبل الاجتياح “الإسرائيلي” بوقت قصير . ومما لا شك فيه هو أن الاصابع “الإسرائيلية” لعبت دوراً مهماً في تأليب الرأي العام اللبناني على المقاومة الفلسطينية، لكن المقاومة اسهمت في فتح الأبواب لذلك، من خلال تجاوزاتها وغرقها في الرمال اللبنانية .
راودتني هذه الأفكار مؤخراً حين اتيحت لي زيارة بعض قرى جنوب لبنان الحدودية، حيث وجدت وضعاً مختلفاً عما كان عليه الحال في سنة ،1982 ولقد دهشت أيما دهشة حينما اكتشفت وضعاً طبيعياً ليس فيه شيء من مظاهر الحرب، ولولا شريط الأسلاك الحدودي الفاصل، ودوريات القوات الدولية والمواقع العسكرية “الإسرائيلية”، لما اختلف الأمر عنه في أي حدود أخرى في العالم . بل إن جمال طبيعة الجنوب اللبناني ساحر إلى حد أنه يمكن أن يأخذ خيال الزائر إلى أي حلم آخر غير رائحة الحرب وأهوالها .
حركة عادية
يحتاج دخول الأجانب إلى منطقة جنوبي الليطاني إلى تصريح خاص من الجيش اللبناني، لأنها تعتبر ذات وضعية خاصة حسب تفاصيل القرار ،1701 الذي صدر خلال عدوان “إسرائيل” على لبنان سنة ،2006 وقد تمكنا من الحصول على موافقة حاجز الجيش اللبناني الموجود قبل الحاصباني، بعد أن تم التأكد من أننا نقوم برحلة عادية، وليس لدينا سوى هاجس الفضول وحب الاطلاع .
وصلنا هناك قادمين من محمية الباروك نزولاً نحو كفريا، ومن بعيد كانت تلوح مرتفعات جبل الشيخ الشامخة تغطيها الثلوج، فمررنا بقرية جب جنين، قبل أن ننعطف في اتجاه سد القرعون، ونعبر منطقة مرج الزهور التي ابعدت إليها “إسرائيل” مناضلين فلسطينيين قبل سنوات، والمفاجأة هنا هي أن المنطقة جرداء وعبارة عن مرج للصخور، ولا أثر فيها حتى لزهرة واحدة .
أول ما يصادفه المرء في منطقة جنوبي الليطاني هو الدوريات المشتركة بين الجيش اللبناني والقوات الدولية (يونفيل)، فيعرف في هذه اللحظة أنه دخل المنطقة المشمولة بالقرار 1701 . كل شيء هادئ والأمور تسير بشكل عادي، وتم مرورنا على جميع الحواجز بسلاسة، ومن دون اسئلة طالما أننا دخلنا المنطقة بإذن رسمي . وعلى عكس الانطباع السائد في الخارج من أن الأجواء متوترة، فهناك هدوء يخيم على المنطقة في صورة تامة والحياة تسير بإيقاع خافت، فالقوات الدولية والجيش اللبناني يتحركان في صورة روتينية، بينما يعيش الأهالي اللبنانيون في عوالمهم الخاصة، المقاهي والمطاعم عامرة باللبنانيين في كافة قرى الحدود، وهناك من يحصد أرضه أو يزرعها، ويعتني بحيواناته وأشجاره، بينما على الطرف الآخر من الحدود ليس هناك سوى المواقع العسكرية المموهة، التي تكشف عن انها مبنية على شكل تحصينات اسمنتية تحت الأرض، وحتى هذه المواقع لا تبدو أن هناك من يحرسها، حيث لم نر على طول الخط الحدودي من الحاصباني حتى بوابة فاطمة في كفر كلا، مروراً بكل قرى قضاء مرجعيون جنديا “إسرائيلياً” واحداً، مما يعني أن هؤلاء يمضون وقتهم متخفين في مواقعهم، يراقبون الجانب اللبناني عن طريق كاميرات خفية، وأقرب مستوطنة إلى الحدود بدت فيها حركة منظورة، هي المطلة الواقعة مقابل بوابة فاطمة، ولكنها لا تبدو على شاكلة القرى اللبنانية، بل يعكس بناؤها أنها مزيج بين الوحدة الصناعية والمعسكر، الأمر الذي يعبر عن عدم الشعور بالاستقرار، الذي يتمتع به أهالي الجنوب فوق أرضهم، فهؤلاء يبدون من خلال هندسة المحيط أنهم متجذرون في أرضهم واكثر رسوخاً، وأنهم هنا منذ زمن طويل وليسوا غريبين عن المكان، الذي طبعوه بطابعهم، وصاغوه وفق شخصيتهم وثقافتهم الخاصة .
