ارشيف من :أخبار لبنانية
الجيش للملحقين العسكريّين: الأوامر مواجـهة أي خرق إسرائيلي
مثّلت اشتباكات العديسة مناسبة لتأكيد لبنان خياريه: تلازم عمل الجيش والمقاومة، والسعي إلى تسليحه من مصادر مختلفة. أكد الخيار الأول سليمان وقائد الجيش العماد جان قهوجي، ووضع رئيس الجمهورية الخيار الثاني على نار حامية بجمع التبرّعات أو بتحديد حاجات إلى السلاح والعتاد.
رغم أن مجلس الوزراء لم يخض في جلسته الأخيرة، الأربعاء، في خطة التسليح، إلا أن المضي في هذا الهدف ـــــ وكان في جانب منه الردّ غير المباشر على تجميد لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي مساعدة عسكرية للجيش بقيمة 100 مليون دولار غداة أحداث العديسة ـــــ يشير إلى تفكير المسؤولين اللبنانيين في البحث عن مصادر شتى لتسليح الجيش، بما في ذلك السوق السوداء في حال إحجام الحكومات الغربية عن بيع لبنان العتاد الذي يحتاج إليه في مرحلة أولى وفورية لصدّ الاعتداءات الإسرائيلية، ويتركز على صواريخ أرض ـــــ جو وقاذفات صاروخية مضادة للدروع.
هكذا بدا جمع التبرّعات موازياً في أهميته لشراء السلاح من المصادر الأوفر فرصة والأقل افتعالاً للعراقيل والشروط المستعصية، من غير أن يتردّد لبنان أولاً في التوجّه إلى الدول الصديقة، فضلاً عن أن سلاحه اختلط فيه الطراز الغربي بالشرقي، ولم يعد يقتصر، على غرار عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، على السلاحين الفرنسي والأميركي دون سواهما. ومنذ عقد التسعينيات دخلت إليه كميات وفيرة من السلاح الشرقي عبر مساعدات عسكرية سورية، احتاج الجيش مجدّداً إلى ذخائرها في حرب مخيم نهر البارد عام 2007.
بيد أن اللافت، غداة إعلان سليمان خطته لتسليح الجيش من حيث يتوافر، أن اتصل ملحقون عسكريون في دول أوروبية شرقية بالجيش، مبدين الاستعداد لتقديم عروض بأسعار مخفوضة.
وإذ تبدو للجيش موازنته غير كافية نظراً إلى إنفاق معظمها على رواتب العسكريين والتغذية، واحياناً صيانة الثكن والآليات، وهي تستفيد في بعض الأحيان من هبات عربية، بيد أنه يجد الحاجة ملحة إلى رفع أرقام هذه الموازنة كي توفر أوسع غطاء لشراء السلاح والعتاد، تدخل في نطاقها فكرة رئيس الجمهورية جمع تبرّعات للمؤسسة العسكرية، والسعي لدى الدول الصديقة لشراء السلاح منها، أو في أحسن الأحوال من دول تبيعه تبعاً لقواعد السوق السوداء. إذ عندما يجد الجيش حاجة إلى التسلح، لا تبدو السوق السوداء مصدر إرباك له.
لكن الأمر يبقى منوطاً بالسلطة السياسية صاحبة القرار في تسليحه، والأكثر اطلاعاً على أن تسليح الجيش اللبناني أو عدم تسليحه هو، في نهاية المطاف، قرار سياسي. أسرّ بذلك مسؤول عسكري عربي كبير لمسؤول عسكري لبناني.
