ارشيف من :أخبار لبنانية

العمالة والبيئة الحاضنة

العمالة والبيئة الحاضنة
صحيفة "النهار" - بقلم قيصر معوض

توقف النائب السابق قيصر معوض في مقال له في صحيفة النهار بعنوان " العمالة والبيئة الحاضنة" عند أسباب ظاهرة العمالة، ونظرية البيئة الحاضنة لها، قائلا " شكّل العدد الكبير من المتعاملين الذين وقعوا في شباك الاجهزة الامنية صدمة للعديد من اللبنانيين. أكثر من مئة وخمسين والسلسلة قد لا تكون في حلقتها الاخيرة. أرقام تخولنا الدخول الى موسوعة غينيس الى جانب "الانجازات" الاخرى: فتوش، كبة، فلافل...".

وأضاف " بالطبع لسنا هنا لاطلاق الأحكام. فكل متهم بريء حتى تثبت إدانته والمحكمة وحدها لها الكلمة الفصل في هذا المجال. ما نريد التوقف عنده هو أسباب هذه الظاهرة وسبل معالجتها". مشيرا الى أن البعض " طرح البعض نظرية "البيئة الحاضنة" في تفسيره لهذه الظاهرة الخطيرة والمعيبة والتي يتوجب إجتثاثها دون هوادة او رحمة". وموضحا أن " هذه البيئة بالطبع ليست حكراً على طائفة أو مذهب أو منطقة. فالعميل لا دين له ولا طائفة. وقد أظهرت أسماء المتعاملين عدم اقتصارهم على طائفة دون أخرى". سائلا " ما الذي يفسر اذاً هذا العدد الكبير، وما هي العوامل التي ساهمت في تكوين هذه البيئة الخصبة التي دفعت البعض في هذا المسلك المشين".

1. التباس الهوية وتعدد الانتماءات

واعتبر الكاتب أنه " منذ قيام لبنان الكبير هناك التباس في الهوية اللبنانية والانتماء. بين الانتماء للوطن الجديد أو البقاء جزءاً من عالم عربي أشمل، بين القومية اللبنانية الضيقة والقومية العربية الاوسع".
وأضاف " لم تغب النعرة الطائفية ولا المذهبية في تحديد الخيارات. فكان الانتماء للطائفة وغالباً المذهب هو العنصر الحاسم والبوابة الاساسية لتحديد الانتماء في مجتمع عششت فيه العصبيات الطائفية منذ 1840، ونخرته تدخلات القناصل "حماة" هذا المذهب أو ذاك. وعند التباس الهوية يختلف تصنيف العدو والصديق أو الشقيق..".

2. تعدد الولاءات
وفيما أشار الى انه "هناك ولاءات كثيرة في وطننا. ولاء طائفي - مذهبي - مناطقي - عشائري". رأى أن "الولاء الوطني الواحد الجامع ليس دائماً في الصف الاول. النظرة الى الوطن هي نظرة المجموعة - الرعية لا نظرة المواطن الحر العاقل في وطن غابت عنه الدولة. وهنا أيضاً باختلاف الولاء تضيع الحدود بين العدو والصديق والشقيق".

3. غياب الدولة

ولفت معوض الى أن "اللبنانيين عرفوا السلطة السياسية أكثر من الدولة بمعناها الحقيقي الجامع والراعي لشؤون المواطنين". مشيرا الى "غياب الدولة التي تؤمن العلم والعمل والتقديمات الصحية والاجتماعية، وغياب الدولة التي ترعى المواطن رعاية الاب الصالح، وتحفظ له الكرامة والامان وتفتح له أبواب مستقبل واعد".
وأضاف انه "دون ذلك لا شعور بالانتماء للوطن وبالطبع لا ولاء للدولة. هذا الغياب أو على الأقل ضعف الدولة فاقم العاملين الأولين (عامل الهوية وعامل الولاء) خصوصاً أننا نعيش على فوهة بركان وسط منطقة تضج بالاحداث الجسام منذ 1947 ". مشيرا الى أن "العدو الاسرائيلي والقوى الاقليمية استغلت الى أقصى حد هذه الثغرات وغدت قضية الهوية والانتماء والولاء صاعق تفجير عند كل منعطف تاريخي في منطقتنا وعمدت قبائلنا المتناحرة الى البحث عن "حلفاء" في الخارج والاستقواء بهم على الآخرين". موضحا أن "مرحلة الحرب الأهلية وما بعدها شكلت الفترة الذهبية لتكريس مواقع "الهويات القاتلة" وكتلة مصالحها على حساب دولة لم يسمح لها بالقيامة من بين الرماد".

