ارشيف من :أخبار لبنانية

ايران نووية ولو كره الغربيون !

ايران نووية ولو كره الغربيون !

وكالة "فارس" - السيد محمد صادق الحسيني

مرة أخرى تثبت ايران ان التمسك باستقلالية القرار السياسي والصبر الاستراتيجي والثبات في الموقف والمثابرة في الدفاع عن المبادئ وثقافة المقاومة يثمر "تخصيبا ووقودا وطاقة نووية"، وردعا استراتيجيا على الأرض ! وهذا الكلام لم يعد اليوم مجرد دعاية ايديولوجية ولا عرض نظري مجرّد ولا رؤى رغبوية لطالما اتهمنا بها كلما أشرنا اليها في أوقات سابقة!.

فها هو ما يسمى بالمجتمع الدولي يضطر للقبول ولو على مضض بايران عضوا جديدا رسميا في النادي النووي الدولي والأهم من ذلك يذعن ولو مستنكفا بأن لا حل لمشكلاته أو خلافاته مع ايران الا بالتحلق حول طاولة حوار لا شروط مسبقة فيها !.

ولنكن واقعيين فان هذا لم يكن ممكنا لولا اصرار القيادة العليا على المضي قدما في الصناعات الدفاعية الرادعة في البر كما في البحر كما في الجو، وآخر ما كشفته طهران هو صاروخ "قيام 1 " المتفلتة من رادارات العدو بسبب تقنيتها العالية والمعقدة وقاذفة القنابل النفاثة من دون طيار - كرار - والقادرة على التحليق لمسافات طويلة من دون طيار!.

بالعودة قليلا الى الوراء فقط يمكنكم التذكر كيف أن أبرز وزراء خارجية الدول الغربية الكبرى و بضوء أميركي أخضر طبعا اجتمعوا في قصر سعد آباد شمال طهران وكيف أنهم استطاعوا في لحظة غفلة أو ضعف أن يقتنصوا من المفاوض الايراني وقتها قرارا في وقف التخصيب لمدة ما يقارب العام والنصف - في حقبة الرئيس السابق محمد خاتمي - مقابل القبول بها عضوا "طبيعيا " في معادلة "المجتمع الدولي" المزعوم ظنا منهم بأن ذلك من شأنه أن يوقف ارادة طهران الاستراتيجية الحازمة بضرورة تشكيل الدورة النووية الكاملة مهما كلف ذلك من ثمن !.

بالطبع لقد ضيّع الغربيون الفرصة في حينها بأنفسهم عندما ظنوا للحظة أن بامكانهم من خلال لعبة الخداع والتضليل أن "يطفئوا" شعلة الدورة النووية الايرانية "كما يطفئ أحدهم كعب سيجارته" كما عبر أحد المتحدثين الغربيين في دورة مفاوضات لاحقة لذلك الاجتماع الشهير الآنف الذكر، ظنا منهم بأن ايران قد رضخت تماما لشروط التبعية الغربية !.

لكن الأمر سرعان ما تغيّر واستعادت ايران زمام المبادرة بالصبر الاستراتيجي والثبات على المبادئ والمثابرة في التفاوض الطويل النفس والمزج بين الحزم السياسي والحنكة الديبلوماسية، الى أن اكملت دورتها النووية كاملة كما غدت عليه اليوم .

ان ضخ الوقود النووي في قلب مفاعل بوشهر لأجل انتاج الكهرباء بواسطة الطاقة الذرية، مع احتفاظ ايران بحقها المبدئي في تخصيب اليورانيوم والذي تكفله لها اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية الموقعة عليها منذ أكثر من ثلاث عقود، ومن ثم رفعها لهذه التقنية الى درجة التخصيب بنسبة عشرين بالمائة وهو ما تكفله لها نفس الاتفاقية واعلانها الصريح والواضح والشفاف بأنها ستستمر في انتاج الوقود النووي عبر عملية التخصيب العالي والتحضير لبناء عشرة محطات نووية أخرى تشبه محطة بوشهر، لا يمكن وصفه الا كما سبق ووصفناه أكثر من مرة بأنه القرار الأكثر أهمية وخطورة من قرار تأميم النفط الشهير الذي اتخذته طهران في زمن حكومة الراحل محمد مصدق الوطنية في بداية خمسينات القرن الماضي !.

