ارشيف من :أخبار لبنانية

اتفاقية بعيوب فاضحة.. يمكن اعتبارها لاغية

اتفاقية بعيوب فاضحة.. يمكن اعتبارها لاغية

عدنان عضوم - السفير

بعدما وجه الأمين العام للأمم المتحدة رسالة إلى الحكومة اللبنانية أرفق بها الصيغة النهائية لمشروع الاتفاقية ومشروع نظام المحكمة الأساسي... حدثت أمور بالغة الأهمية، تقع في باب المخالفة القانونية والدستورية... فلم تقبل ملاحظات رئيس الجمهورية، وأصرت الحكومة على الإبرام، ما أدى إلى استقالة الوزراء الشيعة ووزير أرثوذكسي... ومن هنا نستكمل متابعة القاضي عدنان عضوم لقراءته الهادئة:

وأصبحت هذه الحكومة بالتالي غير قادرة دستورياً وقانوناً لاتخاذ أي قرار بأهمية قرار إبرام اتفاقية دولية. وأبلغ رئيس الجمهورية رئيس الحكومة بأن حكومته أصبحت فاقدة للشرعية والدستورية وغير مؤهلة لاتخاذ قرار بالموافقة على مثل هذه المعاهدات الدولية التي تعتبر من المواضيع الأساسية والمهمة. ورغم ذلك، قررت هذه الحكومة في جلستها المنعقدة بتاريخ 13/11/2006 وبغياب الوزراء الستة المستقيلين الموافقة على مشروعي الاتفاق ونظام المحكمة الأساسي، وتم إبلاغ الأمين العام بذلك في اليوم نفسه.
 
وبتاريخ 14/11/2006، أبلغ رئيس الجمهورية رسالة إلى الأمين العام تتضمن شرحاً لوضع الحكومة غير الدستوري وللمخالفات الدستورية التي ارتكبتها هذه الحكومة، وأعلمه بأن القرار بالموافقة على مشاريع وثائق الاتفاق الدولي لا تلزم الدولة اللبنانية، وأرفق بكتابه ملاحظاته القانونية على المشاريع المذكورة. وبتاريخ 15/11/2006، رفع الأمين العام تقريره برقم S/2006/893 حول إنشاء المحكمة الخاصة للبنان إلى مجلس الأمن وضم إليه رسالة الحكومة اللبنانية بالموافقة على مشاريع وثائق الاتفاقية ورسالة رئيس الجمهورية المشار إليها أعلاه مع مرفقاتها. جرت المناقشة في مجلس الأمن الذي اطلع على كافة وثائق الملف، فوجَّه رئيس المجلس بتاريخ 21/11/2006 كتاباً إلى الأمين العام بلَّغه فيه بترحيب أعضاء المجلس بالاتفاقية التي توصلت إليها الأمم المتحدة مع الحكومة اللبنانية ونظام المحكمة الأساسي، ودعاه إلى الشروع مع حكومة لبنان وطبقاً للدستور اللبناني بالخطوات النهائية لعقد الاتفاق. وفي هذا السياق، كان وكيل الأمين العام للشؤون القانونية السيد نيقولا ميشال قد أدلى أمام مجلس الأمن في جلسة المشاورات التي عقدت في 20/11/2006 بأن قرار الحكومة الذي اتخذته يوم الإثنين في 13/11/2006 بدعم مشروع الاتفاق ومشروع النظام الأساسي يمثل أهمية سياسية كبيرة، لكنه لا يشكل خطوة رسمية في الإجراء المتعلق بإبرام المعاهدة، ولذلك لا تعتبر الجمهورية اللبنانية في هذه المرحلة مُلزَمة قانوناً على الصعيد الدولي لمجرد اتخاذ حكومتها هذا القرار، ولن يتسنى لها ذلك إلا من خلال الإجراء الدستوري عندما يتم التصديق على المعاهدة. كما قال إن العملية الدستورية اللبنانية الهادفة إلى إبرام الاتفاق مع الأمم المتحدة لم تكتمل ولا تزال هذه العملية بحاجة إلى اتخاذ خطوات مهمة لا سيما فيما يخص منح الحكومة لموافقتها الرسمية على الاتفاق وهي خطوة تمهيدية ضرورية للتوقيع على المعاهدة وتقديمها إلى البرلمان ليقرها، وأخيراً لعملية التصديق نفسها.

ويُفهم من هذه المداخلة، أن الأمم المتحدة على علم بأنه لكي يكون الإجراء المتعلق بموافقة الحكومة على الاتفاق رسمياً، أي دستورياً، يجب أن يسبقه إبرام هذا الاتفاق من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بالاتفاق وفقاً للأصول الدستورية. ولذلك، اعتبرت أن قرار الموافقة الصادر عن مجلس الوزراء في 13/11/2006 غير رسمي.