لم يقتصر رد فعل الجيش على أحداث العديسة والاعتداءات الإسرائيلية عليه على هذا الجانب فحسب، وهو تأكيد تمسّكه بالدفاع عن السيادة الوطنية واعتبار المقاومة قوة إضافية في المواجهة والسعي إلى التسلح، بل مضى في حملة دبلوماسية تشبّثاً بوجهة نظره ممّا حدث، وكان قد اقترن بأحداث العديسة موقف مجلس النواب الأميركي، في ردود فعل لاحقة على ما جرى عند الخط الأزرق، وتبنّي دول كبرى تقريراً أعدّته لجنة تحقيق منبثقة من اليونيفيل، قالت إن الاشتباكات دارت جنوبي الخط الأزرق وفي نطاق الأراضي الإسرائيلية، سرعان ما أيّدت واشنطن هذا الرأي، وعزّزه المنادون بتجميد المساعدات العسكرية للجيش اللبناني في مجلس النواب الأميركي، وكان هؤلاء قد انطلقوا في طلب التجميد من تساؤلات عن مغزى علاقة الجيش بحزب الله في ضوء مواقف المسؤولين اللبنانيين، وكذلك قيادة الجيش، من دعم المقاومة والتمسّك بحقها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وانتهاك الخط الأزرق والقرار 1701.
بعد ثلاثة أيام على أحداث العديسة، في 6 آب، استدعى مدير الاستخبارات العميد الركن إدمون فاضل الملحقين العسكريين العرب والأجانب المعتمدين في لبنان، وعددهم 25 ضابطاً، وشرح لهم وجهة نظر الجيش ممّا حدث عند الخط الأزرق، وأورد المعطيات الآتية:
1 ـــــ الساعة 7.40 أبلغ الإسرائيليون إلى اليونيفيل أنهم يريدون اقتلاع شجرة على الخط التقني، وفي منطقة متنازع عليها. الساعة 8.00 أقدموا على اقتلاعها من دون انتظار جواب اليونيفيل، مع أن الأمر لم يكن له طابع الفوري، ويحتمل الانتظار، وكان في الإمكان معالجته بعد إجراء التنسيق المطلوب مع القوات الدولية. وللتذكير فقط، انتظر الجانب اللبناني شهرين للحصول على جواب يتعلق بإقامة رصيف في كفركلا كي يبدأ العمل به، لكن الإسرائيليين بدأوا في العديسة التنفيذ بعد أقل من نصف ساعة.
2 ـــــ من المتعارف عليه وفق القرار 1701، في النقاط المتنازع عليها، لا يحق للطرفين اللبناني والإسرائيلي التصرف بها، وتملك اليونيفيل وحدها حرية الحركة والتصرّف. وقد أعلنت الدولة والجيش في كل المناسبات دعم القرار 1701 وعدم السماح لأحد بتهديد أمن المنطقة الحدودية، أو إطلاق الصواريخ في اتجاه الجانب الآخر من الحدود. ويقوم الجيش بكل ما في وسعه للحؤول دون حصولها.
3 ـــــ لم يكن الحادث ليقع لو ترك الإسرائيليون لليونيفيل المبادرة لمعالجة الموضوع، وهذا كان مطلب لبنان. ودليل ذلك أنه في اليوم التالي عندما أوكل إلى اليونيفيل الإشراف على نزع الشجرة بعد التنسيق معها، أزيلت الشجرة ولم يحصل أي تطور أمني.
4 ـــــ إن حرص الجيش على إعطاء دور لليونيفيل هو لمنع تفلّت الأوضاع وحصول خروق للقرار 1701، ونحن نصر على التنسيق معها، بينما لا يسمح الطرف الإسرائيلي لها بممارسة دورها، وهو يتجاوزها دائماً.
5 ـــــ إن تجاوز إسرائيل القوات الدولية يضع المنطقة أمام احتمالات غير محسوبة، وما حصل في العديسة مثال على أحد هذه الاحتمالات. وقد أعلن الجيش أكثر من مرة أنه ليس في وارد الهجوم، بل مهمته الدفاع عن النفس والأرض. في المقابل، لا يوفر الإسرائيليون فرصة إلا يطلقون التهديدات ضد الجيش والدولة ومؤسساتها بالتدمير إذا أُطلق صاروخ في اتجاه الحدود. وهذه التهديدات المستمرة جعلت الجيش والشعب في حالة استنفار وجهوزية دائمة.