تتالى المواقع “الإسرائيلية” بمعدل كيلومتر أمام كل قرية من الطرف اللبناني، واللافت هو وجود صورة كبيرة للسيد حسن نصر الله في مواجهة كل موقع “إسرائيلي” . لقد شدني الفضول وتوقفت أمام مجموعة من هذه الصور، وكنت أظن ان الجنود “الإسرائيليين” ربما عبروا عن ضيقهم من هذه الصور برميها بالحجارة أو اطلاق النار عليها، وفي الحقيقة لا توجد صورة واحدة مخدوشة على طول الخط، هل هذا يعبر عن تهذيب أم خوف؟ . لا أعتقد أن الجندي “الإسرائيلي” مهذب إلى هذا الحد، وإنما يخضع سلوكه لمعادلة أخرى، فهذا الصورة صارت بالنسبة له رمزاً يقف أمامه، ولم تعد محصورة بالشخص فحسب، بل إنها المقاومة الرمزية، والهدف من زرع هذه الصور ليس الحرب النفسية فقط، ولا تكريم بطل النصر فحسب، بل للقول نحن هنا، ليس هناك مواقع عسكرية من جانبنا، ولا أسلحة مكشوفة أو منشورة، ولكن المقاومة تقف في مواجهة مواقعكم، وتتجاوز الصورة هنا المفهوم العيني إلى معادل تمثيلي للواقع . إن نشر الصور بالشكل التي عليه والمضمون الذي تحمله إلى جانب راية حزب الله، التي ترفرف عالياً، يشكل مادة سياسية تنطق بصمت فصيح، لا يحتاج إلى أي لفظ، وهنا يتقاطع في الصورة المعنيان الدلالي والايحائي، وكما يقول رولان بارت تكمن الصورة في تحويل ذات إلى موضوع، وهي تدخل حكماً في منطق العملية الحربية للجندي “الإسرائيلي”، خصوصاً أن لغته تحمل ازدواج مدلولين، إطلاق النار والتقاط الصورة في كلمة واحدة دالة: to shoot .
بوابة فاطمة
حين وصلنا إلى بوابة فاطمة اختلف المشهد، كانت هناك دورية من القوات الدولية موجودة، ثابتة في المكان على ما يبدو مخافة حصول احتكاكات، فالناس الذين يأتون إلى هنا، عادة، ما يرجمون الجنود “الإسرائيليين” بالحجارة، ويرمون الاحتلال بحجر اللعنة . تذكرت زيارة الراحل ادوارد سعيد إلى بوابة فاطمة في مايو/أيار 2000 بعد تحرير الجنوب، لقد كانت تلك الخطوة تعبيراً عن روح المثقف الصادق والنقدي، الذي عرفناه فيه . ولم تكن الزيارة فقط ليرمي حجراً على جندي “إسرائيلي”، بل ليرى فلسطين من أرض لبنان التي احتضنت طفولته “خارج المكان” .
تبدو فلسطين من بوابة فاطمة مثل حسرة طويلة ودمعة لا يمكن ردها، ففي هذا اللحظة يصبح كل من يزور المكان فلسطينياً، حين يلتصق بالأسلاك الشائكة، يحس أنه مقتلع من ارضه، وهو يرى القرى الفلسطينية التي طرد أهلها منها سنة 1948 .
هذا المكان ذو خصوصية في تاريخ المنطقة، وقد كان صلة وصل بين فلسطين ولبنان وممراً منه تدفقت أفواج الهجرة الأولى، ولذا تقصده عائلات فلسطينية كثيرة في ذكرى النكبة، لتلقي نظرة في اتجاه فضاء الوطن، ولتملأ النفوس بالهواء القادم من هناك .
الاطلالة على سهول فلسطين من بوابة فاطمة تعيد الإنسان إلى طفولة الفلسطيني، الذي ظل يحلم بالطيران نحو سمائه الأولى على حد وصف محمود درويش . لا يشعر الزائر إلا بحس الطيران نحو فلسطين، فالطرف اللبناني من الأرض مرتفع والفلسطيني سهلي، وفي جدل الجغرافيا والتاريخ تبرز مفاجأة لا تخطر على البال، وهي عبارة عن قصر كبير بناه مواطن لبناني مقابل الموقع “الإسرائيلي” مباشرة، قصر ضخم من الحجر، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل، ألم يشعر هذا الشخص بالخطر من اندلاع حرب جديدة، إن أول قذيفة سوف تصيب قصره . لقد حول القصر إلى فندق ومطعم ومركز للاطلالة على سهول فلسطين .
