ارشيف من :أخبار لبنانية

معركة حزب الله لتحرير لبنان من الانتداب الدولي

 معركة حزب الله لتحرير لبنان من الانتداب الدولي

قاسم عز الدين - السفير

في رده على سؤال أثناء مؤتمر عرض قرائن اتهام إسرائيل باغتيال الرئيس رفيق الحريري، أجاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، أن الحزب يسعى إلى مواجهة تشويه صورة المقاومة أمام الرأي العام، تمهيداً لإضعافها والانقضاض عليها. تضمّن السؤال ما يعرفه الجميع حول الاصطفاف العصبوي الغريزي في انقسام الرأي العام إلى ضفتين، لا تأخذان بالقرائن والمعطيات والدلالات بل تأخذان بالسجالات والتأويلات والمناكفات.

ولم يتضمن الجواب ما يمكن التعويل عليه في تأثير القرائن على جمهور المقتنعين أبداً «عنزة ولو طارت». وبالفعل صدرت التعليقات في اليوم التالي عن «خبراء مرموقين» في علم الغيب تؤكد «أن القرائن واهية» وتؤكد ما كانت قد أكدته تعليقاتهم من «توقعات» قبل عرض القرائن، وتؤكد كذلك «ملء ثقتهم بالمحكمة الدولية».

فالحزب يتعرّض بطبيعة الحال إلى حرب إعلامية لتشويه صورة المقاومة أمام الرأي العام المحلي والعربي والعالمي، في سياق التحضير إلى حرب عسكرية إذا استكملت إسرائيل عدّتها. ومن الطبيعي أن يخوض الحزب حرب رموز الصورة على مرأى الرأي العام ومسمعه.
 
لكن الخوف أن تكون معركة كسب الرأي العام في حرب الرموز والصورة محل المعركة السياسية التي يتجنبها الحزب. وأن لا يضع في حساباته غير معركة كسب الرأي العام من جهة، والاستعداد لكسب الحرب العسكرية من جهة أخرى. فقد ذكر الأمين العام في مؤتمره الصحافي أنه يضع القرائن ومعلومات أخرى في حوزة الحزب، بين يدي هيئة تحقيق جدية «إذا قامت الحكومة اللبنانية بتشكيل هيئة للتحقيق».

وذكر أيضاً، كما ذكر مسؤولون في الحزب، أن المقاومة لا تطلب شيئاً من الرئيس سعد الحريري ولا تطلب شيئاً من سواه... وفي هذا يتجنّب الحزب خوض معركة سياسية في الحكومة اللبنانية من أجل أن تتحمل السلطة ومؤسسات الدولة أبسط مسؤوليتها في تحرير القضاء اللبناني من إمرة مجلس الدول، التي يحق لها الاستناد إلى السلاح النووي في محاكمة العالم.

والحقيقة أن المقاومة لا تتعرض فقط إلى حرب تشويه صورتها، بل هي تعرضت وتتعرض اليوم إلى حرب سياسية، إحدى ملفاتها، تشويه صورة المقاومة والملفات الأخرى أعقد وأشكل. فقد بدأت هذه الحرب السياسية في انقلاب من أحشاء السلطة على السلطة، وعبورها من تحت دلف الوصاية السورية إلى تحت مزراب انتداب «المجتمع الدولي».
 
وهذا الانقلاب هو ثاني انقلاب في المنطقة العربية من داخل السلطة على السلطة بعد انقلاب «سلطة الانفتاح» في مصر على «سلطة الاستبداد» إثر «حرب العبور» عام 73. أو هو ثالث انقلاب إذا أخذنا بالاعتبار انقلاب السلطة الفلسطينية على منظمة التحرير. ولم يكن أي منها، شأناً داخلياً لمعالجة أي من الإشكالات التي ركب عليها الانقلاب، على ما دلّت التجربة الطويلة. بل كان حرباً سياسية خاضها «المجتمع الدولي» في رؤية شاملة من الكوني إلى المحلي وفي إجراءات عملية، وفي الإشراف على قوى انقلابية سياسية واجتماعية وثقافية وروحية... تلبي عودة انتداب «المجتمع الدولي» طموحاتها ومصالحها في سياسات أهمها:
أ ــ أن طريق العبور إلى «المجتمع الدولي» تمر في حماية أمن إسرائيل ذهاباً إلى أي عاصمة «دولية» وإياباً إلى أي عاصمة عربية.

