ارشيف من :أخبار لبنانية

في أبعاد خُطب السيّد نصر الله الأخيرة

في أبعاد خُطب السيّد نصر الله الأخيرة

الياس حنا ـ السفير

اعتمد السيّد حسن نصرالله مقاربة معيّنة مدروسة، او بالأحرى خارطة طريق لمقاربة موضوع المحكمة الدوليّة وكلّ ما يتعلّق بها. فكان الخطاب الأوّل، حيث تمّ وصف المحكمة على أنها مسيّسة، وهي تحاول ان تأخذ من المقاومة بالسلم ما لم تستطع إسرائيل أخذه بالقوّة. بكلام آخر، ضرب السيّد مصداقيّة المحكمة منذ الخطاب الاوّل.
بعد الخطاب الاوّل، كان المؤتمر الصحافيّ الاوّل. ان اهمّ ما ورد فيه، هو سؤال الاستاذ نصري الصايغ حول ما يمكن ان يقوم به كلّ من السعوديّة ورئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري تجاه اتهام المحكمة لعناصر من الحزب. فكان الجواب أنه يمكن لكليهما فعل الكثير. مباشرة، بعد المؤتمر الصحافيّ، كانت القمّة الثلاثيّة في لبنان.
في الخطاب الثالث، كان اتهام اسرائيل باغتيال الرئيس رفيق الحريري، على ان تبيّن الادلّة الحسيّة في مؤتمر صحافي لاحق. وأخيرا وليس آخراً، شكّل مؤتمر امس الأول، قمّة خارطة الطريق، مع الوعد بالمزيد اذا احتاج الامر (نموذج عبوة الزهراني وغيرها).
ماذا عن أبعاد المؤتمر الصحفيّ الأخير؟
في قراءة معمّقة، هناك أربع رسائل في اتجاهات عدة:
÷ باتجاه المحكمة الدوليّة لفتح الباب لمزيد من التحقيقات - مع اسرائيل.
÷ بالاتجاه الاسرائيليّ، في الاتهام اوّلا، وفي الصراع العسكريّ الاستخباراتيّ ثانياً، خاصة كمين انصاريّة في العام1997.
÷ بالاتجاه السوري، بعد ذكر التحقيق العنجريّ، وهذه ليست المرّة الاولى التي يذكر فيها «السيّد» سوريا - فهو ذكّر في لقاء سابق بذكرى 8 آذار.
÷ واخيراً وليس آخراً، رسالة باتجاه الحكومة اللبنانيّة حول كيفيّة التعامل مع المحكمة الدوليّة، او بالأحرى دعوة الحكومة الى القفز فوق المحكمة والعمل محليّاً لمعرفة الحقيقة.
كيف بنى «السيّد» مقاربته في المؤتمر الاخير؟
÷ استعرض الحرب الاستخباراتيّة مع إسرائيل منذ العمليّة الأهمّ في انصاريّة (1997).
÷ عرض موضوع العملاء، منهم من حاول الإيقاع بين حزب الله والرئيس رفيق الحريري (منذ 1993)، ومنهم من ساعد إسرائيل في بعض الاغتيالات، كما رصد تحرّكات بعض القوى السياسيّة والرسميّة.
÷ وأخيراً وليس آخراً، عرض بعض الفيديوهات التي تثبت ان اسرائيل وبالاضافة الى عملائها، هي تجمع معلوماتها العملانيّة والتكتيّة عبر الطائرات دون طيّار.
÷ وبما ان اسرائيل هي المستفيد الاكبر من اغتيال الرئيس الحريريّ - وهي القادرة - وبما انها تريد رأس حزب الله والمقاومة، لذلك يجب فتح نافذة - احتمال - ان تكون هي من اغتال الرئيس الحريريّ. هذا هو المسار المنطقيّ الذي بنى عليه البارحة السيّد مقاربته لاتهام اسرائيل.
ما هي المقاربة الاستراتيجيّة التي يعتمدها «السيّد» تجاه المحكمة؟
يريد «السيّد» ما يلي:
÷ تحريك المياه الراكدة حول موضوع المحكمة الدوليّة، لتعطي بعض التموّجات علّها تشمل اسرائيل. منطقيّاً على المدّعي العام الدوليّ ان يأخذ هذا الامر على انه إخبار، كما على القضاء اللبنانيّ ان يحذو حذوه.
÷ يريد «السيّد» ربط اسرائيل بعمليّة الاغتيال، مع إمكان جرّ الولايات المتحدّدة الى المستنقع نفسه، والا فما معنى ذكره لطائرة الايواكس - AWACS- التي تزامن تحليقها في الاجواء اللبنانيّة يوم الاغتيال ـ الزلزال؟ خاصة ان اسرائيل لا تملك هذا النوع من الطائرات - وهي عبارة عن مركز قيادة وسيطرة جوّيّ.
÷ في الحدّ الادنى، يريد «السيّد» نقل الصراع الى المستوى السياسيّ الاكبر، بدل ابقائه في المستوى القانونيّ الدوليّ البحت. وإلا فما معنى القمّة الثلاثيّة، وزيارة علي أكبر ولايتي الى بيروت، والتصريحات الايرانيّة للمرّة الأولى حول المحكمة؟ وهل هناك شيء ما، إقليميّ - دوليّ بدأت ملامحه بالظهور، الامر الذي استدعى هذا التحرّك السياسيّ غير المسبوق منذ اتفاق الدوحة؟ فعند تضارب السياسة مع القانون الدوليّ، عادة تنتصر السياسة.
ماذا بعد؟
هل ستذهب المحكمة لتحقّق مع اسرائيل؟ بالطبع كلاّ. هل سيتراجع السيّد عن موقفه من المحكمة؟ بالطبع كلاّ. هل يمكن للحكومة الحاليّة تلبية طلب السيّد؟ بالطبع كلاّ. هل ستقبل القوى الكبرى التي اصدرت قرار مجلس الامن حول المحكمة بما قاله السيّد؟ بالطبع كلاّ. هل ستقبل ايران بضرب الاساس الامتن في استراتيجيّتها الشرق اوسطيّة - حزب الله؟ بالطبع كلاّ. هل ستقبل سوريا بضرب الحزب؟ كلاّ.
لكن الأكيد، ان وضع المحكمة قبل المؤتمر الأخير للسيّد، هو ليس كما قبله. كذلك الأمر، سيكون وضع الحزب بعد صدور القرار الظنيّ هذا اذا صدر، ليس كما قبله.
الى اين تتّجه الامور؟
بين الحدّ الاقصى الذي يطلبه السيّد، الا وهو الغاء المحكمة من جذورها، وبين الحدّ الادنى لاولياء الدمّ وتمسّكهم بالمحكمة - ضمناً الحكومة الحاليّة. لا يبدو ان هناك مخرجاً معيّناً، الا ازمة سياسيّة في الحدّ الادنى، قد تتطوّر الى أزمة أمنيّة خطيرة. كل ذلك في انتظار أن يُفرض علينا الحلّ السياسيّ كما تعوّدنا منذ العام 1840، وحتى اتفاق الدوحة الأخير. فحذار.

2010-08-11