إن السياج المحروس بالدبابات “الإسرائيلية” لا يعني سوى أمر واحد، أن هناك من يحرس خوفه، ويحاصر نفسه فيه . لا مرأى لجنود “إسرائيليين” كي نرميهم بحجر، لقد صاروا على ما يبدو يهرعون إلى مخابئهم كل ما توقفت سيارة ونزل منها زوار للمكان، الذي صار مقصوداً من طرف كل من يزور لبنان، وتعنيه قضية الاحتلال، وتبين لي أن اختيار هذا المكان، واختراع هذا الفعل الرمزي قد أصاب “الإسرائيليين” بمقتل، فهم صاروا يدركون نفسياً أنه كلما قدم شخص ليرى المشهد، لابد أنه يرجم في أعماقه “إسرائيل”، إن لم يرم جنودها بحجر . هنا نافذة صغيرة يطل منها العالم على نظام الاحتلال المحروس بأساطيل وجيوش الولايات المتحدة، لكنه يبدو من وراء البوابة والاسلاك الشائكة، ومن خلال الحصن الذي يختبئ فيه جنوده احتلالاً عابراً، لا صدى ولا حضور له، إنه يطل على العالم من فوهة دبابة، هذه هي نافذة المستوطن الوحيدة .
الحرب لم تمر من هنا
كنت اتوقع ان نعثر على آثار من حروب “إسرائيل” المتواصلة ضد هذه القرى الحدودية، وخصوصاً من عدوانها سنة ،2006 الذي اتخذ طابعاً تدميرياً للجنوب في صورة شاملة، إلا أنه لا أثر لأي دمار، بل على العكس تبدو المنطقة الحدودية وكأنها منخرطة في ورشة إعمار، بيوت الصخر الحديثة هي العلامة الفارقة في فضاء قرى الجنوب . لقد نجح الأهالي بمساعدة المقاومة وبعض الدول العربية في إعادة إعمار ما دمرته الحرب كلياً، وبنفس جديد هذه المرة، حيث تبدو الأساسات أقوى منها في المرات السابقة . ولا يحتاج الزائر إلى كبير عناء ليكتشف أن الجنوبي يبني هذه المرة ولديه شعور بالطمأنينة، لم يعشه في السابق، فهذه هي المرة الأولى التي صار فيها واثقاً من أن هدم منزله أو إحراق مزرعته، لن يكون أمراً سهلاً، فحرب 2006 التي كسرت شوكة الاحتلال “الإسرائيلي” فرضت معادلة جديدة على أرض الواقع، وهي الردع . لم يعد بمقدور “إسرائيل” لأول مرة في تاريخها حتى أن تخطف راعياً من جنوب لبنان، وهي التي أباحت لنفسها ذات يوم تدمير اسطول الطيران اللبناني في مطار بيروت .
توقفنا في عدة قرى على الطريق مثل حولا، دير ميماس، الطيبة، كفر كلا، العديسة، وفي كل قرية تحدثنا مع الأهالي، وكلمة السر هي ذكر اسم صديق من هذه القرية، إما صحافي أو شاعر أو فنان، يعيش في بيروت أو باريس أو الخليج، وكانت الابواب تفتح أمامنا، ويجرى الترحيب بنا، ويغمرنا الناس بالود . شيوخاً وشباباً ونساءً وأطفالاً . دارت أحاديث كثيرة عن القوات الدولية والجيش و”إسرائيل” والمقاومة والإعمار، وكان السؤال الذي اردنا أن نفهمه من الناس مباشرة هو حول المقاومة، طرحناه على كثيرين، وتلقينا اجابة واحدة من الشباب والشيوخ والنساء، المقاومة هي الناس، الذين يشكلون شريان حياة المقاومة، وكان قسطاً من الاجابة يهدف إلى تبديد الاستغراب الذي يعتري الزائر . نعم المقاومة هي الأهالي، الذين يتسلحون قبل كل شيء بالايمان بالأرض . لا توجد عائلة لم يتهدم بيتها، ولم تهجر ولم يستشهد أحد من افرادها، كل جنوبي دفع ثمنا باهظاً، ولكنه يعتبره لا يوازي النصر الذي تحقق في سنة ،2006 لأن هذا النصر خلق معادلة جديدة في الصراع، لم يعد فيها الجنوب أرضاً مستباحة من جهة، والمقاومة صارت واقعاً جنوبياً حياتياً مثل الهواء والخبز والماء، لا يمكن للجنوبي أن يعيش من دونها، فهي الضمانة لحياته وعيشه فوق أرضه بكرامة، ومن دون خوف وتهجير وتدمير . هناك شعور عام بأن العربدة “الإسرائيلية” لم تنته، ولكن الزمن لن يعود إلى الوراء، عندما كانت الدبابات “الإسرائيلية” تدخل الجنوب وتقيم قواعد فيه، وتحكم على مشيئتها . صارت “إسرائيل” تحسب ألف حساب قبل أن تطلق قذيفة على جنوب لبنان .
إن من يمضي وقتاً ولو قليلاً بين الجنوبيين يدرك أن هذا الانجاز عزيز جداً على قلوب أهالي الجنوب، وهو بالنسبة لهم لا يقدر بثمن، واللافت هو أن هناك اجماعاً على أن “إسرائيل”، حتى لو انسحبت من جنوب لبنان، فإنها لن تدع الجنوب يعيش بسلام، فأطماعها في المنطقة كثيرة، عدا عن انها لا تستطيع ان تنام قريرة العين، وهي تعرف ان ورقة التفوق لم تعد في يدها .
