ارشيف من :أخبار لبنانية
إذا صدقت نيات بيلمار حيال القرائن القرار الظني مؤجّل سنوات؟
ادمون صعب - السفير
«إذا وجدت شوكة واحدة في كرم وأهمل أمرها،
صارت خطراً على الكرم».
انطون سعادة
أعطى الرئيس نبيه بري إشارة الانطلاق للعودة الى الاهتمام بشؤون الناس، بقوله لدى خروجه من القصر الجمهوري الأسبوع الماضي «لقد حان وقت العمل».
وكان بري لاحظ هروب الحكومة الى الأمام من قضايا الناس ومطالبهم، وخصوصاً الكهرباء التي لا يمر يوم إلا وينزل مواطنون الى الشوارع، في مختلف المناطق، فيقطعون الطرق بالإطارات المشتعلة مطالبين بالمساواة في التغذية، بعدما حصرت الكهرباء 24 على 24 في بيروت الإدارية حيث الإدارات الرسمية الرئيسية، فيما حرمت منها بقية المناطق.
وإذا قيل ان الحكومة عائدة اليوم الى العمل انطلاقا من الجلسة التي سيعقدها مجلس الوزراء اليوم في المقر الصيفي للقصر الجمهوري في بيت الدين، جاء الجواب ان ما هو مدرج في جدول الأعمال لا يوحي ان الحكومة تنوي تلقف الكرة الملتهبة التي يشكلها موضوع ملاحقة شهود الزور في قضية اغتيال الرئيس الحريري. هذه القضية التي تردد ان وزراء «حزب الله»، مدعومين من وزراء يقولون قولهم في هذه القضية وبضرورة ملاحقة المتورطين فيها، سيطرحون الموضوع للمناقشة باعتباره تتمة للقرائن التي عرضها الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في مؤتمره الصحافي الأخير.
وكان الرئيس سعد الحريري أبدى ارتياحه أول من أمس الى تجاوب الحزب مع مطلبه تسليم هذه القرائن الى المدعي العام التمييزي الذي احالها بدوره على المدعي الدولي دانيال بيلمار، الذي كان طلبها منه.
ولقد وضع نصر الله القضاء الدولي وكذلك مجلس الأمن أمام تحد كبير، سواء أكان بيلمار تحرك بناء على نصيحة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي قيل ان الرئيس الحريري فاتحه في هذا الأمر لدى لقائهما الأخير في باريس ونصح له بأن يبعث بإشارة الى بيلمار يؤكد له فيها أهمية القرائن التي عرضها نصر الله، وضرورة الاهتمام بها وتفحصها والتدقيق، مما يعيد الصدقية الى التحقيق الدولي ثم الى المحكمة لاحقاً.
والقرائن التي قدمها نصر الله وأبهرت العالم، وخصوصاً لجهة الاختراق العلمي الذي حققته الطواقم العلمية في المقاومة، باقتناصها الصور التي كانت ترسلها الطائرات الإسرائيلية من دون طيار لدى تحليقها في الأجواء اللبنانية، كان يجب ان تبهر رئيس الحكومة وبعض حلفائه في 14 آذار، وقد تبارى عدد منهم في تسخيفها سياسياً، في حين قلل عدد آخر أهميتها العلمية قياساً بما لدى محرك البحث «غوغل» من صور أرضية للبنان.
وكان مستغرباً ان لا الاعتداء الإسرائيلي على الجيش في عديسة واستشهاد ضابط وعسكري وصحافي، ولا المؤتمر الصحافي الذي عقده نصر الله، قد دفعا الحريري الى قطع إجازته في سردينيا والعودة سريعاً الى بيروت، مستشعراً الأخطار المحدقة بالبلاد، ومدركاً قبل الرئيس بري ان «الوقت حان للعمل»، رغم إدراكنا انه ما كان يذهب في إجازته العائلية الى سردينيا ـ وهذا حقه ـ لولا اطمئنانه من الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد الى ان مظلة الأمان قد نشرت فوق لبنان، وان لا خوف تالياً على الاستقرار بعدما صارت هناك مرجعيتان عربيتان للبنان، بدل المرجعية الواحدة التي كانت سورية بعد اتفاق الطائف عام 1989.
