ارشيف من :أخبار لبنانية
ما هو مرعب في خطاب السيد!
محمد الاسعد - السفير
لمست شيئاً مسكوتاً عنه في كل هذا الهرج الاعلامي، أعني التعليقات التي صدرت، سواء قبل مؤتمر السيد حسن نصر الله الأخير او بعده، التعليقات المشككة في صحة قرائنه التي عرضها او المستخفة بقيمة الإشارات التي أطلقها.
ما يقوله هذا الهرج واضح، ولم يفت أحدا من المتابعين، انه منطق خبره كل من سمع تلك التصريحات: منطق «عنزة ولو طارت».
أي أن السواد الجاثم الذي ظل هذا الفريق طيلة خمس سنوات تقريباً يردد بصوت واحد انه «عنزة»، حتى بعد ان طار مع تحرير الضباط الأربعة، وها هو يطير ويرفرف بجناحيه مرة أخرى، بل ويبيض أيضاً، بعد مؤتمر السيد، سيظل «عنزة».
فلماذا هذا الاصرار غير العقلاني؟ وقبل ذلك لماذا هذا التداعي غير المسبوق الى بيروت؟ ولماذا هذا التكامل مع الخطاب الصهيوني في رد كل تهمة عنه وعن وقائع تجسسه واغتيالاته الموثقة؟
يقال دائماً، وراء الأكمة ما وراءها، لكن ها هنا شيء مختلف. ها هنا مسكوت عنه وراء الاستخفاف والتسخيف والعبث الظاهر في أقوال ومماحكات هؤلاء. والمسكوت عنه رعب خفي من أمرين.
الأول، انكشاف خيوط كل هذا الفيلم الذي بدا منذ صدور قرار التحالف الغربي الرقم 1559 في 2 أيلول 2004 رغم أنف الحكومة اللبنانية وميثاق الأمم المتحدة، ثم استكماله باغتيال الشهيد حقاً رفيق الحريري في 14 شباط 2005، فاستيلاء ما يسمى «قوى 14 آذار» على السلطة تحت عجااج اتهام سوريا والضباط الأربعة.. ثم الحرب الصهيونية على المقاومة في تموز 2006، وحتى بداية انحسار العجاج والغبار تحت وقع ضربات وتفاهمات محسوبة ودقيقة من المقاومة والقوى الوطنية الأخرى، وفشل أصحاب الفيلم، المخرجين والممثلين والمشاهدين المتحمسين في تحويل لبنان البحر الى مجرد جدول ضئيل يصب في المستنقع الصهيوني، وبالتالي انكشاف ما يمكن ان أسميه «همبكة» سياسية سخيفة، وصناعها، وما يعنيه هذا على صعيد وضعهم على الأقل في احجامهم الحقيقية ومن دون أقنعة في مرحلة لاحقة تأجل طرح أوراقها، ليس تهيباً من مفبركي شهادات الزور ومضيفي الجنود الصهاينة المهزومين، بل بناء على تعهد أرغم عليه كبيرهم الذي لعب دوراً أساسياً في تمويل اتهام سوريا والضباط الأربعة وفبركتها بأن يتراجع عن فبركته الثانية، أي اتهام «حزب الله» بتهمة يعرف هو قبل غيره انها أكذوبة. الأكثر إرعاباً في هذا الجانب بالنسبة لهؤلاء ولكبيرهم ليس ما لمح إليه السيد فقط، بل ما لم يقله بعد.
الثاني، اتضاح مدى قدرات «حزب الله» أمام كل ذي بصر وبصيرة؛ قدرات استخبارية وعسكرية وسياسية وتنظيمية، بما لا يدع مجالاً للشك ان هذه القوة المقاومة ذات مستوى معد لمواجهة ما لدى العدو الصهيوني والتحالف الغربي، وليس لمواجهة ميليشيا زواريب. ويبدو ان هؤلاء لم يدركوا إلا إدراكاً مضطرباً هذه الحقيقة، حقيقة ان هذه مقاومة شعب يواجه أعتى القوى الاستعمارية في منطقتنا ويردعها. كان عليهم بالطبع ان يدركوا هذه الحقيقة مع تحرير الجنوب في العام 2000، ومع انتصار تموز في العام 2006، وأن يراجعوا حساباتهم لو كانوا يعقلون، لكن يبدو ان اصحاب لوثة العنزة، لم يعودوا ينتمون لوقائع تند عن افهامهم، وزمن جديد مختلف كلياً عن الزمن الذي وعدتهم به دوائر الاستخبارات والمتصلون بها.
هذان العنصران، الأول والثاني، يثيران رعباً مسكوتاً عنه في نفوسهم يعبر عنه هؤلاء بطريقتين: إما بطريقة ذلك الذي يصفر وهو يسير ليلاً موهماً نفسه انه متماسك بينما ترتجف أعماقه خوفاً، وإما بطريقة تلك السيارة التي تردت في الوادي وظل زمورها يعمل. وفي كلتا الحالين من المشكوك فيه ان يذهب أصحاب لوثة العنزة من تلقاء أنفسهم الى عيادات ومستشفيات الطب النفسي. فالمرضى النفسيون يصرون عادة على انهم أسوياء رغم الفوضى التي يوقعونها في البيت والشارع وأماكن العمل وفي أنفسهم، ورغم تهافت هذيانهم وتصوراتهم الشاذة. قد نجد بعضهم يدفع بعضه الآخر الى الكف عن الهلوسة او استخدام المهدئات، كما حدث بعد ان نطق «بلمار»، إلا ان هناك حالات مستعصية تختبئ وراء جنون عظمة فارغة لا ينفع معها إلا ارسال أصحابها الى العيادات والمستشفيات بالقوة إذا لزم الأمر.
لقد تفاقمت هذه الحالات في ضوء خمس سنوات من فيلم خيالي آمنوا أمام شاشته بأن كائنات الفضاء الصهيونية قادرة على صناعة المعجزات، وان الغرب الاستعماري لا يزال هو ذاته غرب القرون الغابرة الذي لا تغيب عن مستعمراته الشمس، وتحولت هذه الحالات الى أمراض مزمنة، ليس بين بعض المتطفلين على السياسة والزعامة في لبنان فحسب، بل لدى عدد من أمثالهم في أكثر من زاروب عربي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018