ارشيف من :أخبار لبنانية
أحكام تتعارض مع أحكام الدستور اللبناني
عدنان عضوم - صحيفة السفير
العقبات القانونية التي تحول دون امكانية وضع هذه المحكمة بصيغتها الاتفاقية ونظامها الاساسي الملحق بها حيِّز التنفيذ بموجب الفصل السابع
الف ـ الظروف المادية والمبرِّرات القانونية لقرار مجلس الامن 1664/2006 بانشاء محكمة ذات طابع دولي في قضية اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه بموجب اتفاق ثنائي مع الامم المتحدة وليس بموجب الفصل السابع ان قرارات مجلس الامن المتعلقة بأعمال لجنة التحقيق المستقلة التي انشئت بموجب القرار 1595/2005 للتحقيق في العمل الارهابي الذي اودى بحياة الرئيس الحريري ورفاقه في 14 شباط 2005 تضمَّنت الاشادة بعمل السلطات اللبنانية القضائية والامنية والتفاعل الوثيق بينها وبين لجنة التحقيق المذكورة، وكان هذا المجلس يؤكد دائما في هذه القرارات على احترام سيادة الدولة اللبنانية واستقلالها ووحدة اراضيها، ودعوة متكررة للحكومة اللبنانية لأن تُقدِّم الى العدالة مرتكبي التفجير الارهابي الذي حدث في 14 شباط 2005 ومنظميه ومموليه، وان تكفل مراعاة نتائج واستنتاجات تحقيقات اللجنة المستقلة الدولية.
وان هذه المواقف والدعوات تؤكد اقرارا من قبل مجلس الامن بان الدولة اللبنانية تتمتع بالسيادة الوطنية الكاملة ويمكنها بواسطة اجهزتها القضائية والامنية ممارسة هذه السيادة من خلال مؤسساتها، ومحاكمة المسؤولين عن التفجير الارهابي الذي ادى الى اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه والتفجيرات الاخرى التي حصلت في ما بعد.
الا ان الحكومة اللبنانية المؤتمنة على السيادة الوطنية والمكلفة بممارستها ابدت عجزها عن محاكمة المسؤولين عن اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه من قبل قضاتها الوطنيين، فطلبت مساعدة دولية من مجلس الامن لانشاء محكمة ذات طابع دولي لهذا الغرض. وقد وافق مجلس الامن في قراره الرقم 1664/2006 على ذلك، وحدَّد طبيعة المحكمة التي سيتم التفاوض على انشائها بين الامم المتحدة والحكومة اللبنانية، وهي محكمة ذات طابع دولي، وقد استند في ذلك الى توصيات الامين العام الواردة في تقريره بنتيجة مشاوراته مع السلطات اللبنانية، حيث اشار الى ان انشاء محكمة دولية محضة سيلغي المسؤولية اللبنانية عن اقامة العدالة في ما يختص بجريمة وطنية سياسية فردية مسَّت لبنان اساسا وبدرجة كبيرة، وان محكمة مختلطة ستحقق افضل توازن بين الحاجة الى المشاركة اللبنانية والحاجة الى المشاركة الدولية في عمل المحكمة. وهذا الخيار يؤكد قدرة السلطة اللبنانية بكامل اجهزتها الامنية والادارية والقضائية وبمساعدة دولية على ممارسة واجباتها في اقامة العدالة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والقضايا الاخرى المتلازمة معها.
بناءً عليه، ان ظروف واسباب انشاء المحكمة ذات الطابع الدولي المختلطة المشار اليها اعلاه تُثبت بصورة لا تقبل الجدل او الالتباس انها تختلف كل الاختلاف عن الظروف والاسباب التي رافقت انشاء المحاكم الجنائية الدولية ليوغوسلافيا سابقا ولرواندا بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، بحيث ان هاتين المحكمتين انشئتا بموجب الفصل السابع بعد ان ثَبُتَ لمجلس الامن انه نظرا لحالة الاقتتال والحرب وانهيار وتفكك السلطة الوطنية في الدول المعنية بكافة مكوناتها السياسية والادارية والامنية والقضائية، اضحت هذه الدول المنقوصة السيادة عاجزة عن تحمل مسؤولية ملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والابادة والتطهير العرقي التي ارتُكبت في هذه الدول والتي تشكِّل انتهاكا خطيرا وواسعا للقانون الانساني الدولي وتُهدِّد بالتالي الامن والسلام الدوليين.