ب ــ تقديس الانقلابيين احتلال دول ومؤسسات وشركات «المجتمع الدولي» الفراغ، الذي تخليه لها السلطات العربية في السياسة الدفاعية وفي السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية ــ الاجتماعية.

ج ــ استجلابهم زحف «المجتمع الدولي» على مصالح الدولة وحقوق المجتمعات في حزمة واحدة متراصة متّسقة من الإجراءات: على مستوى الأمن الوطني في إلغاء حق الدفاع و«نبذ العنف» في مواجهة عنف الاحتلال، وعلى مستوى وضع اليد في «التحالف مع الدول الصديقة»، وعلى مستوى الأمن الاجتماعي في «الإصلاحات الهيكلية» حسب وصايا «المؤسسات الدولية»، بحيث يطغى الاهتراء على الخراب. وعلى الرغم من كل ذلك لم يكن نجاح أي انقلاب منها محتماً. فما ساعد على نجاحه ضعف رؤى القوى المتضررة من الانقلاب وفشلها في الحرب السياسية مقارنة مع آليات عمل «المجتمع الدولي» لا سيما في ترابط مصالح الدولة وحقوق الفئات الاجتماعية وحق المقاومة، في حزمة واحدة متراصة متّسقة.

في هذا السياق لم ينجح عبور السلطة اللبنانية من الوصاية السورية إلى انتداب «المجتمع الدولي»، في إلغاء حق الدفاع بسبب عجز العنف الإسرائيلي وعنف «المجتمع الدولي» عن هزيمة المقاومة. لكنه نجح إلى حد بعيد رغم الحواجز، في الإجراءات الأخرى على مستوى الأمن الاجتماعي وعلى مستوى وضع اليد. وقد نجح في إنشاء «محكمة دولية» خاصة لا مثيل لها ولا شبيه في مسألتين على الأقل: 1ــ في أنها «سيدة نفسها» لكنها تحت سلطة الفصل السابع في مجلس الدول التي تحكم العالم بمكيالين ولا يحق لأحد أن يحاكمها 2ــ أنها على غرار المؤسسات الدولية الأخرى لا تشتبه «بالدول المتحضّرة» في فعل الإرهاب والإجرام ولا يحق لغير ملائكة الدول المتحضرة مراقبتها.
 
وفي هذا الأمر خاض «المجتمع الدولي» معركة سياسية لوضع يده على القضاء اللبناني بدعوى «كشف الحقيقة» واتخذ في ذلك إجراءات عملية على الصعيدين الدولي والمحلي. لكنه غطى وضع اليد في تلهّي الرأي العام بأقاويل جاذبة لمواهب استنفار الغرائز منها: أن هذه المحكمة بالذات «تقنية وفنّية» رغم أنها تنظر في جريمة اغتيال سياسي بحجم اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
 
ورغم أن الجرائم السياسية (وحتى الجرائم الكبرى غير السياسية) تخضع دوماً في بلدان «المجتمع الدولي» إلى إمرة وزراء العدل في حماية «اسرار الدولة» وحماية «مصالح الدولة» التي تعلو على كل القوانين. ومنها أيضاً أن هذه المحكمة بالذات منزّهة عن تأثير مخابرات دول «المجتمع الدولي» وأن هذه الأجهزة تقدم خدماتها وتقنياتها لوجه الله حتى وإن تضاربت مع مصالح دولها.... وقد تجنّب حزب الله المعركة السياسية في وضع يد «المجتمع الدولي» على القضاء اللبناني، وحرمانه من أي سلطة في المحكمة الدولية يمكن أن تصحح مسارها أو حتى مراقبتها.