سلاح المقاومة
إن الزائر الذي يستمع لآراء الجنوبيين، ويقترب من هواجسهم ومشاعرهم، ويتلمس عن كثب الحالة التي باتوا يعيشونها بعد سنة ،2006 يقف على حقائق غير مرئية من الخارج، وأهمها أن المقاومة صارت حالة جنوبية، لا يمكن اختصارها بالمقولة التي تتردد على السنة بعض السياسيين اللبنانيين والأطراف الدولية المؤيدة ل”إسرائيل”، وهذه المقولة تتلخص بسلاح حزب الله . وفي الحقيقة يصاب الزائر بالدهشة لأنه لا يرى قطعة سلاح في هذه القرى، حتى المسدس غير موجود، وهذا أمر لا يعبر عن انضباط حزب الله فحسب، بل له مغزى ابعد وهو أن السلاح للمعركة مع “إسرائيل” فقط، وليس للعرض أو الاستعراض، أو للاستخدام في الحياة الداخلية للمنطقة، من المؤكد أن هناك اسلحة كثيرة، وهذا ما أبانت عنه مواجهات سنة ،2006 لكن لا أحد يستطيع العثور عليها، أو يعرف مكانها، ولذا تقوم أحيانا بعض الأطراف في القوات الدولية بالتحرش بالأهالي لأهداف مشبوهة، بغرض فك هذا اللغز . وهنا يلحظ الزائر حقيقة مهمة، وهي أن حزب الله لوكان حزباً عادياً يحترف القتال فقط، لكان من الصعب عليه أن يخفي اسلحته في هذه المنطقة، التي لا تتميز بجغرافيا معقدة كثيراً . إن النجاح في هذا الجانب سره هو أن المقاومة هي مقاومة الأهالي، ولذا يصعب اختراقها أو التأثير فيها . وبالاضافة إلى ذلك فإن المقاومة هي تعبير عن مشروع سياسي ورؤية وطنية للصراع مع “إسرائيل”، وموقع لبنان في هذا الصراع، ومن هنا تكتسب الهوية المقاومة مكانتها ليس في وجدان الجنوبيين فحسب، بل لدى القطاع الأوسع من اللبنانيين، الذين تمتلئ أنفسهم بشعور سيادة ومناعة بلدهم واستقلالية قراره الوطني، وهذا أمر لا يحتاج إلى نظريات للبرهنة عليه، فسلوك “إسرائيل” لمنع هذا البلد من تحقيق نفسه هو الدليل، فهي ليست طامعة بثرواته فحسب، بل وصلت إلى حد تهديد نظامه المصرفي المتطور، وتقويض نموذجه في التعددية الدينية والثقافية .
هناك قناعة تتكون لدى الزائر وهي أن تسليم سلاح المقاومة تعني في الظروف الحالية، على الأقل، إعادة اطلاق يد “إسرائيل” في الجنوب اللبناني، ولبنان ككل، وتهديد سوريا أيضاً . إن الرادع اليوم للعدوان “الإسرائيلي” ليس حب “إسرائيل” للسلام مع لبنان، ولا القرارات الدولية، بولا قوات الامم المتحدة، وإنما سلاح المقاومة، ومن هنا فإن استهداف المقاومة من خلال تسييس المحكمة الدولية، يعد الحلقة الأخطر على لبنان والمنطقة .
(*) صحيفة الخليج
ليس مصادفة أن تكون “إسرائيل” اكثر المبتهجين والمروجين لاتهام حزب الله بالضلوع في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، والسبب الرئيسي لذلك هو الرهان على توجيه ضربة قاصمة للمقاومة التي نجحت في أن تصبح حالة شعبية متجذرة، خصوصاً في جبل لبنان .
كانت آخر زيارة شخصية لي إلى جنوب لبنان في شهر مايو/أيار سنة ،1982 يومها ذهبت برفقة أصدقاء فلسطينيين في رحلة عادية، لم تلبث أن انتهت جولة على مواقع للقوات الفلسطينية التي كانت منتشرة على نحو واسع في الجنوب . وأول ما لاحظته في حينه هو التسليح الثقيل، وخصوصاً بطاريات المدفعية البعيدة المدى، التي تعد من تجهيزات الجيوش النظامية .
شعرت بسرور بالغ في تلك الجولة، لكني بقيت اتساءل عن فعالية ذلك السلاح الثقيل في مواجهة “إسرائيل”، وماذا يفيد المقاومة الفلسطينية أمام عقيدة “إسرائيل” القتالية، التي كانت تعتمد على كثافة نيران الطيران في المقام الأول . بقيت اعتقد أن السلاح الثقيل سوف يصبح عبئاً على المقاتل الفلسطيني، في حال حصول مواجهة واسعة من خلال اجتياح “إسرائيلي” للجنوب، حيث يمكن استخدامه لساعات ربما، ولكنه لن يفيد في نهاية المطاف أمام الآلة العسكرية “الإسرائيلية” البرية المتفوقة .