باء: الاختلاف بين خصائص المحاكم الجنائية الدولية المنشأة بموجب الفصل السابع وخصائص المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة للبنان.
ـ 1 ـ ان المحاكم الجنائية الدولية ليوغوسلافيا سابقا ولرواندا التي انشئت بموجب الفصل السابع شمل اختصاصها المكاني (الاقليمي) جرائم ارتُكبَت على اراضي عدة دول: رواندا والدول المجاورة لها بالنسبة لمحكمة رواندا، والجمهوريات التي نتجت عن تفكك جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية بالنسبة لمحكمة يوغوسلافيا سابقا.
اما بالنسبة للمحكمة الخاصة بلبنان، فان اختصاصها يتناول جرائم ارتكبت على اراضي دولة واحدة وهي الدولة اللبنانية.
ـ 2 ـ ان الاختصاص الموضوعي للمحاكم الدولية المنشأة بموجب الفصل السابع هو النظر في الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وجرائم الابادة التي ارتُكبت من قبل القوات المسلحة النظامية وغير النظامية المتقاتلة في الحرب الدائرة في الدول المعنية. وهذه الجرائم هي جرائم دولية تشكل انتهاكات للقانون الانساني الدولي المنصوص عنه في الاتفاقيات الدولية، اما التفجير الارهابي الذي ادى الى مقتل الرئيس الحريري ورفاقه والاعمال الارهابية الاخرى المتلازمة معه كما هو محدَّد في الاتفاقية بإنشاء المحكمة فهي وفقا للتوصيف المتكرر في قرارات مجلس الامن التي صدرت بخصوص هذه القضية، جرائم ارهابية وليست بالتالي جرائم ضد الانسانية او جرائم حرب او ابادة. وقد تأكد ذلك في تقرير الامين العام للامم المتحدة المرفوع الى مجلس الامن الرقم S/20096/893 تاريخ 15/11/2006 حيث استَبعَد الجرائم ضد الانسانية عن اختصاص المحكمة، واعتَمدَت فقط جرائم القانون العام المنصوص عليها في قانون العقوبات اللبناني، فضلا عن ان العناصر الجرمية المحددة لتلك الجرائم غير متوفرة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه والجرائم الاخرى المتلازمة معها والتي يقتضي توصيفها بجريمة وطنية فردية سياسية تمت بواسطة التفجير الارهابي.
ـ3 ـ ان القانون الذي طبَّقته المحاكم الدولية الجنائية المنشأة بموجب الفصل السابع هو القانون الانساني الدولي (احكام الاتفاقيات الدولية المتعلقة بجرائم الحرب والابادة والجرائم ضد الانسانية ومبادئ القانون الدولي العرفي بهذا الخصوص)، وهذا القانون يعرِّف هذه الجرائم ويجرِّم ويعاقب مرتكبيها.
امّا في ما يتعلق بالجريمة الارهابية التي اودت بحياة الرئيس الحريري ورفاقه، فانه ليس هناك لتاريخه تعريف متفق عليه في القانون الدولي لجريمة الارهاب، او عقاب معين لها، وليس هناك سابقة ان نظرت محكمة دولية بجريمة وُصفت بانها عمل ارهابي، سواء كانت تناولت فردا او جماعة، كما انه ليس هناك قرارات سابقة لمحاكم دولية فصلت بمثل هكذا جرائم يُمكن العودة اليها «Precedents»، لذلك فان القانون اللبناني في مواده المتعلقة بجريمة الارهاب (المواد 314 وما يليها مع تعديلاتها) هو القانون الواجب التطبيق على هذه الجريمة، وهذا ما تبناه مشروع نظام المحكمة الخاصة بلبنان في مادته الثانية.
