ارشيف من :أخبار لبنانية
هـذا مـا تسـتطيع الحكومـة أن تفعلـه مـع المحكمـة
عماد مرمل
صحيح ان المحكمة الدولية هي «مولود أنابيب» خرج الى النور بفعل قرار من مجلس الامن على اساس الفصل السابع، بعدما تعذر الحمل والولادة عبر الرحم اللبناني.
وصحيح ان المحكمة الدولية تسبح خارج جاذبية الدولة اللبنانية وتعمل بقوة دفع ذاتية كما يقول مؤيدوها وبقوة دفع اميركية - اسرائيلية كما يقول خصومها.
وصحيح ان المحكمة الدولية اختزلت القضاء اللبناني وهمّشته الى حد ان دوره اصبح لا يتعدى حدود «ضابط الارتباط»(استنادا الى اتفاقية تعاون غير متوازنة).
ولكن الصحيح ايضا... ان الحكومة ما زالت تملك في جعبتها اوراقا مؤثرة وهي قادرة - إذا شاءت - على توظيفها في اتجاه إيجاد نوع من التوازن مع المحكمة، بما يحمي لبنان من أي قرار ظني مفخّخ.
وهناك بين الخبراء القانونيين من يؤكد ان بمقدور الحكومة ان تعمل على «لبننة» الكثير من الجوانب المتصلة بملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري من دون ان يتعارض ذلك مع ولاية المحكمة الدولية، والحصرية المعطاة لها. ويشدد هؤلاء على ان الفرصة متاحة لإطلاق دينامية داخلية في هذا الاتجاه، تتيح للسلطة اللبنانية ان تسحب استقالتها من هذه القضية بعد خمس سنوات من الإنكفاء التام تحت شعار انتفاء الصلاحية.
وقد ساهمت ملفات شهود الزور وعملاء اسرائيل وقرائن السيد حسن نصرالله في تعزيز المنطق القائل بوجوب ان تؤدي الدولة دورا ما في متابعة هذه الملفات، وعدم إهمالها والاتكال فقط على لجنة التحقيق الدولية، وصولا الى محاولة تعديل «قواعد الاشتباك» المتصلة بعمل المحكمة.
كيف يمكن ان يحصل ذلك؟
من المعروف ان الحكومة بالمطلق اصبحت تمثل بعد اتفاق الطائف السلطة الاجرائية في لبنان، وقد أناط بها هذا الاتفاق - الدستور الاشراف على كل أجهزة الدولة ومؤسساتها من دون استثناء، وجعلها مركز القرار السياسي، ناهيك عن ان تسوية الدوحة كرست ميثاقية الحكومة ووظيفتها في تأمين الاستقرار الداخلي استنادا الى توازنات دقيقة.
من هنا، فان الحكومة ككيان سياسي - سيادي لا يمكن ان تبتلعها المحكمة الدولية مهما حازت من صلاحيات، وإذا كانت المحكمة قد استطاعت ان تحيل القضاء الى دائرة ملحقة بها، إلا ان ذلك لا يسري على باقي المؤسسات سواء كانت تشريعية او تنفيذية او عسكرية.
وعليه، تملك الحكومة كل الحيثيات اللازمة التي تتيح لها ألا تكون مستسلمة لـ«القدر» الدولي في مسألة المحكمة أو مجرد متلقية له من دون مقاومة، شرط أن تحوز على الإرادة السياسية المطلوبة.
وبمقدور الحكومة - إن عزمت - مخاطبة مجلس الأمن، أي «ولي أمر» المحكمة، بلغة واحدة تعرض الهواجس المشروعة انطلاقا من موقع الحرص على المصالح الوطنية العليا، وتنبه الى أن لبنان يواجه مأزقا خطيرا يمكن أن يهدد السلمين الأهلي والإقليمي وانه يجب عدم دفعه الى الاختيار بين الاستقرار والعدالة لأنه إذا حُشر في الزاوية سيختار الاستقرار.
وبالتأكيد تستطيع الحكومة ان تستفيد من اللحظة المؤاتية لها في مجلس الأمن انطلاقا من عضوية لبنان غير الدائمة فيه، كي توصل رسالتها بفعالية. ولعل الرحلة المرتقبة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان الى نيويورك في مطلع الخريف المقبل - حيث سيلقي كلمة لبنان امام الجمعية العامة للامم المتحدة - تشكل فرصة لإسماع المجتمع الدولي مقاربة أخرى لملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وتحت هذا السقف السياسي، يمكن للحكومة ان تتخذ مجموعة من الاجراءات العملية والمتدرجة الهادفة الى استدارك الاسوأ قبل حصوله، قد تكون إحداها على سبيل المثال، استدعاء القضاة اللبنانيين المنتدبين من قبل الدولة الى المحكمة للتشاور معهم ووضعهم في أجواء الازمة الحرجة التي يمر فيها لبنان، على ان يترك لهم تقدير الموقف المناسب الذي يفترض بهم اتخاذه، بعدما تكون كل المعطيات المتصلة بالوضع الداخلي قد وُضعت أمامهم.
