ارشيف من :أخبار لبنانية
تناقض السيطرة والاستقرار
سليمان تقي الدين - صحيفة السفير
تحولت سياسة الولايات المتحدة الأميركية مع الرئيس باراك أوباما من الصدام المباشر الى الاحتواء. لم ينجح بعد في فك الاشتباك في أي من ملفات المنطقة، ولم ينجح في احتواء خصومه ولا حلفائه. هذا الترابط المتزايد بين أزمات المنطقة وتداخل القوى الفاعلة في كل الساحات لا يسمح بصياغة منظومة أمنية سياسية كما تخيّل أوباما. حجم التناقضات التي تتفاعل في النظام الإقليمي الموسع الذي أراد الغرب تكوينه تحت اسم «الشرق الأوسط» يضيف تعقيدات ولا يقلل منها. قامت سياسات الغرب في العقود الماضية على محاولة تحجيم المسألة الإسرائيلية الى نزاع مع الفلسطينيين.
كل المبادرات السياسية التي حصلت من قبل سعت الى تفكيك مقولة الصراع العربي الإسرائيلي. مع الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش دخلت إسرائيل في خيارات الشرق الأوسط ومعها عادت المسألة الفلسطينية واقعياً لتكون جزءاً من هذه الخيارات الكبرى. يضغط الرئيس أوباما اليوم لفصل الملف الفلسطيني عن باقي النزاعات ويصطدم أولاً بالمقاومة الإسرائيلية وثانياً بحد من الاعتراضات العربية والإسلامية التي لا تستطيع قبول المشروع الإسرائيلي للحل. يتهافت الطرفان المصري والأردني على إنجاز التسوية لكنهما يتوجسان من تداعياتها المباشرة عليهما كدولتي جوار. فكرة الحل الإسرائيلي كانت وما زالت التخلص من عبء السكان الفلسطينيين لكن مع ضمان السيطرة على مستقبلهم. هذا الحل يفترض ان النظام العربي سيتولاه أولاً في الأردن وثانياً في مصر فضلاً عن مشاركة كل العرب في التوطين ومعالجة حق العودة والتعويض. تضمنت اتفاقية كامب ديفيد ملحقاً عن الاقرار بالحكم الذاتي للفلسطينيين. تورطت مصر السادات آنذاك في المسؤولية عن مستقبل الفلسطينيين. في المشهد الإقليمي اليوم تحاول أميركا ان تأخذ من جميع الأطراف لتركيب التسويات. لكن الأمن الإسرائيلي خط أحمر، والشراكة التي تطلبها إيران كذلك غير محتملة، والاستجابة لمطالب العرب بالتسوية الشاملة دونها الكثير من العقبات. تحولت سياسة أوباما الى تجريبية مفرطة من الحوار والضغوط وتعثرت في كل مكان. إذا كان العراق هو المؤشر الأكثر حراجة حيث الاستنزاف الأمني والسياسي والدليل على إمكان تقاطع المصالح بين معظم الدول، فهو ما يزال يتأرجح بين الحاجة الأميركية للأمن والحاجة الإيرانية للاعتراف بمصالحها الشاملة. يضغط الوقت على الرئيس الأميركي لتنفيذ تعهداته بالانسحاب لكنه يعجز عن إنتاج صفقة جزئية مع إيران. على هذا الخط يسعى العرب للتخفيف من حدة الدور الإيراني واتساعه لكنهم لا يستطيعون إقامة التوازن معه. خلال بضعة شهور ينتصف عهد أوباما ويدخل في انتخابات أميركية ويبدأ يفقد القدرة على إضفاء أي من أفكاره الخاصة على المؤسسات والمصالح التي تحركها.
يبدو الملف الفلسطيني الذي يريده مدخلاً لتحسين موقعه العربي مجرد حراك سياسي من دون حصاد فعلي. ما يزال نتنياهو يرفض أية مرجعية للمفاوضات. ليس لدى أميركا خطة لمرجعية الحل، وإسرائيل تفاوض على أساس ميزان القوى ومنجزاتها الميدانية وأهمها المستوطنات. مع نهاية هذه المرحلة الانتقالية حتى نهاية هذا العام يستنفد أوباما قدرته على دفع المسارات السياسية، عندها يتصاعد التأثير الإسرائيلي وتتزايد احتمالات المواجهات الأمنية. خلال هذه المرحلة يحاول الأميركي عزل غزة و«حماس» و«حزب الله» وإيجاد مسافات وهوامش بين جميع الاطراف بما في ذلك سوريا. الضغط على السلطة الفلسطينية للتفاوض المباشر قبل السماح بتوحيد الموقف الفلسطيني، والضغط على «حزب الله» بتقرير المحكمة الخاصة بلبنان. أدت هذه الضغوط جزءاً مهماً من وظيفتها، هناك انشغالات لهذه الاطراف بمشكلاتها الخاصة. يتصاعد الضغط أو يتراجع قليلاً بمقدار ما تتقدم المفاوضات في فلسطين والعراق. لكن بضعة شهور ليست كافية لإنجاز أي حل هنا أو هناك ما لم يتغيّر شيء اساسي في سياسة أميركا تجاه المنطقة. دون ذلك المزيد من الأزمات والحروب، هذا التناقض المستمر بين مشاريع السيطرة والاستقرار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018