ارشيف من :أخبار لبنانية
القرار الظني مؤجّل إلى الربيع والحريري «ماشي» بالحلول
خضر طالب - صحيفة السفير
إذا جرى الأخذ ببعض الإشارات السياسية لاستشراف أفق ما بعد شهر رمضان المبارك، فإن ذلك يفضي إلى استنتاج واحد عنوانه «الاشتباك المعلّق»، مع ما يعني ذلك من مضامين تفترض بديهياً أن تأجيل هذا الاشتباك لا يمكن أن يبقى صامداً على وقع تزاحم الاستحقاقات الكبرى في المنطقة لكن الأهم هو المتعلّق بماهية العلاقة القائمة راهناً بين السعودية وسوريا، ومدى قدرتها على القفز فوق «خنادق النار» التي تطوّق المخارج الافتراضية لمأزق المحكمة الدولية في لبنان.
وهنا يستحضر المتشائمون ثلاث إشارات متتالية ظهرت في وقت قصير، في سياق قراءة ما يمكن أن يكون اهتزازاً في المشهد الحميمي الذي ظهر في بيروت بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد:
ـ عودة تحريك ملف الاستنابات القضائية السورية عبر مذكرة الاستفسار التي وجهها قاضي التحقيق الأول في دمشق إلى القضاء اللبناني عن مصير مذكرات التبليغ السورية في إطار الدعوى المقدمة من اللواء جميل السيد ضد شهود الزور وشركائهم.
ـ ارتفاع وتيرة «المواجهة الصحافية» عبر صحيفتي «الوطن»، السعودية والسورية، حول الوضع اللبناني، خصوصاً بعد أن تحدثت صاحبة الترخيص السعودي عن لجنة تحقيق مع السيد حسن نصر الله، في حين جاء ردّ صاحبة الترخيص السوري ليتحدث عن استمرار مفاعيل الانقلاب الدولي في لبنان وأن القرار الظني هو أحد أشكال هذا الانقلاب والذي قد يكون الحدث الذي سيتم الاستناد إليه في عملية الانقلاب المعاكسة، وان هذه العملية يمكن أن تتسارع للتحرر منه دفعة واحدة وتحرير قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من ذلك الانقلاب واستراتيجياته المرتبطة بالقرار 1559.
ـ عودة بعض السجالات الداخلية من النافذة التي فتحها الوزير السابق وئام وهاب حول الوضع الحكومي، والتلويح باحتمال اللجوء إلى تغيير حكومي يؤدي إلى نسف طريقة تعاطي الحكومة الراهنة مع قضية المحكمة الدولية.
والواقع أن كثيرين قرأوا في إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري الصيام عن الكلام في إفطاره الرمضاني الأول، بأنه يعني ببساطة أن الحريري «ماشي»، لكنه يريد اختيار التوقيت المناسب، وإن ذهبت بعض تلك التفسيرات إلى اعتبار أن الحريري يريد الآن رفع سقف الثمن الذي يطلبه لقاء مبادرة بات مسلّماً بها، بالرضا والقبول، أو بحكم الواقع والظروف التي تفرض نفسها عليه وعلى غيره، وهو يدرك أن كل الأطراف يقدّرون الظرف الحسّاس الذي يحكم أي خطوة منه ونتائجها وحساباتها وحيثياتها وخصوصياتها.
على هذا يبني المتفائلون حساباتهم للتأكيد أن «الإخراج» هو المسألة الوحيدة التي لا تزال عالقةً قيد البحث، وأن التوقيت المناسب مرتبط بشكل وثيق بنضوج الظروف المناسبة لوضع سيناريو تفكيك «عُقد» القرار الظني موضع التنفيذ.
وهنا يمكن توظيف المؤتمر الصحافي الأخير للسيد حسن نصر الله في سياق فتح أبواب واسعة أمام صياغة الكثير من المخارج وتأمين عبورها بسلاسة، خصوصاً أن المعطيات التي قدمها حول اتهام إسرائيل لم تلق اعتراضاً إلا من قبل إسرائيل نفسها، في حين ساد الصمت المطبق العالم العربي، وخصوصاً السعودية، وكذلك الدول الغربية، ما ساهم في تعزيز الاعتقاد أن الجهد الذي بذله الملك عبد الله نجح في تأمين حماية عربية ـ دولية للرعاية السورية ـ السعودية للبنان.
لكن الخطوة التي قام بها حزب الله أمس بتسليم القضاء اللبناني ما يتعلّق بمعطياته عن اتهام إسرائيل، ومعرفته المسبقة بأن هذه المعطيات ستذهب إلى المحكمة الدولية، تؤكّد بما لا يقبل الشك مسألتين أساسيتين:
الأولى، أن حزب الله منح بشكل غير مباشر، المحكمة الدولية «فرصة» جديدة لإثبات مصداقيتها وهو ما يرضي الرئيس الحريري ويسهّل له الخطوات التالية التي سيقوم بها.
الثانية، أن هذه الخطوة جاءت منسّقة مع رئيس الحكومة، وبمعنى آخر، فإنها باتت تشكّل خطوة أولى في طريق صياغة سيناريو الحلّ الذي يبدو أنه وضع على نار هادئة.
لكن النتيجة التي لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها، هي أن القرار الظني عن المدعي العام دانيال بيلمار، قد أصبح في حكم المؤجّل تقنياً وموضوعياً، خصوصاً أن بيلمار نفسه طلب المعطيات التي قدّمها السيد نصر الله، لكن الأهم في خطوات بيلمار أنها تنسف موضوعياً بنية التحقيق الدولي، وتؤكد أن بيلمار نفسه غير واثق بـ«مشروع» القرار الظني ومعطياته وأدلته.
في المحصّلة، بات القرار الظني خاضعاً الآن للمسار الجديد الذي سيبدأ بيلمار بدراسته في التحقيق، ما يعني أن موعد صدور هذا القرار أصبح يخضع للتأجيل الحتمي إلى ربيع 2011، وفق ما يتردّد في بعض الأوساط، وهذا وقت مقبول لترسيخ التهدئة في لبنان وإخماد النار في «كمائن» المحكمة الدولية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018