إلا أن رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية الدستورية وبدلاً من الإصغاء إلى توجيهات رئيس مجلس الأمن الواردة في رسالته المشار إليها أعلاه وسلوك الطرق الدستورية لعقد المعاهدة مع الأمم المتحدة، أي الاتفاق مع رئيس الجمهورية على بنود مشروع المعاهدة لإبرامه سوياً كما تقضي بذلك المادة 52 من الدستور، وبالتالي تصحيح المخالفات والانتهاكات الدستورية المرتكبة سابقاً، دعا إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء بتاريخ 25/11/2006 وبغياب الوزراء المستقيلين ومقاطعة رئيس الجمهورية لعدم شرعية الحكومة، عرض فيها على المجلس المعاهدة لإبرامها من دون أن يسبق ذلك توقيعها وإبرامها من قبل رئيس الجمهورية وفقاً للمادة 52 من الدستور، وفوَّض وزير العدل أو من يكلِّفه، ورغم عدم قانونية هذا الإجراء، التوقيع على هذه المعاهدة بعد أن ردَّ رئيس الجمهورية قرارها الأول لعدم شرعيته وعدم دستورية الحكومة ومخالفته أحكام المادتين 52 و 53 من الدستور اللبناني. وتابع رئيس الحكومة انتهاك الدستور، فأرسل إلى مجلس النواب مشروع القانون للإجازة للحكومة بإبرام الاتفاقية مع الأمم المتحدة مخالفاً أحكام المادة 53 من الدستور التي تنص على أن إحالة مشاريع القوانين التي ترفع من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب هي من صلاحيات ومهام رئيس الجمهورية حصرياً، ولذا رفض رئيس مجلس النواب استلام هذه الإحالة لمخالفتها الأصول الدستورية.

بناءً على ما تقدم، يتبيَّن أن رئيس الحكومة وحكومته الفاقدة للشرعية الدستورية ارتكبوا عمداً المخالفات الدستورية واحدة تلو الأخرى في كافة مراحل الإجراءات الدستورية للتفاوض وإبرام المعاهدة الدولية.

باء: مناقشة مقدمة القرار رقم 1757/2007 لجهة التحوير في الوقائع، والمخالفات القانونية الواردة فيها

-1- ورد في الفقرة الثالثة من مقدمة القرار أن المجلس يكرِّر تأكيد دعوته إلى الاحترام الصارم لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية واستقلاله السياسي تحت السلطة الوحيدة والحصرية لحكومة لبنان، في حين أن مجلس الأمن وبموجب هذا القرار قد انتهك سيادة لبنان وتدخل في شؤونه الداخلية وانحاز إلى الفريق المُمثَّل في الحكومة بحجة أنها منتخبة ديموقراطياً، رغم أنه حسب الدستور اللبناني ليست كذلك، لأن الحكومة لا تُنتخب، بل تُعيَّن بموجب مراسيم موقعة من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بعد استشارات نيابية، ورغم كونها أصبحت فاقدة للشرعية وللدستورية وغير ميثاقية بعد استقالة جميع الوزراء الذين يمثلون الطائفة الشيعية فيها. كما وأن هذا القرار سينال من سيادة لبنان ولن يؤمن استقراره وسلامته كما سبق وبيَّنا في القسم الأول من هذه الدراسة، والأخطر في هذه الفقرة هو أن مجلس الأمن اعتبر أن هذه الحكومة هي السلطة الحصرية الوحيدة للبنان، في حين أن مقدمة الدستور اللبناني تنص على أن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية والمتمثلة في الدستور برئيس الجمهورية ومجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء، ويكون مجلس الأمن بالتالي قد انتهك الدستور اللبناني ومسَّ ركائزه لأهداف غير مفهومة ومقلقة لقسم كبير من اللبنانيين.

-2- ورد في الفقرة السادسة من مقدمة القرار رقم 1757/2007 أن الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان قد وقعته الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة على التوالي في 23 كانون الثاني و 6 شباط 2007، إن هذا الإبرام المزعوم للاتفاقية غير قانوني ويخالف الأصول الدستورية لأن رئيس الجمهورية لم يُبرم هذه المعاهدة بالاتفاق مع رئيس الحكومة قبل عرضها على مجلس الوزراء للإبرام، كما تقضي بذلك المادة 52 من الدستور اللبناني كما سبق وبيَّنا أعلاه. وإن توقيع مجلس الوزراء على الاتفاق هو في غير محله القانوني ويشكل مخالفة دستورية، ويقتضي اعتبار ما ورد في هذه الفقرة السادسة مشوب بالعيب والغلط.