ولعله تفيد الاشارة في هذا الصدد الى ان القاضية جوسلين تابت هي نائب المدعي العام دانيال بيلمار، وهو موقع حساس من حيث المبدأ، ولا يجوز ان يتصرف شاغله إضافة الى القضاة الآخرين وكأن لا علاقة لهم بما يدور في بلدهم وبالمخاطر الكبرى التي تهدده.
وبمقدور الحكومة ايضا المبادرة او الضغط لتشكيل لجنة تحقيق في قضية شهود الزور التي يمكن ان تمثل أحد عناوين «اللبننة المنشودة»، لو انه يتم وضع اليد عليها من قبل مجلس الوزراء او القضاء.
اما وقف التمويل فهناك من لا ينصح به لانه سيرتب تداعيات عدة من ابرزها ان لبنان سيظهر في موقع من خرق الاتفاق المعقود مع المحكمة الدولية وتراجع عن التزاماته حيالها، ثم انه لن تكون هناك صعوبة في إيجاد بدائل من دول أخرى لتأمين النسبة التي كان يدفعها، مع ما يعنيه ذلك من إطباق أجنبي تام على المحكمة.
وفي مرحلة لاحقة، يستطيع لبنان - متى شعر بان رياح المحكمة توشك ان تعصف به - أن يعيد فتح ملف إنشائها وهي التي تأسست بطريقة مخالفة للأصول الدستورية والقواعد الميثاقية، وصولا الى الإعلان عن عدم الاعتراف بهذه المحكمة وبكل ما يمكن ان يصدر عنها.
وهذه النقلة النوعية والحاسمة فوق رقعة الشطرنج لن تكون حكومة الرئيس سعد الحريري، بتركيبتها الحالية، قادرة على ان تلعبها، الامر الذي يستوجب في هذه الحال الاتيان بحكومة جديدة تستعيد المبادرة وتطلب إعادة التفاوض حول المحكمة على اساس اتفاق جديد يمر في مجلس النواب ويحمل توقيع رئيس الجمهورية.
وعندها سيكون على الرئيس سعد الحريري الاختيار بين ان يكون ولي الدم فقط وان يعود رئيسا لحكومة تحمل «أمر مهمة» مختلفا...
ويبدو ان النائب وليد جنبلاط قد أبلغ إحدى الشخصيات السياسية التي التقاها مؤخرا انه في حال وصلت الامور الى طريق مسدود وبات خطر الفتنة داهما فهو سيكون مستعدا للسير في خيار التغيير الحكومي وتأمين التغطية الضرورية له.
صحيح ان المحكمة الدولية هي «مولود أنابيب» خرج الى النور بفعل قرار من مجلس الامن على اساس الفصل السابع، بعدما تعذر الحمل والولادة عبر الرحم اللبناني.
وصحيح ان المحكمة الدولية تسبح خارج جاذبية الدولة اللبنانية وتعمل بقوة دفع ذاتية كما يقول مؤيدوها وبقوة دفع اميركية - اسرائيلية كما يقول خصومها.
وصحيح ان المحكمة الدولية اختزلت القضاء اللبناني وهمّشته الى حد ان دوره اصبح لا يتعدى حدود «ضابط الارتباط»(استنادا الى اتفاقية تعاون غير متوازنة).
ولكن الصحيح ايضا... ان الحكومة ما زالت تملك في جعبتها اوراقا مؤثرة وهي قادرة - إذا شاءت - على توظيفها في اتجاه إيجاد نوع من التوازن مع المحكمة، بما يحمي لبنان من أي قرار ظني مفخّخ.
وهناك بين الخبراء القانونيين من يؤكد ان بمقدور الحكومة ان تعمل على «لبننة» الكثير من الجوانب المتصلة بملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري من دون ان يتعارض ذلك مع ولاية المحكمة الدولية، والحصرية المعطاة لها. ويشدد هؤلاء على ان الفرصة متاحة لإطلاق دينامية داخلية في هذا الاتجاه، تتيح للسلطة اللبنانية ان تسحب استقالتها من هذه القضية بعد خمس سنوات من الإنكفاء التام تحت شعار انتفاء الصلاحية.
وقد ساهمت ملفات شهود الزور وعملاء اسرائيل وقرائن السيد حسن نصرالله في تعزيز المنطق القائل بوجوب ان تؤدي الدولة دورا ما في متابعة هذه الملفات، وعدم إهمالها والاتكال فقط على لجنة التحقيق الدولية، وصولا الى محاولة تعديل «قواعد الاشتباك» المتصلة بعمل المحكمة.
كيف يمكن ان يحصل ذلك؟
من المعروف ان الحكومة بالمطلق اصبحت تمثل بعد اتفاق الطائف السلطة الاجرائية في لبنان، وقد أناط بها هذا الاتفاق - الدستور الاشراف على كل أجهزة الدولة ومؤسساتها من دون استثناء، وجعلها مركز القرار السياسي، ناهيك عن ان تسوية الدوحة كرست ميثاقية الحكومة ووظيفتها في تأمين الاستقرار الداخلي استنادا الى توازنات دقيقة.