جيم: تعارض احكام نظام المحكمة الاساسي الخاصة للبنان مع الاحكام التي ترعى اصولا نظام المحكمة الدولية المنشأة بموجب الفصل السابع
تتضمن الاتفاقية الثنائية لانشاء المحكمة الخاصة للبنان والضميمة الملحقة بها (اي نظام هذه المحكمة الاساسي) التي تعتبر جزءا لا يتجزا منها احكاما ترعى تكوين هذه المحكمة وتعيين قضاتها وكيفية عملها والية التمويل والقانون الواجب التطبيق الخ... وسنبيِّن في ما يلي ان هذه الاحكام تتعارض مع الاحكام التي طُبِّقت سابقا في نظام عمل المحاكم الجنائية الدولية المنشأة بموجب الفصل السابع (يوغوسلافيا سابقا ورواندا)
ـ 1 ـ الشخصية القانونية المستقلة للمحكمة، تعيين مقرها، آلية تمويلها ومدة ولايتها
ان المحاكم الجنائية الدولية التي انشأها مجلس الامن بقرار بموجب الفصل السابع هي هيئات فرعية للامم المتحدة وفقا لنص المادة 29 من ميثاق الامم المتحدة ولكن ذات صفة قضائية، وهي تخضع لسلطة مجلس الامن. اما المحكمة الخاصة للبنان فالامر مختلف اذ ان لها شخصية معنوية تتمتع بالاهلية القانونية اللازمة للتعاقد وحيازة الممتلكات والتصرف بها وعقد اتفاقات مع دول اخرى (المادة السابعة من الاتفاق) وهي بالتالي ليست هيئة فرعية للامم المتحدة ولا تخضع لسلطة مجلس الامن.
ان مجلس الامن عيَّن مقر المحاكم الجنائية الدولية المنشأة في القرار ذاته الذي تم بموجبه انشاء المحكمة الدولية تحت الفصل السابع دون عقد اتفاقية بين الامم المتحدة والدولة المعنية والدولة المضيفة. اما بالنسبة للمحكمة الخاصة للبنان فان تحديد المقر رهن باتفاق يعقد في ما بعد بين لبنان والامم المتحدة والدولة المضيفة (المادة الثامنة من الاتفاق)، وفي حال عدم التوصل الى مثل هذا الاتفاق يعين الامين العام هذا المقر بالتشاور مع الحكومة اللبنانية ويعقد اتفاقا بهذا الخصوص مع الدولة المضيفة (البند الاول فقرة «ب» من القرار 1757/2007).
اما في ما يتعلق بآلية التمويل، فإن المحاكم الجنائية الدولية التي انشئت بموجب الفصل السابع قد تم تمويلها من ميزانية الامم المتحدة تطبيقا لاحكام المادة 17 من ميثاق الامم المتحدة باعتبار انها هيئة فرعية للامم المتحدة. اما آلية التمويل للمحكمة الخاصة بلبنان (المادة الخامسة من الاتفاقية) فهي مختلفة تماما اذ ان الحكومة اللبنانية تتحمل 49% من النفقات، اما القسم المتبقي فيُغطى بمساهمات طوعية من الدول الاعضاء وقد تم تعديل هذه الآلية في القرار 1757/2007 بحيث انه في حال حصول نقص في حصة الحكومة اللبنانية ستتم تغطيته بالتبرعات من الدول الاعضاء.
لم تُحدّد مدة زمنية لولاية المحاكم الجنائية الدولية المنشأة بموجب الفصل السابع ويعود بالتالي لمجلس الامن حصرا اتخاذ القرار بانهاء ولاية هذه المحاكم. اما بالنسبة للمحكمة الخاصة للبنان، فالامر مختلف لان ولايتها حُدِّدت بثلاث سنوات قابلة للتجديد لمدة يُحدِّدها الامين العام بالتشاور مع الحكومة ومجلس الامن (امادة 21 من الاتفاق) وهذا التحديد رهن بما تحرزه المحكمة من تَقدُّم في اعمالها.