-3- وتعليقاً على ما ورد في الفقرة السابعة من مقدمة القرار رقم 1757/2007 والتي جاء فيها أن الأغلبية النيابية أعربت عن تأييدها للمحكمة وأن مجلس الأمن أدرك ما يطالب به الشعب اللبناني لتحديد هوية جميع المسؤولين عن التفجير الإرهابي وتقديمهم للمحاكمة، نبدي ما يلي:

- إن الغالبية النيابية كانت قد أرسلت عريضة إلى مجلس الأمن في 3/4/2007 تضمنت سرداً مغلوطاً للمحطات والقرارات التي شهدتها قضية إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، وذلك لتغطية المخالفات الدستورية التي ارتكبتها الحكومة ورئيسها في الإجراءات التي تم فيها التفاوض لوضع مشروع الاتفاق والموافقة عليه وإحالته على مجلس النواب، ولتغطية وضع الحكومة الفاقدة للشرعية وغير الدستورية زعمت هذه الغالبية أن رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب وضعت عراقيل في وجه إبرامها، في حين أن الحكومة هي المسؤولة عن عدم إيصال المعاهدة إلى المجلس النيابي بالطرق الدستورية والقانونية الصحيحة، ونود فقط الإشارة هنا إلى أن الغالبية النيابية اعتبرت في هذه الرسالة أن رئيس الجمهورية، الذي مُدِّدت ولايته خلافاً للقرار 1559، يستمر في محاولته تعطيل الصلاحيات الدستورية لحكومة لبنان الشرعية، طاعنة بالتالي بشرعية رئيس الجمهورية، في حين أن هذا الرئيس نفسه هو الذي وقَّع المرسوم بدعوة الهيئات الانتخابية لانتخاب هذه الغالبية البرلمانية، كما وقَّع مرسوم تسمية رئيس الوزراء ومرسوم تشكيل الحكومة، ألا يؤدي هذا الطعن بشرعية رئيس الجمهورية إلى بطلان كافة الأعمال الدستورية التي قام بها، ومنها إعلان عدم شرعية انتخاب هذه الغالبية وعدم شرعية تعيين رئيس الحكومة والحكومة، وبالتالي بطلان المعاهدة الموقعة من الحكومة اللبنانية التي أخذ بها مجلس الأمن؟

- أما من الناحية الدستورية والقانونية فإنه لا قيمة لهذه الرسالة الصادرة عن سبعين نائباً باعتبارها صادرة عن سلطة لا صلة لها بالموضوع المطروح، بحيث أن رئيس الجمهورية هو صاحب الصلاحية للتفاوض مع الجهات الخارجية وفقاً لنص المادة 52 من الدستور، إضافة إلى أن العلاقة في الأساس مع الأمم المتحدة هي من اختصاص السلطة الإجرائية وإن صلاحية مجلس النواب تُختَصر فقط على الإجازة للحكومة بإبرام الاتفاقية بعد أن تكون قد إستنفذت كافة المراحل الدستورية السابقة المحددة في المادة 52 من الدستور، وإن هذه الصلاحية تمارس من قبل مجلس النواب مجتمعاً وفقاً للأصول القانونية التي ترعى هذه المؤسسة المنصوص عليها في نظامها، ولا قيمة قانونية ودستورية بالتالي للعريضة التي رُفعت إلى الأمم المتحدة خارج إطار العمل المؤسساتي لمجلس النواب.

جيم: مناقشة بنود القسم التنفيذي من القرار رقم 1757/2007 وآثارها القانونية

-1- ورد في الفقرة -1- (أ) من القرار 1757/2007 أن مجلس الأمن يتصرَّف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويقرِّر أنه يبدأ سريان أحكام الوثيقة المرفقة المتعلقة بإنشاء محكمة خاصة بلبنان وهي الاتفاقية الدولية الثنائية بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة التي لم تُبرم ولم تُصدَّق وفقاً للأصول الدستورية بما في ذلك الضميمة الملحقة بها وهي النظام الأساسي للمحكمة الملحق بهذه الاتفاقية وذلك اعتباراً من 10 حزيران 2007 ما لم تُقدِّم حكومة لبنان قبل ذلك التاريخ إخطاراً بموجب المادة 19 (1) من الوثيقة المرفقة،

تعليقاً على مضمون هذه الفقرة من البند (أ)، نبدي ما يلي:

بتاريخ 10 حزيران 2007 وبما أن الحكومة اللبنانية لم تخطر الأمم المتحدة باكتمال الشروط القانونية لبدء نفاذ الاتفاقية وذلك بالتصديق عليها وفقاً للدستور اللبناني، بدأ سريان أحكام هذه الاتفاقية الدولية الثنائية الموقعة من كل من الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة كذا... والتي تنص على إنشاء محكمة خاصة تعمل وفقاً للنظام الأساسي المرفق بها والذي يُعتبر جزءاً لا يتجزأ منها، مما يعني أن هذه الاتفاقية وضميمتها أصبحت ملزمة للدولة اللبنانية بالرغم من عدم تصديقها كما يقضي بذلك الدستور اللبناني.

