ارشيف من :أخبار لبنانية

مقاومة «مزعجة»!

مقاومة «مزعجة»!

واصف عواضة - السفير

نجح الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في وضع «الفرضية الاسرائيلية» على الطاولة، وفي إدراجها على اللائحة الاتهامية للرأي العام وللجنة التحقيق الدولية بعد تجاهلها خمس سنوات وأكثر. ولم يستطع المدعي العام الدولي القاضي دانيال بيلمار تجاهل المعلومات والمعطيات والقرائن (الواهية والبسيطة والسخيفة في رأي اسرائيل وبعض الرؤوس اللبنانية) التي قدمها السيد.

واذا كان من المبكر الحكم على مسار التحقيق وخلاصاته، فإنه لا يمكن الركون الى المستقبل، وان كانت التطورات السالفة الذكر ستضع القضية في الثلاجة الى أجل اطول مما كان متوقعا. هناك حقيقة لا يستطيع إنكارها الصديق ولا العدو، وهي أن ثمة مشروعا كبيرا هدفه القضاء على «حزب الله» ومقاومته «المزعجة» بكل السبل المتاحة. فهي كحركة تحرر، مقاومة مزعجة بكل المقاييس السياسية والعسكرية والأمنية والمعنوية والتعبوية.

كان من المفترض أن تكون المقاومة في لبنان مصدر إزعاج فقط لإسرائيل، الدولة المحتلة الطامعة بأرضها ومياهها، الساعية الى تخريب وطنها ككيان تعددي وكنموذج للعيش المشترك. لكن لائحة المنزعجين منها اتسعت لجديتها وطموحها في بناء منظومة عربية وإسلامية موثوقة تناضل من أجل تحرير هذه الأمة من الاحتلال والتبعية والعقد المزمنة التي أوصلتها الى حضيض الأمم.

لقد شهدت المنطقة العربية نماذج تحررية مشهودة منذ نكبة فلسطين شكلت إزعاجا للقوى الكبرى الطامعة بخيرات هذه المنطقة، كان أبرزها ثورة 23 يوليو في مصر، فالثورة الجزائرية التي احتلت اهتمامات الامة في الخمسينيات، فالثورة الفلسطينية التي انطلقت في أواسط الستينيات، فغيرها من الثورات الصغيرة في غير بلد من الوطن العربي. كان جمال عبد الناصر مزعجا الى ان قدّر الله رحيله باكرا عن هذه الدنيا. وكان احمد بن بللا مزعجا الى اليوم الذي احتضنه «السجن الوطني» على ارض الثورة. وكان ياسر عرفات مزعجا الى اليوم الذي جنحت فيه منظمة التحرير الى لعبة التفاوض، ثم مات الرجل من دون وريث شرعي للمقاومة الفلسطينية، وها هي «حماس» تكافح في قمقم غزة المحاصر بألف عدو وصديق.

كان من المفترض ان تنتهي ثورة حسن نصر الله مع انسحاب اسرائيل من الاراضي اللبنانية العام 2000، فينضوي «حزب الله» مسالما في عرين النظام اللبناني الذي ذاب فيه الكثير من الثوار والمجددين، لكن الرجل آثر ان يظل ثائرا لأن طموحه أوسع من حدود الوطن الصغير الذي لم يتحرر كليا بعد من دنس الاحتلال، وهذا ما أزعج ويزعج الكثيرين، لبنانيين وعربا وأجانب على اختلاف أهدافهم المتفاوتة، بين شهوة الاستئثار بالسلطة والمال والذهب الاسود والمطامع الكبرى ومصالح الدول القابضة على زمام الشعوب والأمم.

هي مقاومة مزعجة تلك التي يقودها حسن نصر الله. تقلق اسرائيل ومن ورائها اميركا. تثير الرأي العام العربي والاسلامي وتبعث مناخا مستجدا لدى هذه الأمة يؤكد أن الهزائم ليست قدرا، وان التنازل ليس خيارا وحيدا. مقاومة تضع لبنان امام واقع ينبذ مقولة القوة في الضعف، ويطرح منطقا جديدا للنظام، ويبني تحالفات بين الطوائف كانت في خانة المستحيل، ويحرض جيشه المسالم على عقيدة قتالية تستدعي دهشة اسرائيل واستغرابها. فهل ثمة إزعاج أكبر من هذا في وجه المشاريع الهابطة على المنطقة برا وبحرا وجوا؟

سيبقى «حزب الله» في دائرة الهدف مهما كان القرار الظني الموعود. وسيبقى حسن نصر الله ورفاقه وأهل المقاومة في دائرة المواجهة بكل اشكالها، حريصين على تفادي الصراع العسكري الذي قد يُفرض عليهم. عندها لا حول ولا قوة الا بالله!

2010-08-13