ارشيف من :أخبار لبنانية

مقارنة بين اتهام نصر الله لإسرائيل واتهام ميليس لسوريا: الأول أكثر مهنية وموضوعية.. وذو قيمة قضائية احتمالية

مقارنة بين اتهام نصر الله لإسرائيل واتهام ميليس لسوريا: الأول أكثر مهنية وموضوعية.. وذو قيمة قضائية احتمالية

علي الموسوي - السفير

تستدعي المعطيات والمعلومات والقرائن المشفوعة بالتحليل والربط والاستنتاج، التي قدّمها الأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصرالله في مؤتمره الصحافي في 9 آب 2010، متهمّاً إسرائيل باغتيال الرئيس رفيق الحريري، إجراء مقارنة بين هذه المعطيات المرفقة بالصوت والصورة، وعمل لجنة التحقيق الدولية في عهد رئيسها الأوّل القاضي الألماني ديتليف ميليس والتي اتهمت سوريا والضبّاط الأربعة بهذه الجريمة من دون أن تكلّف نفسها عناء توسيع دائرة الفرضيات والاحتمالات أو البحث فيها، أو مقاربتها، ممّا رسم شكوكاً حول مصداقية عملها وأسلوبها في التعاطي مع جريمة كبرى.

وهذا ما فعلته مصادر مراقبة لعمل المحكمة الخاصة بلبنان منذ بداية العمل العلني للقاضي ميليس في شهر حزيران من عام 2005، وروت ما توصّلت إليه على الشكل التالي:

أوّلاً، بالنسبة إلى ديتليف ميليس:
بدأ ميليس تحقيقه على أساس أنّ سوريا اغتالت الرئيس الحريري، وأنّ مهمّته تقتصر على جمع الأدلّة ضدّ سوريا (وكل ذلك مبني على فرضية مواجهتها للقرار 1559) وبما أنّ ميليس لم يكن يملك أدلّة ضدّ سوريا لإدانتها حاول الالتفاف على هذه النقطة الجوهرية في أيّ ملفّ أو قضية صغيرة كانت أم كبيرة، وحاول عبر رئيس المحقّقين لديه مواطنه الشرطي غيرهارد ليمان، إقناع اللواء الركن جميل السيّد بأن يكون هو الدليل ضدّ سوريا في صفقة غريبة من نوعها، ولمّا رفض السيّد هذا العرض الذي أودى به إلى السجن، لجأ ميليس إلى فبركة شهود الزور لتبرير توقيف الضبّاط الأربعة السيّد واللواء علي الحاج والعميدين مصطفى حمدان وريمون عازار، واتهام سوريا من خلالهم.

ومن أجل استغلال الاتهام السياسي لسوريا بهدف إجراء تغيير سياسي في لبنان، اضطرّ ميليس إلى خرق سرّيّة التحقيق في تقريريه الأوّل والثاني الصادرين يومي الخميس والاثنين في 20 تشرين الأوّل، و 12 كانون الأوّل من عام 2005، وفي إطلالاته الإعلامية وهو أمر لم يفعله غيره ممن خلفه في رئاسة لجنة التحقيق الدولية لا القاضي البلجيكي سيرج برامرتز ولا القاضي الكندي دانيال بيلمار، حيث كان ينشر عبر وسائل الإعلام المحسوبة على فريق 14 آذار، أقوال شهود الزور التي تتهم سوريا والضبّاط الأربعة.

كما أنّ ميليس خرق سرّيّة التحقيق بقيامه ببعض الأعمال التحقيقية المسرحية مثل المداهمة التلفزيونية لشقّة المواطن مالك محمّد في شارع معوّض في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت والتي كان يقطن فيها ضابطان سوريان، بداعي أنّ الضبّاط الأربعة اللبنانيين اجتمعوا فيها، بالإضافة إلى نشره افتراءات عن اللواء السيّد تتعلّق بما أسماه ميليس «الصندوق الأسود» في الأمن العام لتمويل عملية اغتيال الحريري.

