ارشيف من :أخبار لبنانية

أبواب مفتوحة للمخارج... لكن ليس قبل نهاية رمضان

أبواب مفتوحة للمخارج... لكن ليس قبل نهاية رمضان

خضر طالب - السفير

منذ القمة الثلاثية العربية في بيروت، وكل المعطيات تؤكّد وجود قرار سوري ـ سعودي بمنع انفجار أي من الصواعق التي تطوّق تفاهم الدوحة وتهدد بنسف بنيته ونتائجه، لا بل ثمة كلام واضح لكل من الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد بأن الفتنة السنية الشيعية في لبنان خط أحمر، وهذه الفتنة تشكل ليس خطرا على لبنان وحده، بل على الاستقرار الاقليمي في المنطقة العربية بأسرها.

ولأن الروايات المتناقلة حول القمة الثلاثية تلتقي عند عنوان البحث عن مخارج للمأزق اللبناني الناتج عن احتمال صدور لائحة الاتهام الأولى عن المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي دانيال بيلمار في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إلا أن تفاصيل تلك المخارج لم توضع أصلاً على الطاولة إلا من خلال البحث عن شراء الوقت الكافي، في حين أن بعض المعلومات المتداولة في بعض الأوساط الدبلوماسية أكدت أن الملك السعودي الذي أخذ على عاتقه عبء تبني أي صيغة يمكن أن تؤدي إلى إنهاء المأزق اللبناني، بادر فور انتهاء القمة يومها إلى إجراء اتصالات مع عدد من قادة دول العالم لوضعهم في صورة الأخطار المحدقة بلبنان، في ضوء الشكوك التي تراود فريقاً من اللبنانيين بأن القرار الظني سيخضع لدرجة عالية من التسييس الذي يؤدي إلى فتنة لن تبقى محاصرة في الجغرافيا اللبنانية.

وتحدّثت المعلومات في هذا السياق عن اتصال محدّد أجراه الملك عبد الله بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، مع ما يعني ذلك من جدية كبيرة يوليها الملك السعودي لمعالجة الوضع في لبنان، ومع ما يؤكّد هذا أن مفاعيل قمة بيروت الثلاثية لم تظهر سريعاً، لكنها ستبدأ بالظهور تباعاً.

وهنا ترتسم قناعة سياسية بأن مرحلة عنق الزجاجة التي بلغها الوضع اللبناني قبل القمة الثلاثية، يعبر الآن أمتارها الأخيرة نحو الخروج من دائرة الخطر إلى المرحلة التي يعود فيها الانضباط تحت سقف التفاهم الإقليمي ـ الدولي.

لكن تلك القناعة تبني حساباتها على أساس أن هذا الانضباط قد لا يصبح نافذاً من تلقاء نفسه، وبالتالي فإن أي مخرج يمكن التوصل إليه قد يصعب تطبيقه «على البارد»، وربما يحتاج إلى بعض «المقبلات الساخنة» التي تهيئ لتقبّل «وجبة الحلّ» على طبق اعتاد اللبنانيون على مكوناته العديدة و«نكهته الشامية الطاغية».

كل الظروف أصبحت داخلياً مهيأة لصياغة مشروع حلّ مشرّف لكل المعنيين بمأزق المحكمة الدولية، وتبعات قرار اتهامي أول، يشكّل في واقع الأمر أداة سياسية أبعد من لبنان الذي تجري محاولة استخدامه من قبل الولايات المتحدة الأميركية للضغط على الواقع الإقليمي، وتوجيه رسالة إلى إيران قبيل الجلوس إلى طاولة المفاوضات في أيلول المقبل تحت عنوان معلن متعلّق بالملف النووي الإيراني، في حين أنه قد لا يتطرّق إلا عرضاً إلى هذا الملف، لأن الأهم بالنسبة للإدارة الأميركية هو الثمن الذي تريد الحصول عليه في كلٍّ من العراق وأفغانستان.

قبل أشهر كان النقاش حول جدية المحكمة الدولية والقرار الظني وصعوبة القفز فوق الواقع القائم، من المسلمات التي لا تقبل الجدل، لكن ما يدور في أروقة الاتصالات السرّية يؤكد بما لا يقبل الشك أن الولايات المتحدة جاهزة لـ«البيع والشراء» في موضوع المحكمة الدولية، بل إنها هي التي تقدّم العروض في بازار مزايدة انقلب إلى مناقصة، على قاعدة أن «كل معروض مُهان»، وبالتالي فإن قيمته في تناقص مستمر وحاد.

لكن كل ذلك لم يمنع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله من فتح أبواب مشرعة أمام صياغة موضوعية لمخرج من المأزق الذي وُضعت فيه المحكمة الدولية، قبل أن يصدر عن المدعي العام فيها قرار ظني ربّما يستعيد ما كان سائداً في حيثياته من احتمالات، أيام سلف دانيال بيلمار في التحقيق الدولي القاضي البلجيكي سيرج براميرتز الذي يتردّد أنه كان وضع فرضية تورّط إسرائيل في جريمة الاغتيال على الطاولة، وباشر عملية البحث عن المعطيات المرتبطة بهذه الفرضية قبل أن «يضطّر» إلى التنحّي «الطوعي» عن منصبه في نهاية العام 2007، بعد أن كان قد شعر بأنه بات «غير مرغوب فيه» في موقعه كرئيس للجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

والواقع أن السيد نصر الله أعاد الاعتبار لهذه الفرضية التي كان القاضي براميرتز قد وضعها في حساباته، وهو يدرك أن اتهام إسرائيل يحمل الكثير من «المشروعية» التي تريح الشارع اللبناني وجمهور الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إضافة إلى أنها أيضاً تريح الشارع العربي الذي لن «يهضم» بسهولة أي اتهام لحزب الله في جريمة الاغتيال. لكن الأهم بالنسبة للسيد نصر الله أنه لا يغامر بفرضية يمكن أن تصل إلى الحائط المسدود في التحقيقات، بل على العكس، فإنه يملك من المعطيات ما يعزّز هذه الفرضية وينقل النقاش إلى موقع آخر لا يمكن فيه وضع حزب الله في قفص الاتهام ما دامت إسرائيل متّهمة بالجريمة، وما دام «جسمها لبّيساً» في جرائم الاغتيال وإثارة الفتن الطائفية والمذهبية.

نجح السيد نصر الله في امتلاك سلاح المبادرة. ونجح في وضع إسرائيل في قفص الاتهام، ونجح أيضاً في إعادة فرز الشارع اللبناني والعربي على قواعد مختلفة عن تلك التي كانت سائدة على مدى خمس سنوات مضت، خصوصاً أن انتقال الاتهام في المحكمة الدولية من سوريا إلى حزب الله، وكذلك عدم محاسبة شهود الزور، ساهما إلى حدّ بعيد في إضعاف الثقة الشعبية بهذه المحكمة، وعززا أنها خاضعة لإرادة سياسية تدير دفتها.

اختلف المسار، وأبواب المخارج باتت مفتوحة في أكثر من اتجاه، في انتظار أن ينطق رئيس الحكومة سعد الحريري بـ«الكلمة السحرية» التي تحدّد اتجاه البوصلة... وإن كان الانتظار سيطول إلى ما بعد شهر رمضان المبارك.

2010-08-13