ارشيف من :أخبار لبنانية

فصل السلطات وشهود الزور

فصل السلطات وشهود الزور

احمد زين - السفير

استبق وزير حزبي جلسة مجلس الوزراء الأخيرة باجتهاد أعلن فيه ان مجلس الوزراء لا يستطيع الطلب من القضاء المبادرة لمحاكمة شهود الزور في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. واستند الوزير الشاب في هذا الاجتهاد لمبدأ الفصل بين السلطات واعتباره ان السلطة القضائية مستقلة.

لا بد أولاً من تثمين موقف الوزير من الناحية الشكلية لأن الذين يبنون آراءهم من جماعة «ميليشيا السياسيين» على المبادئ الدستورية قلة وقد يكونون نادرين وكان الوزير في اجتهاد من هؤلاء.

ومبدأ الفصل بين السلطات من المبادئ الأساسية في الأنظمة البرلمانية الديموقراطية ان لم يكن هو المبدأ الأساسي والدستور اللبناني المبني على اتفاق الطائف اعترف بذلك، فنص في مقدمته وفي بند خاص على ان النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات ولم يتوقف عند إشهار المبدأ، فأضاف إليه عبارة «وتوازنها وتعاونها» مع الإشارة إلى ان المبدأ نفسه يعني ضمناً هذه الإضافة وما إقدام المشترع على تأكيدها في النص إلا لرفض الفصل الحاد بين السلطات وإعطاء قوة للتعاون بينها.

ولهذا نرى ان مجلس النواب يولي نفسه سلطات قضائية استثنائية أحياناً ونرى ان القضاء مثلاً يحتاج إلى موافقة مجلس النواب للنظر في بعض القضايا وغير ذلك من النصوص التي تكسر حدة الفصل. وبهذا المعنى فإن قول الوزير وان كان صحيحاً من حيث المبدأ، لأن القضية المطروحة لا تجد تغطية لها في النص، لكنه أخذ بمبدأ الفصل الحاد من دون الالتفات إلى حيثيات ووقائع ومبادئ تدخل أساساً في رزمة المبادئ الأساسية التي تتفوق بقوتها على المبادئ الدستورية أحياناً.

فقضية شهود الزور لم تعد اتهاماً يمكن ان يكون صحيحاً أم لا بعد ان اعترف أصحاب العلاقة بما أقدموا عليه على رؤوس الأشهاد. وشهادة هؤلاء ما زالت الأساس لتقليب البلاد على البلاد وأنتجت وما تزال تداعيات أقل ما يقال فيها انها خطيرة على المستوى الوطني العام. وإضافة إلى ذلك فإن هؤلاء الشهود حاولوا تجهيل من ارتكب جريمة العصر وبهذا ولأسباب كثيرة غيرها فإن المسألة ترتبط مباشرة بقضية أو قضايا وطنية كبرى وبمصلحة الدولة والأمة والبلاد والعباد، وفي مثل هذه الحالات فإن الأصول والأعراف والمبادئ الأساسية العامة تفرض ان تكون المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار.

نعم ان الفصل بين السلطات يصبح غير نافذ الإجراء في مثل حالة شهود الزور. فمجلس الوزراء المنوط به السلطة الإجرائية ووضع السياسة العامة للدولة والسهر على تنفيذ القوانين والإشراف على كل أجهزة الدولة بلا استثناء من حقه، لا بل من واجبه ان يرى ان هناك شهود زور في قضية وطنية كبرى دفع الكثيرون ولبنان ثمن شهادتهم غالياً جداً وما زالوا يسرحون ويمرحون والقضاء لم يتحرك لطرح سؤال عليهم لأي سبب ومنه ان أصول العمل في المحكمة الدولية، ولا نقول بقانون هذه المحكمة، لا يجيز ذلك.
 
فحتى ان كان السبب الذي نجهله موضوعياً فإن على مجلس الوزراء إيجاد طريقة قانونية، إذا كان القانون عائقاً لمحاكمة شهود الزور وإذا لم يكن من سبب يصبح على مجلس الوزراء ان يقوم بالدور المطلوب منه بحق كل من يتبين انه يساهم في ان يبقى الشهود خارج القضبان وقد يكون في الإقدام على ذلك سبيلاً لكشف حقيقة يترقبها اللبنانيون بفارغ صبر. وبهذا المعنى يصبح على الجميع وفي مقدمتهم مجلس الوزراء ان يتجاهلوا مبدأ الفصل بين السلطات واعتبار مصلحة الأمة والوطن فوق أي اعتبار آخر خصوصاً وان تجاهل هذا المبدأ وغيره من المبادئ الدستورية قد أصبح هو العادة، ولهذا ثمّنا شكل اجتهاد معالي الوزير وان كسب في اجتهاده هذا أجراً واحداً وليس أجرين.


2010-08-21