من هنا، فان الحكومة ككيان سياسي - سيادي لا يمكن ان تبتلعها المحكمة الدولية مهما حازت من صلاحيات، وإذا كانت المحكمة قد استطاعت ان تحيل القضاء الى دائرة ملحقة بها، إلا ان ذلك لا يسري على باقي المؤسسات سواء كانت تشريعية او تنفيذية او عسكرية.
وعليه، تملك الحكومة كل الحيثيات اللازمة التي تتيح لها ألا تكون مستسلمة لـ«القدر» الدولي في مسألة المحكمة أو مجرد متلقية له من دون مقاومة، شرط أن تحوز على الإرادة السياسية المطلوبة.
وبمقدور الحكومة - إن عزمت - مخاطبة مجلس الأمن، أي «ولي أمر» المحكمة، بلغة واحدة تعرض الهواجس المشروعة انطلاقا من موقع الحرص على المصالح الوطنية العليا، وتنبه الى أن لبنان يواجه مأزقا خطيرا يمكن أن يهدد السلمين الأهلي والإقليمي وانه يجب عدم دفعه الى الاختيار بين الاستقرار والعدالة لأنه إذا حُشر في الزاوية سيختار الاستقرار.
وبالتأكيد تستطيع الحكومة ان تستفيد من اللحظة المؤاتية لها في مجلس الأمن انطلاقا من عضوية لبنان غير الدائمة فيه، كي توصل رسالتها بفعالية. ولعل الرحلة المرتقبة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان الى نيويورك في مطلع الخريف المقبل - حيث سيلقي كلمة لبنان امام الجمعية العامة للامم المتحدة - تشكل فرصة لإسماع المجتمع الدولي مقاربة أخرى لملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وتحت هذا السقف السياسي، يمكن للحكومة ان تتخذ مجموعة من الاجراءات العملية والمتدرجة الهادفة الى استدارك الاسوأ قبل حصوله، قد تكون إحداها على سبيل المثال، استدعاء القضاة اللبنانيين المنتدبين من قبل الدولة الى المحكمة للتشاور معهم ووضعهم في أجواء الازمة الحرجة التي يمر فيها لبنان، على ان يترك لهم تقدير الموقف المناسب الذي يفترض بهم اتخاذه، بعدما تكون كل المعطيات المتصلة بالوضع الداخلي قد وُضعت أمامهم.
ولعله تفيد الاشارة في هذا الصدد الى ان القاضية جوسلين تابت هي نائب المدعي العام دانيال بيلمار، وهو موقع حساس من حيث المبدأ، ولا يجوز ان يتصرف شاغله إضافة الى القضاة الآخرين وكأن لا علاقة لهم بما يدور في بلدهم وبالمخاطر الكبرى التي تهدده.
وبمقدور الحكومة ايضا المبادرة او الضغط لتشكيل لجنة تحقيق في قضية شهود الزور التي يمكن ان تمثل أحد عناوين «اللبننة المنشودة»، لو انه يتم وضع اليد عليها من قبل مجلس الوزراء او القضاء.
اما وقف التمويل فهناك من لا ينصح به لانه سيرتب تداعيات عدة من ابرزها ان لبنان سيظهر في موقع من خرق الاتفاق المعقود مع المحكمة الدولية وتراجع عن التزاماته حيالها، ثم انه لن تكون هناك صعوبة في إيجاد بدائل من دول أخرى لتأمين النسبة التي كان يدفعها، مع ما يعنيه ذلك من إطباق أجنبي تام على المحكمة.
وفي مرحلة لاحقة، يستطيع لبنان - متى شعر بان رياح المحكمة توشك ان تعصف به - أن يعيد فتح ملف إنشائها وهي التي تأسست بطريقة مخالفة للأصول الدستورية والقواعد الميثاقية، وصولا الى الإعلان عن عدم الاعتراف بهذه المحكمة وبكل ما يمكن ان يصدر عنها.
وهذه النقلة النوعية والحاسمة فوق رقعة الشطرنج لن تكون حكومة الرئيس سعد الحريري، بتركيبتها الحالية، قادرة على ان تلعبها، الامر الذي يستوجب في هذه الحال الاتيان بحكومة جديدة تستعيد المبادرة وتطلب إعادة التفاوض حول المحكمة على اساس اتفاق جديد يمر في مجلس النواب ويحمل توقيع رئيس الجمهورية.
وعندها سيكون على الرئيس سعد الحريري الاختيار بين ان يكون ولي الدم فقط وان يعود رئيسا لحكومة تحمل «أمر مهمة» مختلفا...
ويبدو ان النائب وليد جنبلاط قد أبلغ إحدى الشخصيات السياسية التي التقاها مؤخرا انه في حال وصلت الامور الى طريق مسدود وبات خطر الفتنة داهما فهو سيكون مستعدا للسير في خيار التغيير الحكومي وتأمين التغطية الضرورية له.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018