ارشيف من :أخبار لبنانية

فاتورة "بوشهر" والحصـــاد الإيـــرانـــي الثميــن

فاتورة "بوشهر" والحصـــاد الإيـــرانـــي الثميــن

صحيفة "الوطن" السورية - فيصل سعد

احتفلت إيران أمس الحادي والعشرين من الشهر الجاري بإطلاق عمل محطة "بوشهر" النووية لتوليد الطاقة الكهربائية. ما يضعها على قائمة الدول النووية العشر في العالم، عضواً آخر جديداً في النادي العالمي للعمل والإنتاج بالوقود النووي. الأمر الذي سوف يستتبع، بالضرورة الموضوعية، نقلة نوعية في حقل الاقتصاد وحقول السياسة والثقافة وكذلك العلوم والتكنولوجيا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وبالفعل ينتظر الخبراء وأصحاب القرار الإيرانيون إنجاز ثورة كبرى على مستوى قطاع الصناعة وباقي قطاعات الاقتصاد الوطني نتيجة اعتماد الطاقة النووية في دوران عجلة المعامل والمصانع الوطنية، ما دامت الطاقة هي عصب الاقتصاد وسر التقدم والرفاه الاجتماعي العام. ما يضمن، إلى حد بعيد، أسباب اللحاق السريع بركب البلدان الأخرى الصاعدة تلك التي قطعت أشواطاّ بعيدة على سكة التقدم التاريخي السريعة ودخلت مضمار السباق إلى زعامة العالم جنباً إلى جنب بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان (كروسيا "الجديدة" والصين وكوريا الجنوبية والهند والبرازيل والخ..).

ويأتي تدشين المحطة الإيرانية المذكورة، ومن هنا بعدها الإستراتيجي ولونها الثوري، في وقت يتوقع فيه أصحاب الشأن والاختصاص بنتيجة دراسات ميدانية قاموا بها في المنطقة وخارجها جفاف آبار النفط والغاز في غضون عقود قليلة لن تتجاوز العقدين في أميركا والبلدان الغربية الأخرى والأربعين عاماً في منطقة الخليج وعموم بلدان منطقة الشرق الأوسط. الأمر الذي سوف يفرز، بالضرورة، الحاجة الماسة والمصيرية لاقتناء واعتماد الطاقة النووية لدوران عجلة الاقتصاد الوطني وتسيير أمور الحياة اليومية والاقتصاد المنزلي.

وعلى هذا النحو يبدو واضحاً حجم ونوع الحصاد الإيراني الثمين من جراء دخول محطة "بوشهر" حقل الإنتاج الصناعي والزراعي وميادين الخدمات المتعددة الأخرى. ولسوف يغدو ذلك أكثر وضوحاً مع مضي الأيام والأعوام، وإن غداً لناظره قريب.

هذا من جانب، وأما على الجانب الآخر، فقد دفع، ولا يزال، وربما سيبقى يدفع لزمن غير قصير، الشعب الإيراني الصديق فاتورة حصاده النووي وضريبة نجاحه العلمي وتفوّقه التكنولوجي. وقد أظهرت السنوات الماضية، ولاسيما منها العشر الأخيرة، على مرأى ومسمع العالم برمته، المبلغ السياسي الهائل والسعر الاقتصادي الباهظ اللذين تكبدتهما إيران من جراء إطلاق مشروعها النووي السلمي والمضي فيه بثبات وعناد ورباطة جأش وإيمان قلّ نظيرهما في التاريخ الحديث والمعاصر.

فعلى الطرف السياسي عانى الإيرانيون أهوال، وربما آلام، سياسات العزل والقطيعة الدولية، والإقليمية في حالات غير نادرة، تلك التي رسمتها وقادت عمليات تنفيذها قوى البغي والطغيان الحاكمة عبر العالم صانعة القرار السياسي على المستوى الدولي والإقليمي. إضافة إلى محاولاتها اللعب الخبيث بورقة التركيبة الاجتماعية المتنوعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبصورة خاصة خلال وغداة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فما انفكت تلك القوى، وفي مقدمتها الإدارة الأميركية، لحظة واحدة عن التهديد والوعيد بشن حرب كونية ضد إيران إن هي مضت في مشروع إنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية، أو العسكرية على حد المزاعم الغربية اللانزيهة وغير البريئة.

وعلى الطرف الاقتصادي، فقد باتت العقوبات الاقتصادية المضروبة على إيران، من كل حدب وصوب في العالم، عنواناً بارزاً على صدر الصفحة الأولى للصحافة اليومية الموزعة حول العالم وجزءاّ رئيساً من الحديث اليومي للدول والأفراد في المنطقة وخارجها. وقد بلغت قيمة الفاتورة التي سدّدها الأصدقاء الإيرانيون، حتى حينه، من جرّاء تلك العقوبات الظالمة وغير الأخلاقية حدّاً لم يتوقع طغاة العصر الحاكمون اليوم عواصم النظام العالمي الجائر صبر الشعب الإيراني وقدرته على تحمّل أعبائه واستطاعته الفائقة على التماسك الوطني في مواجهته وقهره.