بل كان أولى بالرئيس الحريري ان يسارع للعودة الى لبنان، غداة المؤتمر الصحافي للسيد نصر الله، ويجمع مجلس الوزراء في جلسة استثنائية يتألف جدول أعمالها من بندين كانا محور المؤتمر هما: شهود الزور والقرائن، وخصوصاً الصور الجوية. على الا يطرح موضوع شهود الزور من خلفية شخصية او سياسية تتعلق بشبهات تحوم حول أشخاص يدورون في الأفلاك السياسية والأمنية والإعلامية للرئيس الحريري، بل من خلال الأضرار التي تسببوا بما للبنان، وأوضاعه السياسية والاقتصادية التي أصيبت بالشلل ولا تزال، إضافة الى المأزق الذي وضعوا فيه العلاقات بين لبنان وسوريا، وجعل كل شاهد ضلل التحقيق والحكم في لبنان يتحمل تبعة ما ارتكبه.
على ان يقوم الرئيس الحريري بخطوة شجاعة ـ كانت مطلوبة من بعد عودته من سردينيا وليس أي امر آخر ـ تقضي برفع الغطاء عن جميع الذين يثبت التحقيق اللبناني وقوفهم وراء الشهود الزور الذين عطلوا البلاد وكادوا ان يتسببوا بفتنة داخلية.
أما القرائن، فلا يكتفي تجاوب «حزب الله» مع تمني الرئيس الحريري تسليمها الى المحكمة الدولية للتدقيق فيها، بل يجب حراستها حيث أصبحت، أي بين أيدي المدعي العام الدولي دانيال بيلمار، وبحيث تكون في منأى عن العيون والأيدي الإسرائيلية التي أظهرت التسريبات الأخيرة انها متغلغلة في مكاتب المدعي العام، وموزعة بين قضاة التحقيق لديه. وربما كان هناك ضباط ارتباط يقدمون تقارير دورية حول تقدم العمل في اتجاه اتهام «حزب الله» بالتورط في عملية الاغتيال، ترفع الى «الموساد» كما الى رئاسة الأركان الإسرائيلية والتي بفضلها أمكن الجنرال غابي اشكنازي الإعلان قبل أسابيع ان القرار الظني بات جاهزاً، وانه سيعلن في شهر أيلول المقبل!
وثمة مجموعة من الأسئلة تطرح في هذا المجال منها:
ـ في حال صحت القرائن، فهل ستتيح إسرائيل التثبت منها، بعد تجربة محاكاة ميدانية؟
ـ وهل ستسمح بلقاء رؤساء الأجهزة الأمنية في الفترة السابقة، لاغتيال الحريري (قبل 14 شباط 2005)، من مثل قادة «الموساد» و«الشاباك» والكوماندوس الخ...؟
ـ وهل يستطيع المحققون الدوليون استجواب المسؤولين الحكوميين الكبار عن مثل هذه العملية، رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والخارجية؟
ـ بل هل ستجيز أميركا لمجلس الأمن الذي تسيطر عليه، توجيه الاتهام، في حال ثبوته، الى إسرائيل، وتالياً محاكمة مسؤولين كبار فيها؟
علما ان ليس في تاريخ الأمم المتحدة مثال واحد أخضعت فيه إسرائيل للمحاسبة ولنا في جريمة «أسطول الحرية» الذي سقط فيه 9 ضحايا أبلغ مثال.
وإذا صدقت النيات، وجرت معاودة التحقيق، في ضوء القرائن، فلا نرى موجباً لاستجداء احد من اجل تأجيل القرار الظني المرجح بين تشرين الثاني هذه السنة، ونيسان السنة المقبلة، لأنه سيؤجل سنوات!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018