ـ 2 ـ تعيين القضاة والمدعي العام ونائبه، والحصانات والامتيازات للقضاة والموظفين
ان المحكمة الخاصة للبنان هي محكمة مختلطة مكونة من قضاة لبنانيين وقضاة دوليين يتم تعيينهم وفقا لآلية تختلف عن الآلية المتبعة في المحاكم الجنائية الدولية المنشأة سابقا بموجب الفصل السابع والتي كان كل قضاتها دوليين. نصت الاتفاقية الثنائية لانشاء المحكمة الخاصة للبنان (بالمادتين 2 و 3) ان قرار تعيين المدعي العام الدولي والقضاة الدوليين يعود للامين العام بالانفراد وذلك من لائحة مرشحين تقدِّمها الدول بناءً على توصية فريق اختيار معين من الامين العام وبعد التشاور مع الحكومة اللبنانية. كما ان الامين العام يعين القضاة اللبنانيين من لائحة مرشحين تُقدِّمها الحكومة اللبنانية بناءً لاقتراح مجلس القضاء الاعلى. اما في المحاكم الجنائية الدولية، فان الآلية لتعيين القضاة الدوليين مختلفة تماما بحيث ليس للامين العام الصلاحية في تعيين القضاة كما هي الحال في المحكمة الخاصة للبنان باعتبار ان الجمعية العامة للامم المتحدة هي التي تنتخب القضاة بناءً على لائحة مرشحين يختارهم مجلس الامن من بين المرشحين الذين تقدمهم الدول الاعضاء للمجلس المذكور. اما المدعي العام الدولي فيعينه مجلس الامن بناءً على اقتراح الامين العام.
اما الامتيازات والحصانات التي يتمتع بها القضاة والموظفون في المحاكم الجنائية الدولية فهي المنصوص عليها في المعاهدة المتعلقة بامتيازات وحصانات الامم المتحدة تاريخ 13 شباط 1946، كون المحاكم تعتبر هيئات فرعية للامم المتحدة. اما القضاة والموظفون اللبنانيون والدوليون في المحكمة الخاصة للبنان فانهم يخضعون للامتيازات والحصانات الممنوحة للموظفين الدبلوماسيين بموجب معاهدة فيينا للعلاقة الدبلوماسية لعام 1961.
ـ 3 ـ القانون الجزائي الواجب التطبيق
بما ان اختصاص المحاكم الجنائية الدولية هو محاكمة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة والحرب في يوغوسلافيا ورواندا، فالقانون الذي طُبِّق على هذه الجرائم هو القانون الانساني الدولي، اما القانون الواجب التطبيق من قبل المحكمة الخاصة للبنان فهو قانون العقوبات اللبناني وهو قانون وطني وليس قانونا دوليا لان جريمة الارهاب التي ستنظر فيها المحكمة لم يتم لتاريخه تعريفها وتحديد عناصرها وتجريمها بموجب معاهدة دولية او قانون عرف دولي Droit Coutumier International. كما ان نظام المحكمة الخاصة للبنان اجاز المحاكمة الغيابية بحق المتهم في حين ان نظام المحاكم الجنائية الدولية والمبادئ العامة للعدالة الجنائية الدولية تشترط حضور المتهم امام المحكمة لمحاكمته، وذلك احتراما للشرعة الدولية للحقوق المدنية والسياسية، فكيف سيتم تعاطي الدول الاعضاء عمليا وقانونا مع اجراءات هذه المحكمة الخاصة للبنان؟
ـ 4 ـ التعاون القضائي مع لبنان ومع الدول الاعضاء
نص القرار الرقم 827/1993 القاضي بإنشاء محكمة يوغوسلافيا سابقا (البند الرابع) والقرار الرقم 955/1994 القاضي بإنشاء محكمة رواندا (البند الثاني) والمشار اليهما في القسم الثاني من هذا البحث والصادران بموجب الفصل السابع، على ان مجلس الامن يُقرِّر ان تُقدِّم كل الدول تعاونها الكامل الى المحكمة واعضائها طبقا لهذا القرار وللنظام الاساسي للمحكمة الدولية، وان تتخذ كل التدابير الضرورية وفقا لقانونها الداخلي لتضع موضع التنفيذ احكام هذا القرار بما فيه الالزامات الواقعة على الدول، وبان تستجيب لطلبات المساعدة وللاوامر الصادرة عن محكمة الدرجة الاولى طبقا للمادة 29 من نظام محكمة يوغوسلافيا و28 من نظام محكمة رواندا.