إن غالبية الفقه والاجتهاد في القانون الدولي ترى أن عدم اتباع الإجراءات الدستورية في التصديق على المعاهدة الدولية يؤدي إلى بطلانها قانوناً، ويستند هذا الرأي إلى فكرة الاختصاص التي تقضي بعدم تولُّد أي أثر قانوني إلا من العمل الذي يقوم به المختص بإجرائه، وغالبية الدول تتَّخذه مبدأً عاماً فتنص عليه في دساتيرها كما هي الحال في الدستور اللبناني، وتَعتبر أن المعاهدات لا تُصبح نافذة ومُلزمة إلا إذا وافقت عليها السلطة الدستورية المختصة للتصديق، ونشير إلى المادة 46 من اتفاقية فيينا لسنة 1969 حول المعاهدات التي تنص على أنه إذا وافقت دولة على عقد معاهدة دولية خلافاً للقانون الداخلي من قبل سلطة غير صالحة لإعطاء الموافقة لا يحق لهذه الدولة التذرع بهذه المخالفة إلا إذا كانت فاضحة أو تتعلق بقاعدة أساسية من قواعد هذا القانون.

بناءً عليه، فإن انتهاك أحكام الدستور في إجراء التوقيع على المعاهدة بإنشاء المحكمة الخاصة من قبل الحكومة الفاقدة للشرعية وعدم توقيعها وتصديقها من السلطات الدستورية المختصة وفقاً للأصول يؤدي إلى بطلان هذه المعاهدة قانوناً وفقاً لمبادئ القانون الدولي، وإن بطلان العقد يعني انعدامه «Inexistence» بسبب وجود عيب في ركن من أركانه تطبيقاً للمبادئ القانونية العامة التي ترعى مصادر الالتزام.

فلا يجوز بالتالي لمجلس الأمن أن يعتمد هذه الاتفاقية الباطلة قانوناً ويضعها حيِّز التنفيذ إلزامياً لتكون الأساس القانوني لإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان ونظامها الأساسي الذي حدَّد اختصاصها القضائي والقانون الواجب التطبيق وتنظيم عمل المحكمة وتعيين القضاة، إلخ.. كما أن هذا المجلس الذي تجاوز السلطات الدستورية اللبنانية المختصة للتصديق على الاتفاقية وحلَّ مكانها قد خالف مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وخاصة مبدأ احترام السيادة الوطنية اللبنانية.

إذا أراد مجلس الأمن أن يُنشئ محكمة دولية بموجب الفصل السابع لمحاكمة المسؤولين عن اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه فما عليه إلا أن يُنشئ محكمة دولية محضة بحيث له الحق بأن يصوغ بنودها كيفما يشاء، لا أن يعتمد اتفاقية تعتريها عيوب فاضحة تؤدي إلى اعتبارها لاغية وغير قانونية.

-2- تنص الفقرة «ب» من البند (1) من القرار 1757/2007 أنه إذا أُبلغ الأمين العام أن اتفاق المقر لم يُبرم على النحو المتوخّى في المادة 8 من الوثيقة المرفقة، فإنه يحدد موقع مقر المحكمة بالتشاور مع الحكومة اللبنانية، ويكون ذلك رهناً بإبرام اتفاق مقر بين الأمم المتحدة والدولة التي تستضيف المحكمة. إن مجلس الأمن أدخل بموجب هذه الفقرة تعديلاً على المادة 8 من الاتفاقية الثنائية من طرف الأمم المتحدة من دون موافقة الدولة اللبنانية، بحيث أنه إذا لم تتمكن الدولة اللبنانية من التوصل إلى إبرام اتفاق مقر مع الأمم المتحدة والدولة المضيفة للمحكمة، يقوم الأمين العام بتحديد هذا المقر بالتشاور مع الحكومة اللبنانية كذا...، ويبرم اتفاق مقر مع الدولة المضيفة، وهذا يعني أن مجلس الأمن لم يلتزم ببنود الاتفاقية التي وقعتها الأمم المتحدة مع الحكومة اللبنانية كذا... فعدَّل بعضها في قراره 1757/2007 ويمكنه أن يعدِّل بنوداً أخرى بالإنفراد بقرارات أخرى متى يشاء، مع الإشارة إلى أن رأي الحكومة اللبنانية كذا... في تعيين المقر هو استشاري ولا يُلزم الأمين العام.