لقد تبين خلال اجتياح سنة 1982 أن كل ذلك السلاح لم يكن نافعاً، ولم يستخدمه المقاتلون الفلسطينيون في الجنوب، بل إن الدفاعات التي كانت مقامة هناك سقطت بسرعة، وصار خط الجبهة الأول في غضون ثلاثة أيام على مشارف بيروت، التي قاتلت أكثر من 80 يوماً على طريقة حرب العصابات وبأسلحة خفيفة، ولم تخسر منظمة التحرير في حينه المواجهة عسكرياً، ولكنها اضطرت للانسحاب لسببين: الأول أن بيروت لم تكن قادرة على احتمال المعركة . والثاني هو أن الجو الشعبي اللبناني المحيط بالمقاومة الفلسطينية كان منقسماً من حولها، أي أنها لم تجد السند الشعبي الفعلي، الذي يمدها بالمعنويات والتغطية التي تمكنها من استنزاف العدو وهزيمته .
ويرجع هذان العاملان لأسباب كثيرة، ليس المجال هنا للحديث عنها، ولكن نقطة واحدة تظل جديرة بالاهتمام، وهي أن العلاقة بين المقاومة الفلسطينية، وسكان جنوب لبنان بدأت تأخذ منحى تراجعيا، وهو ما عبرت عنه أحداث صيدا قبل الاجتياح “الإسرائيلي” بوقت قصير . ومما لا شك فيه هو أن الاصابع “الإسرائيلية” لعبت دوراً مهماً في تأليب الرأي العام اللبناني على المقاومة الفلسطينية، لكن المقاومة اسهمت في فتح الأبواب لذلك، من خلال تجاوزاتها وغرقها في الرمال اللبنانية .
راودتني هذه الأفكار مؤخراً حين اتيحت لي زيارة بعض قرى جنوب لبنان الحدودية، حيث وجدت وضعاً مختلفاً عما كان عليه الحال في سنة ،1982 ولقد دهشت أيما دهشة حينما اكتشفت وضعاً طبيعياً ليس فيه شيء من مظاهر الحرب، ولولا شريط الأسلاك الحدودي الفاصل، ودوريات القوات الدولية والمواقع العسكرية “الإسرائيلية”، لما اختلف الأمر عنه في أي حدود أخرى في العالم . بل إن جمال طبيعة الجنوب اللبناني ساحر إلى حد أنه يمكن أن يأخذ خيال الزائر إلى أي حلم آخر غير رائحة الحرب وأهوالها .
حركة عادية
يحتاج دخول الأجانب إلى منطقة جنوبي الليطاني إلى تصريح خاص من الجيش اللبناني، لأنها تعتبر ذات وضعية خاصة حسب تفاصيل القرار ،1701 الذي صدر خلال عدوان “إسرائيل” على لبنان سنة ،2006 وقد تمكنا من الحصول على موافقة حاجز الجيش اللبناني الموجود قبل الحاصباني، بعد أن تم التأكد من أننا نقوم برحلة عادية، وليس لدينا سوى هاجس الفضول وحب الاطلاع .
وصلنا هناك قادمين من محمية الباروك نزولاً نحو كفريا، ومن بعيد كانت تلوح مرتفعات جبل الشيخ الشامخة تغطيها الثلوج، فمررنا بقرية جب جنين، قبل أن ننعطف في اتجاه سد القرعون، ونعبر منطقة مرج الزهور التي ابعدت إليها “إسرائيل” مناضلين فلسطينيين قبل سنوات، والمفاجأة هنا هي أن المنطقة جرداء وعبارة عن مرج للصخور، ولا أثر فيها حتى لزهرة واحدة .