اما القرار 1757/2007 المتعلق بانشاء المحكمة الخاصة للبنان بموجب الفصل السابع فلا يتضمن اي اشارة الى مثل هكذا الزامات وتدابير وتعاون لتنفيذه من قبل الدول الاعضاء. وقد نصت المادة الخامسة عشر من الاتفاقية الثنائية لانشاء المحكمة الخاصة للبنان على احكام تُلزم فقط وبالتحديد الحكومة اللبنانية بالتعاون مع اجهزة المحكمة الخاصة وتستجيب لطلبات المساعدة دون تأخير لا مبرر له. وهذا الامر يطرح تساؤلات عن مدى الزامية القرار 1757/2007 بالنسبة للدول الاعضاء غير الدولة اللبنانية.
العقبات الدستورية التي تعترض بدء نفاذ الاتفاقية وتكوين المحكمة ومباشرة أعمالها
ان الاتفاقية الثنائية الموقعة من الحكومة اللبنانية والامم المتحدة لانشاء محكمة خاصة والنظام الاساسي المرفق بها والذي يعتبر جزءا لا يتجزا منها، يتضمنان احكاما تتعارض مع احكام الدستور اللبناني في عدة مواضيع وهي التالية:
ـ ان انشاء المحكمة الجنائية الخاصة سيولي السلطة القضائية لمحكمة غير لبنانية وهذا يمس بالسيادة الوطنية ويتعارض مع احكام المادة 20 من الدستور اللبناني التي تنص على ان السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصها ضمن نظام يضعه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة.
ـ انه بموجب احكام الاتفاقية والنظام الاساسي لا يُقبل العفو العام والعفو الخاص لدى هذه المحكمة، في حين ان لرئيس الجمهورية وفقا للدستور حق منح العفو الخاص، كما ولمجلس النواب حق تشريع قانون عفو عام، وان الغاء هذا الحق الدستوري بموجب الاتفاقية الثنائية يتعارض مع احكام الدستور.
ـ وفقا لمعايير العدالة الجنائية الدولية المكرسة في النظام الاساسي لا تطبق عقوبة الاعدام والاشغال الشاقة ما يؤدي الى استفادة الذين يحاكمون امام هذه المحكمة بعدم التعرض لهذه العقوبة دون غيرهم من الاشخاص المتهمين بارتكاب جرائم مماثلة والذين يحاكمون لدى القضاء اللبناني، وهذا يشكل مخالفة لمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والموجبات المنصوص عنه في المادة السابعة من الدستور.
على ضوء ذلك، كان يجب على الحكومة اللبنانية قبل عمليتي التوقيع وابرام الاتفاقية الدولية التي لم تُراع فيها الاصول الدستورية، اتخاذ الخطوات القانونية اللازمة لاجراء تعديل دستوري وفقا للمواد 76، 78 و 79 من الدستور، والذي يستلزم موافقة اغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب على قانون التعديل، بحيث يتم الاعتراف بقضاء المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي الى جانب القضاء اللبناني. وهذا ما حصل في فرنسا قبل انضمامها الى اتفاقية روما لانشاء المحكمة الجنائية الدولية، بحيث اجري تعديل دستوري باضافة مادة على الدستور الفرنسي، تُجيز للجمهورية الفرنسية الاعتراف بقضاء المحكمة الجنائية الدولية، وفقا لشروط الاتفاقية. كما يجب عليها وضع مشروع قانون لالغاء عقوبة الاعدام والاشغال الشاقة الواردة في قانون العقوبات الذي ستطبقه المحكمة الخاصة، وعرضه على مجلس النواب للاقرار وفقا للاصول الدستورية، او على الاقل قيام هذه الحكومة وقبل اعتبار هذه الاتفاقية نافذة باجراء التعديلات المشار اليها اعلاه، حتى لا يكون تطبيق هذه الاتفاقية مشوبا بعيوب دستورية فادحة تؤدي الى افقادها قيمتها القانونية والتنفيذية.