وخاض محل المعركة السياسية في الحكومة معركة كسب الرأي العام في تسجيل المواقف وردود الفعل. وذلك على الرغم من أن الحزب درس الملف في عمقه واستعان بوجهات نظر وخبرات دولية وعربية عالية المسؤولية في المحاكم الدولية. وأعدّ مقترحات ملموسة في حفظ حق القضاء اللبناني أثناء التحقيق الدولي وبعده. وفي أغلب الظن لو خاض الحزب المعركة السياسية في حينها دفاعاً عن حق القضاء اللبناني، لما شهدنا بعدها ما شهدناه في أحداث أيار، ولما وضعنا اليوم أيدينا على قلوبنا خوفاً من زلزال أعدّه «المجتمع الدولي» في محكمة هو سيدها الوحيد.

لقد أعدّ «المجتمع الدولي» قراره الظني في اتهام عناصر من المقاومة بالإجرام «لصالح جهة أجنبية». ونشرت أجهزة المخابرات القرار الظني في «دير شبيغل» لتهيئة الرأي العام ولإبلاغ المقاومة وجس نبضها، فالمقاومة لا يتم تبليغها «في ورقة جلب مع عنصرين من الدرك». وعلى الرغم من ذلك تعاون الحزب مع المحكمة في سماع أقوال الشهود خوفاً على التهدئة من الأقاويل، وما كان عليه أن يفعل بل كان الحري به أن يصر على إنشاء هيئة تحقيق لبنانية تقدم أقوال الشهود إلى التحقيق الدولي إذا ارتأت ذلك.

وأجرى الحزب تحقيقات داخلية صارمة أوصلته إلى معطيات تحتاج إلى هيئة تحقيق لبنانيه لاستكمالها. وفي آخر المطاف أخذ الحزب المبادرة في انتقاله من ردود الفعل إلى الفعل في اتهام إسرائيل. لكن هذا الاتهام المستند إلى قرائن وإلى معطيات أخرى ليس له مسار وآليات تحقيق، ولا يمكن للحزب أن يقوم بها ولا أن يأمل من المحكمة الدولية تصويب مسار التحقيق. فالمؤسسات الدولية لا تستطيع أن تحقق جدياً في اتهام إسرائيل أو أي من دول «المجتمع الدولي» بسبب شرعة «مصالح الدولة» في مجلس الدول النووية، وهي شرعة تعلو على كل القوانين الدولية، ومن يتوهم خلاف ذلك يتنعّم في أوهامه وحده.

وفي المقابل لا يستطيع الحزب أن يقبل المساومة على الحقيقة والتسويف بدعوى الحفاظ على «السلم الأهلي ومصلحة البلد». والحال، لا مفر من خوض معركة سياسية داخل الحكومة لتحرير القضاء اللبناني وإنشاء هيئة تحقيق لبنانية تستعيد حقها في العمل الحر بموازاة المحكمة الدولية، وتستعيد حقها بمراقبة التحقيقات الدولية أسوة بكل أجهزة مخابرات دول «المجتمع الدولي». فالقوانين المحلية والدولية لا تحرم القضاء اللبناني من تحمل مسؤوليته في استجواب شهود الزور والجواسيس، وفي التحقيق مع كل من يدلي بمعلومات أو حتى تحليلات من نوع تبسيط اعتداء اسرائيل على الأراضي اللبنانية بالتصوير وغيره، وفي الملاحقة والادّعاء في المحاكم الدولية على الرغم من جريمة الحكومة في وضعه تحت الانتداب الدولي.

ولا مفر أيضاً من إعلان الحكومة ورئيسها أن تطابق القرار الظني، في حال صدوره، مع رواية «ديرشبيغل» دليل على عدم صدقية محكمة يصدر قرارها الظني في الإعلام... ودليل على أن أجهزة المخابرات سرّبت القرار إذا لم تكن المحكمة نفسها قد سربته. وأمام هذه المسؤولية لا يحق لوزراء حزب الله والوزراء الآخرين أن يتجنّبوا معركة تحرير القضاء ومؤسسات الدولة من إمرة سلطة الانتداب بدعوى «المهادنة» أو اعتماداً على «السين سين» في إدارة الحرب السياسية.


2010-08-21