أول ما يصادفه المرء في منطقة جنوبي الليطاني هو الدوريات المشتركة بين الجيش اللبناني والقوات الدولية (يونفيل)، فيعرف في هذه اللحظة أنه دخل المنطقة المشمولة بالقرار 1701 . كل شيء هادئ والأمور تسير بشكل عادي، وتم مرورنا على جميع الحواجز بسلاسة، ومن دون اسئلة طالما أننا دخلنا المنطقة بإذن رسمي . وعلى عكس الانطباع السائد في الخارج من أن الأجواء متوترة، فهناك هدوء يخيم على المنطقة في صورة تامة والحياة تسير بإيقاع خافت، فالقوات الدولية والجيش اللبناني يتحركان في صورة روتينية، بينما يعيش الأهالي اللبنانيون في عوالمهم الخاصة، المقاهي والمطاعم عامرة باللبنانيين في كافة قرى الحدود، وهناك من يحصد أرضه أو يزرعها، ويعتني بحيواناته وأشجاره، بينما على الطرف الآخر من الحدود ليس هناك سوى المواقع العسكرية المموهة، التي تكشف عن انها مبنية على شكل تحصينات اسمنتية تحت الأرض، وحتى هذه المواقع لا تبدو أن هناك من يحرسها، حيث لم نر على طول الخط الحدودي من الحاصباني حتى بوابة فاطمة في كفر كلا، مروراً بكل قرى قضاء مرجعيون جنديا “إسرائيلياً” واحداً، مما يعني أن هؤلاء يمضون وقتهم متخفين في مواقعهم، يراقبون الجانب اللبناني عن طريق كاميرات خفية، وأقرب مستوطنة إلى الحدود بدت فيها حركة منظورة، هي المطلة الواقعة مقابل بوابة فاطمة، ولكنها لا تبدو على شاكلة القرى اللبنانية، بل يعكس بناؤها أنها مزيج بين الوحدة الصناعية والمعسكر، الأمر الذي يعبر عن عدم الشعور بالاستقرار، الذي يتمتع به أهالي الجنوب فوق أرضهم، فهؤلاء يبدون من خلال هندسة المحيط أنهم متجذرون في أرضهم واكثر رسوخاً، وأنهم هنا منذ زمن طويل وليسوا غريبين عن المكان، الذي طبعوه بطابعهم، وصاغوه وفق شخصيتهم وثقافتهم الخاصة .
تتالى المواقع “الإسرائيلية” بمعدل كيلومتر أمام كل قرية من الطرف اللبناني، واللافت هو وجود صورة كبيرة للسيد حسن نصر الله في مواجهة كل موقع “إسرائيلي” . لقد شدني الفضول وتوقفت أمام مجموعة من هذه الصور، وكنت أظن ان الجنود “الإسرائيليين” ربما عبروا عن ضيقهم من هذه الصور برميها بالحجارة أو اطلاق النار عليها، وفي الحقيقة لا توجد صورة واحدة مخدوشة على طول الخط، هل هذا يعبر عن تهذيب أم خوف؟ . لا أعتقد أن الجندي “الإسرائيلي” مهذب إلى هذا الحد، وإنما يخضع سلوكه لمعادلة أخرى، فهذا الصورة صارت بالنسبة له رمزاً يقف أمامه، ولم تعد محصورة بالشخص فحسب، بل إنها المقاومة الرمزية، والهدف من زرع هذه الصور ليس الحرب النفسية فقط، ولا تكريم بطل النصر فحسب، بل للقول نحن هنا، ليس هناك مواقع عسكرية من جانبنا، ولا أسلحة مكشوفة أو منشورة، ولكن المقاومة تقف في مواجهة مواقعكم، وتتجاوز الصورة هنا المفهوم العيني إلى معادل تمثيلي للواقع . إن نشر الصور بالشكل التي عليه والمضمون الذي تحمله إلى جانب راية حزب الله، التي ترفرف عالياً، يشكل مادة سياسية تنطق بصمت فصيح، لا يحتاج إلى أي لفظ، وهنا يتقاطع في الصورة المعنيان الدلالي والايحائي، وكما يقول رولان بارت تكمن الصورة في تحويل ذات إلى موضوع، وهي تدخل حكماً في منطق العملية الحربية للجندي “الإسرائيلي”، خصوصاً أن لغته تحمل ازدواج مدلولين، إطلاق النار والتقاط الصورة في كلمة واحدة دالة: to shoot .
بوابة فاطمة
حين وصلنا إلى بوابة فاطمة اختلف المشهد، كانت هناك دورية من القوات الدولية موجودة، ثابتة في المكان على ما يبدو مخافة حصول احتكاكات، فالناس الذين يأتون إلى هنا، عادة، ما يرجمون الجنود “الإسرائيليين” بالحجارة، ويرمون الاحتلال بحجر اللعنة . تذكرت زيارة الراحل ادوارد سعيد إلى بوابة فاطمة في مايو/أيار 2000 بعد تحرير الجنوب، لقد كانت تلك الخطوة تعبيراً عن روح المثقف الصادق والنقدي، الذي عرفناه فيه . ولم تكن الزيارة فقط ليرمي حجراً على جندي “إسرائيلي”، بل ليرى فلسطين من أرض لبنان التي احتضنت طفولته “خارج المكان” .
تبدو فلسطين من بوابة فاطمة مثل حسرة طويلة ودمعة لا يمكن ردها، ففي هذا اللحظة يصبح كل من يزور المكان فلسطينياً، حين يلتصق بالأسلاك الشائكة، يحس أنه مقتلع من ارضه، وهو يرى القرى الفلسطينية التي طرد أهلها منها سنة 1948 .
هذا المكان ذو خصوصية في تاريخ المنطقة، وقد كان صلة وصل بين فلسطين ولبنان وممراً منه تدفقت أفواج الهجرة الأولى، ولذا تقصده عائلات فلسطينية كثيرة في ذكرى النكبة، لتلقي نظرة في اتجاه فضاء الوطن، ولتملأ النفوس بالهواء القادم من هناك .
