ارشيف من :أخبار لبنانية

هل كان السيد مقنعاً؟

هل كان السيد مقنعاً؟

نصري الصايغ ـ السفير

لم يكن السيد مقنعاً.
القرائن التي قدمها لاتهام إسرائيل بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم تكن مقنعة، لفريق لبناني، لا يريد أن يقتنع أبداً.
وكان السيد مقنعاً.
فالقرائن التي قال عنها إنها غير قطعية، سيتعامل معها فريق لبناني بأنها أدلة مثبتة ونهائية وتدين إسرائيل.
فاللبنانيون ليسوا على قناعة واحدة، فلكل قناعه الذي يخفي قناعته.

فماذا قدّم السيد إذاً؟

بالتأكيد، لم يكن الهدف الإقناع. فالقرائن، برغم أهميتها، لا ترقى إلى مكانة الأدلة المادية والحسية المثبتة. انما، إذا قورنت، في الشكل على الأقل، بما قدمته المحكمة الدولية، بترسانتها الكبرى، وبدعمها الهائل، واحتضانها الدولي الفتاك، وتلقينها الشهود والملفات والحيثيات، فإننا سنجد أن السيد حسن نصر الله قدّم مادة دسمة لتحقيق جديد، أخفقت في تقديم النزر اليسير منه قوى 14 آذار، المؤمنة «بوحي المحكمة»، وقدرة لجنة التحقيق على كشف «الحقيقة».
إذا كان النقص في القرائن عيباً، فإن تلفيق الأدلة جريمة. والسيد لم يدّع العصمة. عرض ثم عرض ثم عرض، ورأى العالم كله ما عرضه. سمعنا عملاء اعترفوا ورأيناهم بالصورة. سمعنا اعترافات علنية مسجلة. ثم عرض نماذج لعملاء لبنانيين. عملوا في خدمة إسرائيل لسنوات، واختصوا بالرصد والإيواء ونقل المتفجرات وتفجيرها.

رأينا طائرات إسرائيلية، (المفروض دائما وضع الصفة الملاصقة لإسرائيل، فيقال طائرات العدو الإسرائيلي) تمسح لبنان جواً، وتحصي أبنيته وطرقه ومواقعه وأنفاسه. وتركز على من يشتبه بأنه يصلح لعمليات أمنية. رأينا أن معظم الرصد هو حول مسارات مواكب الحريري في بيروت، وبينها وبين فقرا وصيدا. رأينا تركيزاً ومداومة. وليس هذا مجانياً، ولا تقوم الـ«إم كا» بسياحة ترفيهية في سماء لبنان.
المحكمة الدولية (اللهم، نجّنا من كل من وما يحمل صفة الدولية) «فضيحة دولية»، إلا عند أصحاب الغايات الدولية، محلياً وإقليميا... فضيحة مطنطنة... حتى صرنا نتعامل معها، وفق المنطق التالي: «إذا صدقت صدقاً مبيناً، فهي كاذبة». وتكذيبنا لها، ليس بناء على موقف مسبق، بل هو تأسيس على ما ارتكبته من فضائح: أدناها، شهود الزور، واعتقال الضباط الأربعة، واتهام سوريا... وأقصاها، رهن لبنان برمته، لأربع سنوات ماضية، وطموحها بتقييده أربع سنوات لاحقة، والتفرغ مدى الحياة، لإلغاء كل حياة مقاومة فيه.
«الحقيقة» التي تبحث عنها «المحكمة الدولية»، ليست من قتل الحريري، بل من يدفع ثمن قتل الحريري... دفعت سوريا ثمنا باهظاً. أُخرجت من لبنان، مُهانة وذليلة. وكادت ألا تعود أبداً، لولا فداحة الرهانات الأميركية الخاسرة، ونجاعة رهانات سوريا الرابحة، بصمودها وعدم تخليها، واكتفائها بطلب التعافي.
«الحقيقة» المطلوبة دوليا، هي تدفيع حزب الله ثمن الجريمة. وعليه فمن سيجرؤ على التحقيق مع جندي إسرائيلي، مع مشغّل إسرائيلي، مع «مارماتون» إسرائيلي، مع أي شيء يمت لإسرائيل بصلة؟ سفينة الحرية نموذج. لن نجد مجنوناً واحداً يصدّق أن إسرائيل ستأذن بذلك، وأن واشنطن ستسمح بذلك، وأن أوروبا ستحبذ ذلك، او ان دولا عربية مسطحة ستفرح بذلك...
الحقيقة المطلوبة هي الحقيقة التي تؤدي إلى وضع المقاومة ومن معها، على منصة الإعدام.
إذاً، لماذا قدّم السيد عرضه؟
أقل الإيمان، أن يدافع المرء عن نفسه، عندما يتهم. ومن قواعد العدالة، أن يعطى المتهم حق الدفاع عن النفس.
أقل الإيمان أيضا، وقف مهزلة المحكمة الدولية، وعملائها السياسيين في لبنان.
أقل الإيمان أيضا، أن يوفر للبنانيين قرائن تدين سواه، ولقد فعل السيد ذلك.
لكن كل هذا لا يكفي.

سئل الأفغاني من قبل كاتب فرنسي، ما العدالة؟ فأجاب: «عندما تتعادل القوى».

إذا كانت «المحكمة الدولية» قوية بما فيه الكفاية، معنوياً ومادياً وإعلامياً، فإننا اليوم بتنا أمام قرائن قوية، مدعومة بحزب قوي. لم تقوَ عليه إسرائيل وأميركا و... من يتلو مزاميرهما في بلاد العرب المسالمة، وبعض اللبنانيين المستبسلين في تبرئة إسرائيل.
هل هذا آخر المطاف في عملية التصويب؟ الطريق مفتوح على ما لا تحمد عقباه. لأن عدم الأخذ بالقرائن، كأحد ممكنات البحث عن الحقيقة، ورفض الاعتراف بجدية هذه القرائن لاستكمالها سيؤدي حتماً إلى الأسوأ.
والأسوأ: أن يصار إلى مواجهة «عدالة» المحكمة القوية بعدالة حزب الله. أغلب الظن أن عدالة الأقوى ستفوز. والحزب برهن على قوته وفاز. حذار من تجربته مرة أخرى. قرارات الخامس من أيار مسّت «سلاح الاتصالات»، فكان السابع من أيار. وإذا مس القرار الظني حزب الله ووجد من يصفق له في لبنان، فلا حول ولا قوة...
للعدالة وجهان، وجه القبول الطوعي، ووجه القبول القسري. وعلى اللبنانيين أن يختاروا.

2010-08-11