6 ـــــ نؤكد أنه ليس هناك قرار لدى الجيش بالتصعيد، لأن الدولة ملتزمة القرار 1701، الذي ينص على وقف الأعمال
العدائية. لكن الطرف الإسرائيلي يخرق القرار باستمرار، جواً وبراً. وعندما اتُّفق على وقف النار الساعة 14.45 التزمه الجيش اللبناني وباشر نقل العسكريين الجرحى، لكن الجيش الإسرائيلي خرق الاتفاق وأطلق قذائف في اتجاه مراكز الجيش والعديسة، ما أدى إلى وقوع إصابات.
7 ـــــ لجميع الأطراف مصلحة في استتباب الأمن عند جانبي الحدود، وهذا ما يحرص عليه الجيش اللبناني بالتعاون مع اليونيفيل. لكن القوات الإسرائيلية من خلال استهدافها الجيش اللبناني، كأنها تقول للسكان في الجنوب إنه غير قادر على حمايتهم وعليهم تسلّم زمام المبادرة، ومن شأن ذلك خروج الأوضاع عن السيطرة عليها ودخول أطراف آخرين على الخط.
8 ـــــ نصرّ على التنسيق مع القوات الدولية لتطبيق القرار 1701، ونشدد على ذلك في لقاءاتنا مع قيادتها، وفي نشراتنا الإعلامية. لكن التطبيق الفعلي للقرار لا يتم إذا كان الطرف الثالث المعني أيضاً بالتطبيق، وهو إسرائيل، لا يلتزمه، ويخرقه يومياً.
9 ـــــ إن الحادث الذي حصل محصور في الزمان والمكان، والحلّ الوحيد لعدم تكراره تولّي القوات الدولية معالجة أي تطور في النقاط المتنازع عليها، وعدم تفرّد أي جهة بالقيام بأي خطوة من شأنها توتير الأوضاع. وبالنسبة إلى اللبنانيين، فإن أي حركة إسرائيلية في اتجاه الأراضي اللبنانية، سواء في النقاط المتنازع عليها، أو عبر الخط الأزرق، خرق إسرائيلي ينبغي التعامل معه على هذا الأساس. والجيش اللبناني مطالب بالتصدّي الفوري لأي خرق من هذا النوع. من هنا نشدّد على الضغط على إسرائيل لوقف خروقها، ووقف تجاوزها القوات الدولية حفاظاً على الأمن والسلم على جانبي الحدود، والتزاماً بالقرار 1701.
10 ـــــ بعد الخرق الإسرائيلي وتصدّي الجيش له، شنت وسائل الإعلام الإسرائيلية، والقادة السياسيون والعسكريون في إسرائيل، حملة على الجيش اللبناني، وحمّلوه مسؤولية ما جرى، حتى إن البعض منهم حرّض الدول الصديقة على وقف دعم الجيش اللبناني. وهو يطلق تهديدات يومية للجيش وضباطه، وكان آخرها ما ورد على لسان أيالون وبن أليعازر، اللذين هدّدا بالانتقام من القوة المتمركزة في العديسة إذا لم تتخذ قيادة الجيش إجراءات في حقها، وهذا نعدّه تهديداً خطيراً وتدخلاً في عمل الجيش. لكن الداخل اللبناني شهد إجماعاً على ما قام به الجيش. ولا يخفى على الجميع في الداخل والخارج أن إضعاف الجيش لن يخدم الاستقرار ولا تطبيق القرار 1701.
11 ـــــ أخيراً، إذا كان اتهام الجيش اللبناني بالبدء بإطلاق النار، فإن الجيش الإسرائيلي كان البادئ بالخرق. إن التعليمات الدائمة للوحدات العسكرية هي الدفاع عن الحدود، والتصدي لأي اختراق معاد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018