على ضوء ذلك، وإذا كانت الاتفاقية هي فعلاً شرعة المتعاقدين، فإن الأمم المتحدة تخالف هذا المبدأ، عندما تعدِّل بالانفراد بعض بنود هذه الاتفاقية بموجب قرار إلزامي للفريق الآخر.

-3- تنص الفقرة «ج» من البند (1) من القرار 1757/2007 أنه إذا أُبلغ الأمين العام عن عدم كفاية مساهمات الحكومة اللبنانية لتحمل النفقات المبينة في المادة (5) ب من الوثيقة المرفقة (أي 49% من نفقات المحكمة) فإنه يجوز له قبول تبرعات من الدول الأعضاء لتغطية أي نقص.

وتعليقاً على هذا الموضوع، نبدي ما يلي:

إن المادة (5) ب من الاتفاقية الثنائية نصَّت على أن الدولة اللبنانية تتحمل 49% من نفقات المحكمة أما الباقي أي 51% فيُغطّى من تبرعات الدول الأعضاء، وقد عُدِّلت هذه المادة بموجب الفقرة (ج) المذكورة أعلاه، بحيث لم تعد الدولة اللبنانية ملزمة بحصتها بالنفقات. إن هذا التعديل يؤدي إلى اعتماد آلية لتمويل المحكمة تعتمد بصورة أساسية على تبرعات ومساهمات طوعية من الدول الأطراف، وهذا يجعل آلية تمويل المحكمة غير مأمونة وغير مستمرة وتشكل خطراً على استقلاليتها وحسن سير عملها، وإبعادها عن تدخل الدول المانحة لغايات سياسية، وقد أبدى الأمين العام رأياً حول هذا الموضوع في تقريره S/2006/983 بخصوص إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان بالقول إن الاشتراكات المنتظمة التي تقدِّمها الدول الأعضاء لتمويل المحكمة هي الآلية السليمة والمستديمة بعكس الآلية التي تعتمد بصورة أساسية على التبرعات. ألم يكن من الأجدى والأسلم لحسن سير العدالة أن يتم تمويل نفقات المحكمة من ميزانية الأمم المتحدة العادية وفقاً لأحكام المادة 17 من ميثاق الأمم المتحدة، خاصة أن إنشاء المحكمة تم بموجب الفصل السابع؟

-4- ورد في البند (3) من القرار 1757/2007 أن الأمين العام يتخذ بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية عند الاقتضاء الإجراءات والتدابير اللازمة لإنشاء المحكمة الخاصة. إن وثائق الاتفاقية ونظام المحكمة الأساسي الموقعة بين الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية كذا... تتضمن عدة بنود تُلزم هذه الحكومة باتخاذ قرارات تتناول إجراءات معيَّنة، كتقديم لائحة القضاة الوطنيين المرشحين، وتعيين نائب مدعي عام، وإبرام اتفاق مقر المحكمة، والحصول على موافقة مجلس النواب لتمويل المحكمة، وإنشاء مكتب للمحكمة الخاصة، وتنفيذ تعهدها بعدم إصدار عفو بحق أي شخص يرتكب أي جريمة تدخل ضمن اختصاص المحكمة الخاصة. إلا أنه وفي ظل الخلافات التي كانت قائمة آنذاك بين بعض المؤسسات الدستورية اللبنانية وعدم اعتراف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب بشرعية هذه الحكومة في حينه، تَظهر عقبات قانونية ودستورية تحول دون تنفيذ هذه الالتزامات التي تقع على عاتق الحكومة اللبنانية كذا... فكيف سيتم تذليل هذه العقبات؟ هل سيحل مجلس الأمن مكان هذه الحكومة للقيام بهذه الإجراءات تحت غطاء الفصل السابع كما فعل فيما يتعلق بإجراء إبرام الاتفاقية الثنائية؟ وفي حال حصول هذا الأمر ألا يشكل هذا التصرف انتقاصاً وانتهاكاً فاضحاً للسيادة اللبنانية؟ أم أن مجلس الأمن سيتخذ بحق هذه الحكومة أحد التدابير القسرية Mesures Coercitives المنصوص عليها في المادتين 41 و 42 من الفصل السابع لعلَّة عدم تنفيذها أحد بنود القرار 1757/2007؟

للبحث تتمة

2010-08-13