ارشيف من :أخبار لبنانية

عدم فضح التزوير يفتح باب المماطلة بانتظار الفتنة

عدم فضح التزوير يفتح باب المماطلة بانتظار الفتنة
ابراهيم الأمين ـ الاخبار

«وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم... وما أنت بمُسْمعٍ من في القبور». حفلة الصراخ التي انطلقت بعد المؤتمر الصحافي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، تمثّل شيئاً واحداً تعوّدناه منذ وقت غير قصير، هو العمل على تهميش ما يصدر عن الطرف الآخر. وبدل العمل على تفنيد قانوني وتقني، يلجأ نوّاب وقوّالو فريق 14 آذار إلى السيمفونية نفسها التي تستهدف تسخيف ما حصل. وهذا يعني أن ذاك الفريق لا يريد أي نقاش جدي يقود إلى حقيقة غير تلك التي افترضوها، ولو على دماء البقية الباقية من اللبنانيين.

لكن الجواب الفعلي لم يصدر بعد. وهو المنتظر من جهة الادعاء الشخصي ومن جهة الادعاء السياسي الإقليمية ومن جهات التآمر الدولية. واقتصرت ردود الفعل حتى اللحظة على من يكلَّفون عادة ملء الفراغ.
ومرة جديدة لا يهتم فريق الطبالين لحصول تطابق بين تحليلاتهم، وما تقوم به إسرائيل لجهة اعتماد سياسة التسخيف، علماً بأن لكل من الطرفين حساباته. فالعدو لا يريد إعطاء أي طابع جدي لقرائن نصر الله؛ لأن من شأن ذلك دفع الأمور إلى نقاش قد يلامس حد التحقيق والسؤال. أما الفريق اللبناني، فيخشى أن يقود التعامل الجدي إلى تحقيقات تفتح باب ملف التزوير من جهة، وتؤدي إلى استنتاجات غير تلك المقررة ضد المقاومة. وإذا كان سعد الحريري قد حرص قبل سفره، من خلال كتلته النيابية أمس، على تثبيت الموقف بأن المحكمة الدولية موثوقة وهي الجهة الصالحة لبتّ ملفات التحقيق الدولي، فإن المحادثات التي أجراها الملك السعودي في دمشق وبيروت يفترض أن تقود قريباً إلى نتائج معينة، مما سينعكس على الحريري وأنصاره، ما يعني أن فريق الحريري سيستغل هذا الوقت المستقطع لمواصلة لعبة الابتزاز والتحريض على المقاومة، فيما تعلن المقاومة يومياً التزامها مبدأ التهدئة التي أقرتها جولة الملك السعودي. وبذلك، فإن الحريري يستفيد من وقف ضغوط حزب الله وقوى المعارضة عليه في ملف التحقيقات الدولية، فيما هو يُبقي سقف الاتهام قائماً من خلال المحكمة نفسها ومن خلال موظفيه وحلفائه في بيروت. وإذا ما تعرض للمساءلة، فسيقول إن فريقه المباشر ممتنع عن التعليق.

في هذه الحالة بالتحديد، يمكن فهم ما أشار إليه العماد ميشال عون أمس في مؤتمره الصحافي، حين حذر من لعبة تستهدف مهادنة السيد نصر الله. وأكمل إشارته بالعودة إلى نقطة الضعف المركزية عند الفريق الآخر، وهي ما يتعلق بملف شهود الزور. بهذا المعنى، إن ما قاله عون وما هو منطقي أصلاً، يقود إلى ضرورة أن يأخذ حزب الله في الاعتبار أن إظهار قرائن الشك في إسرائيل يحتاج إلى ما يدعمه، وهذا العنصر موجود في الجزء المؤجل من كلام نصر الله الذي يتعلق بالتحقيق الدولي وبملف شهود الزور.