الاطلالة على سهول فلسطين من بوابة فاطمة تعيد الإنسان إلى طفولة الفلسطيني، الذي ظل يحلم بالطيران نحو سمائه الأولى على حد وصف محمود درويش . لا يشعر الزائر إلا بحس الطيران نحو فلسطين، فالطرف اللبناني من الأرض مرتفع والفلسطيني سهلي، وفي جدل الجغرافيا والتاريخ تبرز مفاجأة لا تخطر على البال، وهي عبارة عن قصر كبير بناه مواطن لبناني مقابل الموقع “الإسرائيلي” مباشرة، قصر ضخم من الحجر، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل، ألم يشعر هذا الشخص بالخطر من اندلاع حرب جديدة، إن أول قذيفة سوف تصيب قصره . لقد حول القصر إلى فندق ومطعم ومركز للاطلالة على سهول فلسطين .
إن السياج المحروس بالدبابات “الإسرائيلية” لا يعني سوى أمر واحد، أن هناك من يحرس خوفه، ويحاصر نفسه فيه . لا مرأى لجنود “إسرائيليين” كي نرميهم بحجر، لقد صاروا على ما يبدو يهرعون إلى مخابئهم كل ما توقفت سيارة ونزل منها زوار للمكان، الذي صار مقصوداً من طرف كل من يزور لبنان، وتعنيه قضية الاحتلال، وتبين لي أن اختيار هذا المكان، واختراع هذا الفعل الرمزي قد أصاب “الإسرائيليين” بمقتل، فهم صاروا يدركون نفسياً أنه كلما قدم شخص ليرى المشهد، لابد أنه يرجم في أعماقه “إسرائيل”، إن لم يرم جنودها بحجر . هنا نافذة صغيرة يطل منها العالم على نظام الاحتلال المحروس بأساطيل وجيوش الولايات المتحدة، لكنه يبدو من وراء البوابة والاسلاك الشائكة، ومن خلال الحصن الذي يختبئ فيه جنوده احتلالاً عابراً، لا صدى ولا حضور له، إنه يطل على العالم من فوهة دبابة، هذه هي نافذة المستوطن الوحيدة .
الحرب لم تمر من هنا
كنت اتوقع ان نعثر على آثار من حروب “إسرائيل” المتواصلة ضد هذه القرى الحدودية، وخصوصاً من عدوانها سنة ،2006 الذي اتخذ طابعاً تدميرياً للجنوب في صورة شاملة، إلا أنه لا أثر لأي دمار، بل على العكس تبدو المنطقة الحدودية وكأنها منخرطة في ورشة إعمار، بيوت الصخر الحديثة هي العلامة الفارقة في فضاء قرى الجنوب . لقد نجح الأهالي بمساعدة المقاومة وبعض الدول العربية في إعادة إعمار ما دمرته الحرب كلياً، وبنفس جديد هذه المرة، حيث تبدو الأساسات أقوى منها في المرات السابقة . ولا يحتاج الزائر إلى كبير عناء ليكتشف أن الجنوبي يبني هذه المرة ولديه شعور بالطمأنينة، لم يعشه في السابق، فهذه هي المرة الأولى التي صار فيها واثقاً من أن هدم منزله أو إحراق مزرعته، لن يكون أمراً سهلاً، فحرب 2006 التي كسرت شوكة الاحتلال “الإسرائيلي” فرضت معادلة جديدة على أرض الواقع، وهي الردع . لم يعد بمقدور “إسرائيل” لأول مرة في تاريخها حتى أن تخطف راعياً من جنوب لبنان، وهي التي أباحت لنفسها ذات يوم تدمير اسطول الطيران اللبناني في مطار بيروت .
توقفنا في عدة قرى على الطريق مثل حولا، دير ميماس، الطيبة، كفر كلا، العديسة، وفي كل قرية تحدثنا مع الأهالي، وكلمة السر هي ذكر اسم صديق من هذه القرية، إما صحافي أو شاعر أو فنان، يعيش في بيروت أو باريس أو الخليج، وكانت الابواب تفتح أمامنا، ويجرى الترحيب بنا، ويغمرنا الناس بالود . شيوخاً وشباباً ونساءً وأطفالاً . دارت أحاديث كثيرة عن القوات الدولية والجيش و”إسرائيل” والمقاومة والإعمار، وكان السؤال الذي اردنا أن نفهمه من الناس مباشرة هو حول المقاومة، طرحناه على كثيرين، وتلقينا اجابة واحدة من الشباب والشيوخ والنساء، المقاومة هي الناس، الذين يشكلون شريان حياة المقاومة، وكان قسطاً من الاجابة يهدف إلى تبديد الاستغراب الذي يعتري الزائر . نعم المقاومة هي الأهالي، الذين يتسلحون قبل كل شيء بالايمان بالأرض . لا توجد عائلة لم يتهدم بيتها، ولم تهجر ولم يستشهد أحد من افرادها، كل جنوبي دفع ثمنا باهظاً، ولكنه يعتبره لا يوازي النصر الذي تحقق في سنة ،2006 لأن هذا النصر خلق معادلة جديدة في الصراع، لم يعد فيها الجنوب أرضاً مستباحة من جهة، والمقاومة صارت واقعاً جنوبياً حياتياً مثل الهواء والخبز والماء، لا يمكن للجنوبي أن يعيش من دونها، فهي الضمانة لحياته وعيشه فوق أرضه بكرامة، ومن دون خوف وتهجير وتدمير . هناك شعور عام بأن العربدة “الإسرائيلية” لم تنته، ولكن الزمن لن يعود إلى الوراء، عندما كانت الدبابات “الإسرائيلية” تدخل الجنوب وتقيم قواعد فيه، وتحكم على مشيئتها . صارت “إسرائيل” تحسب ألف حساب قبل أن تطلق قذيفة على جنوب لبنان .
