ارشيف من :أخبار لبنانية

اعتـراف متـأخـر لبيـلـمـار... بالتقصيـر

اعتـراف متـأخـر لبيـلـمـار... بالتقصيـر
حكمت عبيد

من المبكر أن نوجّه الشكر للمدّعي العام لدى المحكمة الدولية دانيال بيلمار لجهده الذي قد يوصلنا إلى حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اذا كان فعلا يريد الوصول الى هذه النتيجة، على الرغم من أن الانطباع السائد أنه لا يزال في بدايات العمل رغم العمل الدؤوب لمحققي مكتبه في لبنان وخارجه والذي استحوذ على غالبية موازنة المحكمة للعام الحالي، بالنظر إلى الأولوية التي تعطيها المحكمة لهذا الموضوع.


لا نعرف أيضا إذا كنّا سنوجّه الشكر للسيد بيلمار، عند تسطيره القرار الاتهامي، أم نقول له شيئا مختلفا، ولكن اليوم نقول له شكراً لاعترافه بالتقصير الفاضح في منهجية عمله وبالنتائج الهشة التي كان سيبني عليها قراره الاتهامي الذي وعد هيئة المحكمة بإصداره كحد أقصى في نهاية تشرين الثاني 2010، كما قال ذلك علانية رئيس المحكمة القاضي انطونيو كاسيزي، لبعض الصحف اللبنانية، خلافاً لما صرّحت به الناطقة باسم المحكمة الدولية فاطمة عيساوي، علما أن بيلمار لم يخرج يوما للقول بموعد محدد الا اذا كان كاسيزي يريد أن يحشره في الزاوية وربما فعل فعلته.
والاعتراف بالتقصير، هو استنتاج، ولم يصدر فعلياً عن بيلمار، بل عن عيساوي نفسها التي قالت في التصريح نفسه يوم الجمعة الماضي حرفيا إن بيلمار «يدعو كل من لديه معلومات أو أدلّة متصلة بالاعتداء الإرهابي الذي ذهب ضحيته رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري و22 ضحية أخرى إلى تقديم هذه المعلومات إلى مكتبه ويتعهد تفحصها في شكل دقيق».

ماذا يعني هذا التصريح المؤسس على البيان الصادر عن بيلمار نفسه إثر المؤتمر الصحافي الأخير للأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله وبعد مرور خمس سنوات ونصف على جريمة اغتيال الرئيس الحريري؟
هذا الموقف يعكس بوضوح أن بيلمار، طوال فترة عمله كرئيس للجنة التحقيق الدولية ومن ثم كمدّع عام، كان يتجاهل بشكل مطلق احتمال أن تكون إسرائيل قد اغتالت الرئيس الحريري، أو أن تكون على صلةٍ بمن نفذّ الإغتيال، رغم إدراك ومعرفة الجميع بأن لإسرائيل حضوراً أمنياً كبيرا في لبنان، وأطماعاً معلنة، ولها سوابق إجرامية مثبّتة وسافرة.

إن اهتمام بيلمار بما تضمنه المؤتمر الصحافي لنصر الله «وتعهده» بفحص الأدلة التي عرضت فيه، دليل قاطع على هذه الثغرة الكبيرة في عمل المدعي العام. وهذا يرتب، بطبيعة الحال، على رئاسة المحكمة، استناداً على سلطاتها ومسؤولياتها «عن سير أعمال المحكمة بفعالية وعن حسن سير العدالة»، مسؤولية مساءلة بيلمار، حيال اعترافه غير المباشر بالتقصير!
ان «حزب الله» لن يتعامل مع المحكمة الدولية واذا استجاب مع طلب بيلمار، سيستجيب من خلال مكتب المدعي العام التمييزي في لبنان، وعندها سيكون لزاما على بيلمار أن يتوجه هو أو فريقه الى اسرائيل، طلبا لاتفاق تعاون مجددا أو للتحقيق في نقاط محددة، والجواب في تل أبيب سيكون حاسما: لن نوقع أي اتفاقية مع المحكمة ولن نقبل التحقيق مع أي من جنودنا وضباطنا ولن نسمح بالدخول الى أي من مؤسساتنا.
عندما ستقفل الأبواب بوجه بيلمار، كيف سيتصرف، وهل سيكون بمقدوره القول أنه حاول وفشل وبالتالي سيطرق مجددا بابا وحيدا هو الباب السياسي الذي يوصل الى «حزب الله»، عبر نظرية العناصر غير المنضبطة؟

يجيب الخبراء القانونيون الذين يلمون بأمور المحاكمات الدولية، إنه لن يكون بمقدور بيلمار أن يكمل خطوة واحدة من بعد اقفال الأبواب الاسرائيلية بوجهه وسيكون أمام المحكمة وكل محققيها وأولهم بيلمار، تجرع سم الرفض الاسرائيلي الذي سيقود الى دفن القرار الظني ودفن المحكمة ودفن الحقيقة.
حقيقة أخرى أضاءت عليها تصريحات عيساوي هي أن لمكتب بيلمار الأسبقية في التحقيق في القضية على المحاكم الوطنية اللبنانية»، باعتبار أن «للمحكمة الخاصة اختصاص على الأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005...». وقد تنازلت السلطات اللبنانية عن اختصاصها إلى المحكمة، ولما كان الأمر كذلك، لماذا كان إصرار بيلمار على عدم اعتبار عمليات التضليل الممنهجة التي ارتكبها «شهود الزور»، واحدة من المسائل التي تستحق المتابعة، في الوقت الذي يرفض فيه أن يسلّم وثائق ومستندات تمكن «ضحية» مثل المدير العام للأمن العام السابق اللواء الركن جميل السيد، من ملاحقة من شهّر به وتسبب في اعتقاله السياسي والتعسفي لما يزيد عن ثلاث سنوات، كما هو الحال أيضا مع رفاقه الضباط علي الحاج ومصطفى حمدان وريمون عازار.

تجدر الإشارة إلى أن اللبنانيين ينتظرون قرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين أوائل الشهر المقبل لمعرفة النتيجة التي خلص إليها فرانسين حيال طلب اللواء السيّد المذكور، وان كانت الأرجحية هي لرفض الطلب بما يستجيب ومنطق بيلمار الذي عبر عن انزعاجه أصلا من قبول مبدأ المراجعة. إن هذه الحقائق وغيرها تملي على الجانب اللبناني الأخذ باقتراح السيد نصر الله القاضي بتأليف لجنة لبنانية تواكب عمل المحكمة الدولية وترصد مدى صدقيّة عملها ومهنيتها؛ وللأمانة فإن هذا الإقتراح قد عرضه أكثر من مرّة، مرجع قضائي لبناني على وزير العدل البروفسور إبراهيم نجار دون يجد له صدى «لاعتبارات مهنية وقضائية تتصل بآليات العمل القضائي والاتفاقات المعمول بها بين لبنان والمحكمة الدولية، فهل جاء وقت تلبية هذا الإقتراح ـ الضرورة؟
2010-08-17