4. النزعة الفردية

وتوقف الكاتب في مقاله عند النزعة الأنانية والفردية وحب الظهور والسيطرة، وخصوصاً شهوة المال في مجتمع استهلاكي انقلب فيه سلّم القيم والرتب الاجتماعية وبات المركز الاجتماعي رهناً بالثروة ومظاهر الغنى وليس بما يحمله الانسان من قيم فكرية وأخلاقية ودور بنّاء في مجتمعه. مشيرا الى ان اللبناني أصبح على استعداد دائم للهاث وراء المال بأي ثمن (نظيف وغير نظيف) وإن على حساب الكرامة والشرف. في دولة لم تتحرك يوماً نياباتها العامة المالية لسؤال مسؤول او موظف من أين لك هذا؟.

وقال " لا ننسى في العامل الفردي "الايديولوجيا السياسية والعقائدية" وقد يكون أحياناً العامل الأساسي المحدد عند العديد من العملاء. هذه "الايديولوجيات" هي فكر طوائف متناحرة لحماية مصالحها، أقليات تخاف على وجودها وكينونتها، والمؤلم أن هذا الخوف الوجودي عرفته مداورة هذه الأقليات ولجأت كل واحدة حسب الظروف الى البحث عن دعم فئوي مذهبي خارج الحدود ولم يتوانَ بعضها عن الاستقواء بالعدو الاسرائيلي".
وفيما أشار الى أنه هناك اجماع على أن التعامل مع العدو الاسرائيلي كان ولم يزل الخيانة العظمى، سأل كيف نستطيع أن ندمر هذه البيئة ونجفف منابع العمالة؟، خالصا الى أن ذلك يتم أولاً وقبل كل شيء بالتخلي عن الانتماءات الضيقة والخروج من المستنقعات الطائفية والمذهبية الى رحاب الوطن الأوسع والعمل الدؤوب لترسيخ فكرة المواطنة والولاء الوطني في المدارس والجامعات ولمَ لا المعابد. معتبرا ان كتاب التاريخ الموحد ليس الحل كما يردد البعض بشكل ببغائي بل إعادة مطالعة تاريخنا بصفحاته المشرقة كما السوداء والتعلّم وأخذ العبر من الأخطاء والمنزلقات التي سلكناها جميعاً في تعاملنا في ما بيننا ورهاناتنا على الخارج، كل الخارج، واستقوائنا به. ومشيرا الى أن "القهر والخوف لا يحمي وطنا وبالطبع لا يبنيه. وأن المطلوب من الجميع الاستماع الى اخوتهم في المواطنية وأخذ هواجسهم في الاعتبار، ورفض منطق التخوين المجاني ورفض اسلوب التهديد والوعيد والعمل على إبقاء الصراع السياسي ضمن المؤسسات الشرعية".

وختم الكاتب مقاله بالقول ان " كل هذه التمنيات قد تتبخر اذا لم يترافق ذلك مع وجود دولة قوية قادرة عينها ساهرة في الداخل لا تتردد بقطع يد الفتنة واجتثاث العملاء، دولة عادلة ترعى مواطنيها رعاية الأب الصالح بالمساواة، دولة ولو مع بعض الطوباوية تفرض قوانين حول شفافية تمويل الاحزاب والجمعيات والشخصيات وكبار الموظفين. وألا نستفيق يوماً وقد أصبحت العمالة، على أشكالها أسلوب العمل السياسي في لبنان. عندها تكتمل صورة موزاييك الدويلات الطائفية والمذهبية ونصبح في عين العاصفة ومهب الريح في منطقة حبلى باحداث مصيرية".
وانتهى المقال بالسؤال هل هذه التمنيات حلم ليلة صيف؟، مجيبا " لمَ لا ونحن نعيش كوابيس صيف لهّاب يهدد بحرق ما بقي لنا من آمال في عودة الروح الى وطن والعبور الى دولة".

( نائب سابق - مسؤول العلاقات السياسية في حزب الخضر اللبناني)

2010-08-19