وفي عودة إلى ما أحدثه نصر الله في مؤتمره الصحافي، فإن النتائج الأولية تشير إلى تحقيقه خروقاً كبيرة في جبهة الرأي العام، هي إعادة الاعتبار إلى ملف المواجهة مع إسرائيل بما يتجاوز الجبهة العسكرية أو الأمنية المباشرة بين قوات الاحتلال وقوى المقاومة، وبما يلامس الجبهات الداخلية. كذلك هناك تأثيرات حقيقية على صعيد الجمهور العربي الذي تعرّض لهجمة كبيرة خلال الأعوام الماضية تحت عناوين مذهبية وغيرها. وبالتأكيد فإن نصر الله أعاد الاعتبار إلى صورة المقاومة طرفاً لا يخشى المواجهة مع إسرائيل، وجهةً قادرة على ملاحقة العدو في مسائل تتجاوز الجبهة القتالية، وهو الأمر الذي لا يهتم له الآن فريق الادعاء والتآمر، والذي حسم أمره لناحية القول بأن كل ما يجري الآن هو عبارة عن عناصر مباشرة وغير مباشرة لتأكيد وجهة الاتهام للحزب وعناصره.
الأمر الآخر الأكثر خطورة في ردود الفعل الصبيانية، هو أن أصحابها، من حيث يدرون أو لا يدرون، يرفضون مجرد اتهام إسرائيل بالوقوف خلف الجريمة. وهم يريدون من الجمهور التعامل مع الأمر كأنه بسيط من دون أي توضيحات. وهذا الفريق يريد منا أن نقبل أنه أطاح كل المحرمات خلال 4 سنوات فقط؛ لأنه ظن بدور لسوريا، وهو لم يستخدم دليلاً واحداً ليسند اتهامه السياسي، فيما يريد لنا ألّا نتوقف أبداً عند القرائن التي قدّمها نصر الله والتصرف إزاء ما قيل وعرض على أنه مجرد هراء. بكلام آخر، يريد هذا الفريق من الناس أن يصدّقوا محمد زهير الصديق وأن يرفضوا حتى الاستماع إلى السيد نصر الله. وإلا، فهل هناك من تفسير سياسي ومهني أو غيره لقرار وسائل إعلام الحريري عدم بثّ المؤتمر الصحافي للسيد نصر الله، بالرغم من أن هؤلاء يعرفون أن جمهور الحريري اللصيق معني بالاستماع قبل غيره؟ لكن الذي أخّر قرار المنع أو الحجب هو نفسه الآتي من مملكة الصمت في السعودية حيث يعتقد هؤلاء أن الحجب يؤدّي إلى إخفاء الحقيقة، بينما يتضح أكثر أن ثقة هذا الفريق بنفسه ضعيفة إلى حدود أنه يخشى كلام نصر الله.

أما في ما خص أصل المعركة، فإن الأمور تتجه إلى المواجهة المقبلة على عناوين المحكمة، وما لم يقله السيد نصر الله أول من أمس سيكون مضطراً لقوله في القريب العاجل، ولو من باب الإجهاز على ملف التحقيق المسيَّس. وهذا ما سيفرض على فريق التزوير أن يُعدّ نفسه لمواجهة حاسمة. وإذا تأخر فريق المقاومة في توجيه الضربات المناسبة في الأمكنة المناسبة، فقد نكون أمام فترة سماح جديدة لفريق التزوير، من شأنها دفع البلاد نحو فتنة من النوع الذي لا يُبقي شيئاً.

وبهذا المعنى، فإن ملف التحقيقات الجارية، سواء مع مشتبه في تعاونهم مع الاحتلال، أو في ما يحصل على صعيد عمل فريق التحقيق التابع لدانيال بلمار،
 ❞العودة إلى لعبة مغادرة الحكم أو الذهاب نحو معركة إسقاط الحكومة
سيكون أمام اختبار جدي. فإذا حصل تجاهل لاحتمال تورّط إسرائيل، نكون أمام معركة من نوع «عنزة ولو طارت». وإذا لم يكن هناك من علاج لهذه النقطة، فإن الجميع سيجدون أنفسهم تدريجاً أو فجأة في فوهة البركان.

بناءً على ذلك، إن الإعداد للجولة الثانية من المواجهة، سيستند إلى عناصر قوة أكثر وضوحاً في ما خص عملية التزوير، حتى إذا ما قرر فريق التزوير منع هذا التحقيق، فإن المطلب الفعلي سيكون عندها بتغيير الحكومة شرطاً ضرورياً لمنع حصول الفتنة، وهذا التغيير الحكومي يحتاج إلى خطوة من اثنتين:
إما العودة إلى لعبة مغادرة الحكم كما جرى إثر عدوان 2006، وهو أمر غير مفيد، وإما الذهاب نحو معركة إسقاط الحكومة. وهذه المعركة تتطلب وضعية جديدة ومختلفة للنائب وليد جنبلاط ولبعض القيادات السُّنية البارزة في لبنان. وهو أمر يبدو أنه قيد التشاور والتدقيق. وإذا ما اضطر فريق المقاومة إلى المضي في هذه الخطوة، فسيكون على الحريري وفريقه الإجابة عن سؤال: هل تقدرون على البقاء فعالين وأنتم خارج الحكم؟ وهل سيقبل العالم تغييراً يطيح ما عمل على فرضه أمراً واقعاً خلال السنوات الأربع الماضية؟
2010-08-11