ارشيف من :أخبار لبنانية

البيئة الحاضنة والحرب البديلة

البيئة الحاضنة والحرب البديلة
محمد السعيد ادريس(*)
"الحديث عن الحرب المقبلة سواء كانت على لبنان من خارجه، أو في لبنان من داخله، لم يتوقف منذ فشل حرب صيف 2006 في تحقيق أهدافها، وانكسار أسطورة الجيش الذي لا يقهر مجدداً، ليس أمام جيوش عربية، ولكن أمام حركة المقاومة، وهنا كان مكمن الخطر، إذ إن هذا الفشل في تلك الحرب لم يكن مجرد فشل للحرب ذاتها، أو حتى فشل في أهدافها، لكن ما حدث من فشل كان أفدح من هذا وذاك لسبب جوهري له علاقة مباشرة بالحرب المقبلة أو فلنقل “الحرب المنتظرة” . فبعد حرب أكتوبر/تشرين الأول عام ،1973 خاضت “إسرائيل” ومعها الحليف الأمريكي بكل أجهزته حرباً نفسية واستخباراتية عبر كل وسائل التأثير والتجنيد السياسي لوضع نهاية لقدرة أي دولة عربية، على خوض حرب جديدة ضد “إسرائيل” عبر جيشها الوطني، وكانت المحصلة ظهور دعوة “ثقافة السلام” والهرولة العربية نحو التطبيع، ووجود قوى سياسية واجتماعية واقتصادية داخل كثير من الدول العربية التي باتت صاحبة مصلحة في هذا التطبيع، وكما جرى تفكيك الاقتصادات العربية، ووضعها تحت الضغوط الجهنمية للهيمنة والتبعية الأمريكية لتفريغ قدرة العرب على خوض حرب جرى أيضاً تفكيك الوعي والالتزام بالوطنية والعروبة معاً، وضاع الولاء وتشتت بعد أن برز الولاء للذات على حساب الوطن، وعندما طغت المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن، وتوارت مصلحة الأولى عندما غابت مصالح الأوطان، فكانت دعوة كل دولة عربية أنها هي أولاً تعبير صارخ عن كل الانحراف الذي حدث في الوعي والولاء، وتأسست البيئة الحاضنة لمرحلة الضياع التي أصبحت العمالة في ظلها لا تعدو أن تكون مجرد “وجهة نظر” .
في هذه الظروف وقعت مصر اتفاقية السلام مع الكيان عام 1979 بعد سنوات طويلة ابتداء من عام 1974 جرى فيها تفكيك الاقتصاد الوطني وبيع القطاع العام، وإخضاع الدولة والمجتمع إلى شروط إعادة الهيكلة والتكيف، ولعبت المعونة الأمريكية عملها في خلق الطبقة الجديدة التي جرى الرهان عليها لاختراق الدولة والمجتمع والإمساك بعصب الاقتصاد والسياسة، وخلق ما يعرف ب”ركائز التبعية” التي يمكن من خلالها السيطرة، إلى أن تم النجاح في كسر الحاجز النفسي، وبدأت مسيرة التطبيع، وظهر شعار “مصر أولاً”، ومن بعده أضحت كل دولة هي أولاً، وجرى تشتيت القدرات وتغييب الأولويات والروابط القومية، والتخلي الطوعي عن القضية الفلسطينية كقضية مركزية عربية .
البعض تصور، عن خطأ فادح، أن مقولة “فلسطين قضية العرب المركزية” كانت منِّة عربية على الشعب الفلسطيني، وتضحية عربية كبرى، لكن كل هؤلاء اكتشفوا أن تلك القضية هي صاحبة الفضل الأكبر في وجود النظام العربي، فالنظام تأسس وامتلك مقومات تماسكه من خلال الشعور بالخطر والتهديد الاستعماري والصهيوني ضد الأمة من خلال قضية فلسطين، فالدفاع عن فلسطين وهدف تحريرها، هما معاً من وفر للنظام العربي قدراته على التماسك، وبمجرد التخلي العربي عن قضية فلسطين تفكك النظام وأخذ يتداعى، وكان هذا هو المكسب الهائل الذي حققته “إسرائيل” من معركة السلام مع العرب، فبالسلام واتفاقيات السلام ابتداء من كامب ديفيد، ثم وادي عربة، ثم أوسلو وأخواتها انتصرت “إسرائيل” انتصارها الهائل، إذ أجهزت كلية على كل فرص وخيارات العرب للحرب مجدداً من أجل فلسطين، ولم تعد الجيوش العربية معدة ومجهزة من أجل خوض حرب لتحرير فلسطين، بل باتت أداة لخوض معارك أخرى ليست لها أي علاقة بالحرب ضد “إسرائيل” .