خلاصة
بناءً على ما تقدم، ان وضع الاتفاقية الثنائية بانشاء المحكمة الخاصة بلبنان مع نظامها الاساسي المرفق بالاتفاقية حيِّز التنفيذ بموجب الفصل السابع يتعارض مع صفة هذه المحكمة القانونية، فهي محكمة مختلطة لبنانية دولية (ذات طابع دولي كما وصفها قرار مجلس الامن رقم 1664/2006) ستنظر في جريمة ارهابية وطنية محلية وغير دولية وتُطبق القوانين الجزائية اللبنانية، وهي مُكوَّنة من قضاة لبنانيين ودوليين، ولها شخصية قانونية مستقلة وليست هيئة فرعية للامم المتحدة، فلا يمكن بالتالي حتى لو وضع مجلس الامن الاتفاقية بانشاء المحكمة الخاصة موضع التنفيذ بموجب الفصل السابع، فانه لكونها محكمة مختلطة لا يمكن ان تمارس مهامها الا بموافقة الدولة اللبنانية، وذلك بالتصديق وابرام الاتفاقية الثنائية مع ضميمتها بحسب الاصول الدستورية وبعد اجراء التعديلات الدستورية اللازمة وسن القوانين اللازمة بهذا الخصوص.
واذا كان لا يمكن لمجلس الامن انشاء محكمة دولية محضة في قضية اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، كون الجريمة ليست جريمة دولية، ولا جريمة ضد الانسانية، وكون الدول الاعضاء في مجلس الامن لا سيما الدائمة العضوية منها لا تُشجِّع انشاء محاكم دولية جديدة، خصوصا ان عددا من هؤلاء الاعضاء لم يُبرم نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، فلا يمكن لهذا المجلس انشاء محكمة مختلطة تحت غطاء الفصل السابع، وكانها محكمة دولية محضة بهدف الالتفاف على الآلية الدستورية اللازمة لابرام الاتفاقية الثنائية بانشاء هذه المحكمة المختلطة والا كانت محكمة هجينة!
وفي النهاية على ضوء الخلافات القائمة حاليا بين الفرقاء السياسيين على الساحة اللبنانية بشان المحكمة الدولية الخاصة وامكانية اتخاذ اجراءات معينة لوقف عمل المحكمة حفاظا على السلم الاهلي في لبنان، وتذرع البعض بانه لا يجوز المسّ بالمحكمة الدولية لانها خرجت من يد السلطة اللبنانية واصبحت في عهدة الامم المتحدة، فانه حسما لهذه النقطة نرى انه يمكن اجراء تعديل في اتفاق المحكمة عن طريق اتفاق خطي بين الطرفين (الدولة اللبنانية و الامم المتحدة) سندا للمادة 20 من اتفاقية المحكمة وانه اذا رات الدولة اللبنانية مصلحة وطنية عليا للحفاظ على السلم الاهلي في لبنان تعليق اعمال المحكمة لحين اجراء التعديلات الدستورية اللازمة التي اشرنا اليها في متن الدراسة (الاعتراف بالقضاء الدولي، العفو والاعدام) وايجاد حلول قانونية لامور اخرى تخالف مبادىء العدالة الجنائية الدولية، لجهة توفير مرجع قضائي صالح للنظر بدعوى جرائم شهادة الزور وتضليل التحقيق بعد ان تملص القضاءان الوطني والدولي من مسؤوليتهما في النظر في الدعاوى المقدمة من بعض المتضررين امام المرجعين المذكورين ونظرا لاهمية كشف المحرضين والمشتركين في هذه الجرائم لحسن سير العدالة في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018