باختصار، ارتكزت حقبة ميليس فقط على تزوير أدلّة ضدّ سوريا والضبّاط، وعلى شهود زور في مقدّمتهم زهير بن محمّد سعيد الصدّيّق، مترافقة مع تقنيات خرق سرّيّة التحقيق وهو أمر أيضاً لم يفعله ميليس للمرّة الأولى، في تاريخ امتهانه العمل القضائي، إذ يستدلّ من مراجعة بسيطة لأعماله أنّ حياته حافلة بهذه الخروقات ومنها على سبيل المثال قضيّة تفجير ملهى «لابيل» الذي استهدف جنوداً من مشاة البحرية الأميركية «المارينز» في ألمانيا.

ثانياً، بالنسبة إلى السيّد نصرالله:
لم يسمّ الأمين العام لحزب الله أيّ شاهد لا مزوّر ولا صحيح وحقيقي في مؤتمره الصحافي، بمعنى أنّ اتهامه لإسرائيل جاء خالياً من إفادة أيّ عنصر بشري، ومن هنا يكون اتهام نصرالله لإسرائيل بالمقارنة مع اتهام ميليس لسوريا أكثر مهنية وموضوعية واحترافاً.

وبشأن العناصر الموضوعية، فقد أثبت نصرالله أنّ إسرائيل تقوم بعملية رصد لتحرّكات مختلف الشخصيات اللبنانية، سواء تلك المتحالفة مع سوريا أو تلك المعارضة لها، وتكمن أهمّية ما أشار إليه في تشديده على رصد إسرائيل للشخصيات المعارضة لسوريا، وهذه الواقعة ثابتة بدليل أنّ أحد الموقوفين، وهو العميل سعيد طانيوس العلم، اعترف أمام القضاء العسكري وقبله في التحقيق الأولي لدى الأجهزة الأمنية، بأنّه كان مكلّفاً بمراقبة رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع لمصلحة إسرائيل، ورصد مكان إقامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في عمشيت، ويخت لبحرية الجيش يستخدمه قائد الجيش.

وبعد إثبات هذه الواقعة الموضوعية، استنتج نصرالله أنّ إسرائيل هي دائماً حاضرة لإجراء أيّ اغتيال سياسي، بصرف النظر عمّا إذا كان المستهدف حليفاً أم مناهضاً لسوريا أو في السلطة اللبنانية، بقدر ما يعنيها تداعياته، وهو اشار الى أنه بعد رفض سوريا الشروط الأميركية بعد احتلال العراق كان لا بد من حدث كبير يؤدي الى اخراج جيشها من لبنان.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد صار معلوماً أنّ جهازاً استخباراتياً عربياً، هو الذي أعطى الأمر باغتيال أحد الصحافيين الأشدّ معارضة لعهد الرئيس كميل شمعون هو نسيب المتني عام 1958، وذلك من أجل إشعال الحرب الأهلية حيث لاحت بوادر فتنة في الأفق، علماً أنّ شخصية المتني ودوره لم يكونا مستهدفين من وراء هذا الاغتيال، لأنّ مواقفه كانت تصبّ في مصلحة السياسة المصرية في لبنان.

وفي المحصّلة، أراد نصرالله أن يقول إنّ الرئيس رفيق الحريري قد لا يكون استهدف بشخصه ومن أجل شخصه، بل من أجل خلق ردّة الفعل الشعبية التي مكّنت من تنفيذ القرار الدولي 1559، وهذه فرضية علمية غير مستندة إلى أيّ إفادة بشرية قد تكون مزوّرة أو لا.

وانتقل نصرالله إلى إعطاء دلائل حسّية قد تكون ذات صلة باغتيال الحريري منها، وجود العميل الإسرائيلي غسّان جرجس الجدّ قبل يوم واحد من وقوع الاغتيال في موقع الجريمة في عين المريسة. وخلص نصرالله إلى تأكيد وإثبات أنّ لإسرائيل الإمكانية والدافع والقدرة والمصلحة للقيام بعمليات الاغتيال ومنها اغتيال رفيق الحريري.

إنّ ما قدمه السيد نصرالله في مؤتمره الصحافي من قرائن وليس أدلة قطعية على حد تعبيره، لا يشكّل دليلاً قضائياً مباشراً على مسؤولية إسرائيل لكنّ لم يعد ممكناً لأيّ تحقيق في جريمة الحريري أن يستبعده، أو أن يستكمل، قبل الغوص والتدقيق في هذا الاحتمال في ضوء المعطيات التي وفرها السيّد نصرالله.

2010-08-12