ضمن هذه الحال العربية، جاء انتصار المقاومة كصاعقة على رأس “إسرائيل”، إذ جدد خيارات العرب، وأكد حقيقة إذا كانت الحكومات والجيوش العربية، قد جرى عليها ما جرى، فإن الشعوب ما زالت حيّة، وما زالت قادرة على فرض خيارات بديلة، وأن “إسرائيل” ما زالت عدواً عند قطاعات شعبية واسعة غير مشاركة في أساطير السلام، الذي لم تجن ثماره بل دفعت أثمانه .
من هنا اكتسبت هزيمة “إسرائيل” أمام المقاومة خطورتها، ومن هنا يمكن فهم كل الحروب التي تعرضت لها كل المقاومات العربية في لبنان وفلسطين والعراق من مؤامرات لهدف استراتيجي، هو منع العرب من امتلاك الخيارات البديلة للسلام .
وإذا كانت كل مقاومة قد تعرضت لسلسلة طويلة ومنوعة من الحروب، فإن المقاومة في لبنان تعرضت هي الأخرى لحروب كثيرة أبرزها حروب الفتنة وتحويل المقاومة عند قطاعات لبنانية إلى عدو، وخوض الحرب الطائفية المفتعلة، وامتدت هذه الحرب إلى أحد أهم ركائز قوة المقاومة، وهو قطاع الاتصالات والمعلومات، فكان قرار الخامس من مايو/أيار عام ،2008 القاضي بضرب شبكة اتصالات حزب الله الأرضية (اللاسلكية)، وإنهاء نفوذ المقاومة في مطار لبنان حرباً حقيقية ضد المقاومة . وإذا كانت المقاومة قد أجهضت هذه الحرب وأفشلتها، فإنها تتجدد الآن لأن السيطرة “الإسرائيلية” على قطاع الاتصالات اللاسلكية عبر شركات الاتصالات والجواسيس، أضحت كاملة حسب تأكيدات السيد حسن نصر الله في خطابه (16 يوليو/تموز 2010) بمناسبة يوم الجريح المقاوم، وانكشاف أمر الجاسوس شربل قزي من جانب الاستخبارات العسكرية اللبنانية، وما توفر من معلومات جديدة تربط بين محاولات لتوريط المقاومة وحزب الله شخصياً في جريمة اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق، عبر قرار اتهام يجرى إعداده وفبركته تحت إشراف المدعي العام في محكمة الحريري القاضي دانيال بلمار يكشف أن الحرب أضحت وشيكة سواء جاءت من الداخل في حال توجيه اتهام اغتيال الحريري إلى حزب الله، حسب توقعات الجنرال جابي اشكنازي رئيس الأركان “الإسرائيلي” الذي يبدو أنه على دراية كاملة بقرار الاتهام الذي لم يصدر بعد ما يؤكد أن المحكمة مخترقة من الخارج، وأن قرار الاتهام ليس قراراً قضائياً بقدر ما سيكون سياسياً، أو جاء من الخارج ومباشرة من “إسرائيل”، إذا خاب هذا الخيار، أي خيار المحكمة وتفجير الحرب من داخل لبنان بين الأطراف الداخلية .
المهم في هذا كله أن الحرب هي قدر لبنان، وهي قدر المقاومة، لأن لبنان والمقاومة ما زالا على العهد ولم ينحرف إدراكهما السياسي للعدو ولمصدر التهديد الرئيسي، واختبار لبنان الحقيقي لن يكون في مدى قدرة المقاومة على الصمود بل مدى قدرة الدولة والمجتمع اللبناني على النأي بنفسيهما عن مؤثرات الاختراق وعدم توفير البيئة الحاضنة للخيانة التي في مقدورها، قبل غيرها، أن تفرض الحرب البديلة لتفجير لبنان من داخله بدلاً من تعريض الجيش “الإسرائيلي” مجدداً لمحظور المخاطرة في حرب جديدة ضد المقاومة".
(*) المصدر: موقع مجلة الخليج
2010-08-19