إن من يمضي وقتاً ولو قليلاً بين الجنوبيين يدرك أن هذا الانجاز عزيز جداً على قلوب أهالي الجنوب، وهو بالنسبة لهم لا يقدر بثمن، واللافت هو أن هناك اجماعاً على أن “إسرائيل”، حتى لو انسحبت من جنوب لبنان، فإنها لن تدع الجنوب يعيش بسلام، فأطماعها في المنطقة كثيرة، عدا عن انها لا تستطيع ان تنام قريرة العين، وهي تعرف ان ورقة التفوق لم تعد في يدها .
سلاح المقاومة
إن الزائر الذي يستمع لآراء الجنوبيين، ويقترب من هواجسهم ومشاعرهم، ويتلمس عن كثب الحالة التي باتوا يعيشونها بعد سنة ،2006 يقف على حقائق غير مرئية من الخارج، وأهمها أن المقاومة صارت حالة جنوبية، لا يمكن اختصارها بالمقولة التي تتردد على السنة بعض السياسيين اللبنانيين والأطراف الدولية المؤيدة ل”إسرائيل”، وهذه المقولة تتلخص بسلاح حزب الله . وفي الحقيقة يصاب الزائر بالدهشة لأنه لا يرى قطعة سلاح في هذه القرى، حتى المسدس غير موجود، وهذا أمر لا يعبر عن انضباط حزب الله فحسب، بل له مغزى ابعد وهو أن السلاح للمعركة مع “إسرائيل” فقط، وليس للعرض أو الاستعراض، أو للاستخدام في الحياة الداخلية للمنطقة، من المؤكد أن هناك اسلحة كثيرة، وهذا ما أبانت عنه مواجهات سنة ،2006 لكن لا أحد يستطيع العثور عليها، أو يعرف مكانها، ولذا تقوم أحيانا بعض الأطراف في القوات الدولية بالتحرش بالأهالي لأهداف مشبوهة، بغرض فك هذا اللغز . وهنا يلحظ الزائر حقيقة مهمة، وهي أن حزب الله لوكان حزباً عادياً يحترف القتال فقط، لكان من الصعب عليه أن يخفي اسلحته في هذه المنطقة، التي لا تتميز بجغرافيا معقدة كثيراً . إن النجاح في هذا الجانب سره هو أن المقاومة هي مقاومة الأهالي، ولذا يصعب اختراقها أو التأثير فيها . وبالاضافة إلى ذلك فإن المقاومة هي تعبير عن مشروع سياسي ورؤية وطنية للصراع مع “إسرائيل”، وموقع لبنان في هذا الصراع، ومن هنا تكتسب الهوية المقاومة مكانتها ليس في وجدان الجنوبيين فحسب، بل لدى القطاع الأوسع من اللبنانيين، الذين تمتلئ أنفسهم بشعور سيادة ومناعة بلدهم واستقلالية قراره الوطني، وهذا أمر لا يحتاج إلى نظريات للبرهنة عليه، فسلوك “إسرائيل” لمنع هذا البلد من تحقيق نفسه هو الدليل، فهي ليست طامعة بثرواته فحسب، بل وصلت إلى حد تهديد نظامه المصرفي المتطور، وتقويض نموذجه في التعددية الدينية والثقافية .
هناك قناعة تتكون لدى الزائر وهي أن تسليم سلاح المقاومة تعني في الظروف الحالية، على الأقل، إعادة اطلاق يد “إسرائيل” في الجنوب اللبناني، ولبنان ككل، وتهديد سوريا أيضاً . إن الرادع اليوم للعدوان “الإسرائيلي” ليس حب “إسرائيل” للسلام مع لبنان، ولا القرارات الدولية، بولا قوات الامم المتحدة، وإنما سلاح المقاومة، ومن هنا فإن استهداف المقاومة من خلال تسييس المحكمة الدولية، يعد الحلقة الأخطر على لبنان والمنطقة .
(*) صحيفة الخليج
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018