والحال، ليست قضية "الملف النووي الإيراني" ومرفقاته من تهديد بالحرب وحصار البلاد وتجويع العباد، قضية خلاف عقائدي من أي لون اجتماعي بين شرق مسلم وغرب مسيحي، تبعاً لمفردات صموئيل هنتنغوتن وأمثاله من أصحاب كتب صراع الأديان والحضارات، وإنما هي مسألة مادية اقتصادية، بالدرجة الأولى، ينبغي شرحها بأسباب بنيوية/ هيكلية على هذه الدرجة. ذلك أن الرأسمالية الغربية لم تعد، منذ أواخر القرن التاسع عشر، مجرد رأسمالية محلية أو قومية تتطور بآلية العنف البنيوي، وإنما غدت إمبريالية (بالمفهوم الرأسمالي للكلمة وليس بمفهومها السياسي المبتذل) تستقطب العالم، بآلية العنف العسكري، بين شمال غني متطور وجنوب فقير متخلف ضمن نظام عالمي واحد (تشغل فيه بلدان الشمال مواقعه المركزية بينما تتموقع بلدان الجنوب على محيطه أو أطرافه قرى ريفية بعيدة عن عواصم صنع القرار الدولي)، وتحفظ نفسها لنفسها، كرأسمالية عالمية استقطابية، باعتماد آلة الحرب العسكرية للحيلولة دون تطور أي من بلدان أطراف النظام الرأسمالي العالمي في اتجاه الانتقال إلى مواقع مراكزه، بحيث تبقى البلدان الأخيرة مفعولاً به بفعل فاعل بلدان المركز صاحبة النصيب الأكبر من «كعكة» العالم وعاصمة قراره ومقر قيادته.

واستطراداً لما تقدم، أقول: يخطئ من يعتقد أن "الحملة" الأميركية على إيران تعود إلى أسباب محض سياسية أو إيديولوجية وإستراتيجية، فقط، إنما هناك، أولاً وقبل أي سبب آخر، أسباب أخرى جوهرية من نوع اقتصادي، بالمقام الأول، مفادها قطع الطريق (ودائماً بمعنى القطيعة الاستعمارية) أمام إيران والحيلولة دون أن تتمكن من إنتاج الطاقة النووية لأغراض مدنية- اقتصادية. ما يضمن تبعيتها، وباقي بلدان المنطقة، للبلدان الغربية المنتجة لهذا النوع من الطاقة مع قرب أو عشية جفاف منابع النفط والغاز في الشرق الأوسط خلال زمن قصير لم يعد طويلاً حسب تقدير الخبراء المختصين في هذا المجال.

وغني عن البيان هنا أن التبعية على مستوى مصادر الطاقة تفترض التبعية الاقتصادية الشاملة، التي، بدورها، تؤسس، موضوعياً، لأشكال التبعية الأخرى السياسية والثقافية. وبهذه المناسبة يكتب الاقتصادي الأميركي المعروف ستيفن كينج قائلاً: "إن الأوان لبلدان الشرق أن تغرق في مستنقع التبعية للبلدان الغربية على مستوى مصادر الطاقة النووية بعد نصف قرن على غرق بلداننا في مستنقع الحاجة الماسة للطاقة النفطية الشرق أوسطية، التي بدأت تنضب وتجف في الآونة الأخيرة".

ومادامت الصين وروسيا والهند وإيران، هي اليوم أبرز مشاريع القوى الدولية المرشحة إلى المنافسة على المستويين الإقليمي والدولي، فإن "القطيعة الاستعمارية" على مستوى العلاقة بين الولايات المتحدة وتلك القوى الصاعدة «بمعنى الرغبة الأميركية في قطع الطريق، ولو بالحرب، أمام صعود البلدان الناشئة إلى حلبة المنافسة على الزعامة العالمية» تبرز اليوم، جلياً، بصور متعددة تصل، أحياناً، إلى حد التلويح بالعصا العسكرية. وبهذا الصدد يكشف الصحفي الأميركي الشهير بالمصداقية وليام فاف عن نص الوثيقة الجديدة للأمن القومي الأميركي التي أصدرتها، مؤخراً، الإدارة الأميركية، وملخصه: "لا تزال الولايات المتحدة في السنوات الأولى من حرب طويلة الأمد قد تمتد لتصل إلى الصين وروسيا والهند، والحروب الأميركية في البلقان وأفغانستان والشرق الأوسط هي بمثابة وضع حجر الأساس لمشروع حرب أميركية شاملة وكونية".

 
2010-08-22