كيف ؟ ببساطة ووضوح لأن ايران ما بعد الحادي والعشرين من آب 2010 هي غير ايران ما قبل الحادي والعشرين من آب 2010 واليكم الشرح المختصر الآتي :
- ان ما يسمى بالمجتمع الدولي فشل فشلا ذريعا في اللعب على وتر ما يسمى بخطورة وانحرافية المشروع النووي الايراني نحو التسلّح والذي كان يهدف عمليا لمقايضة ايران بقبولها "عضوا عاديا" ومقبولا في هذا المجتمع مقابل تخليها عن الطاقة البديلة أي اقفال محطة بوشهر سلما أو تعطيلها حربا من خلال الاداة الصهيونية، لكن ذلك يذهب اليوم أدراج الرياح مع افتتاح هذه المحطة رسميا بعد أن عطلت ايران كل الذرائع الغربية في هذا السياق وانهكت روسيا في سباق الصبر الاستراتيجي مما أحرجها فأخرجها من سياق المماطلة وكذلك المقايضة التي لطالما كانت السبب في تأخير لحظة انطلاق منشأة بوشهر !.

- ان ما يسمى بالمجتمع الدولي أذعن كذلك ولو بالاكراه بان ما هو حق لايران في التخصيب بالنسبة التي تريد من أجل سد حاجتها الداخلية من الوقود النووي لصناعة الطاقة البديلة أصبح أمرا واقعا وأنه لم يعد منطقيا مطالبة ايران بالتراجع عنه في أية مفاوضات مستقبلية من الآن فصاعدا، لأن الحاجة اليه أصبحت جزءا من قاعدة العرض والطلب التجارية تماما كما هي حاجة أي مستهلك وهو ايران في هذا السياق لأي مصدر وهو روسيا في هذه الحالة والتي ليس بينها وبين ايران سوى مذكرة تفاهم لتأمين الوقود النووي لمدة ثلاث سنوات وهو أمر غير ملزم لايران قانونيا بأن تبقى تشتري هذا الوقود منها لمدة ستين عاما هو العمر المفيد لهذه المنشأة !.

- ان ما يسمى بتجارة القرن الواحد والعشرين والتي كانت تعوّل واشنطن عليها كثيرا، الا وهي بيع الوقود النووي للعالم انطلاقا من قهر الحالة الايرانية وتركيعها للقبول بالولايات المتحدة مصدرا أساسيا ان لم يكن وحيدا لشراء هذا الوقود اللازم لصناعة الكهرباء الذري تكون قد سقطت أيضا، ما يعني خسارة كبرى تقدّر بنحو أربع تريليون دولار سنويا اذا حسبنا الفرق بين سعر الميغاوات الواحد من الطاقة الكهربائية المنتج من النفط أو الغاز والذي يكلّف بين خمسة الى سبع سنت وذلك المنتج بواسطة الطاقة الذرية والذي يلامس السنت الواحد فقط، اضافة الى محاسبة سعر النفط أو الغاز كما تريد ان تتحكم به واشنطن بالسياسة !.

بالاستناد الى ما تقدم نستطيع أن نفهم اليوم سبب الغضب والحنق الصهيوني ومن ثم الامريكي طوال الفترة السابقة على نضوج اكتمال دورة الوقود النووي ومن ثم هضم حلول موعد افتتاح محطة بوشهر الذرية كرها وقهرا دون أن يتمكنا من تعطيل هذه الدورة المشروعة والمحقة، ما سيشكل عمليا سابقة خطيرة للغاية بالنسبة لسائر الدول المستقلة والأخرى الساعية نحو التحرّر من التبعية للسياسات الأميركية الخاصة منها بالسياسة كما بالاقتصاد !.

بالمقابل نستطيع أن نفهم الآن أيضا لماذا كان ولا يزال المفاوض الايراني يصرّ على ما كان يسميه بحزمة المقترحات الايرانية مقابل ما بات يعرف بحزمة المقترحات الغربية، ذلك أن المعركة بالنسبة لصاحب القرار الايراني لم تكن يوما من أجل فتح محطة بوشهر للطاقة الكهربائية لوحدها ولا اعادة ضخ الوقود في مفاعل طهران للأغراض الطبية ولا حتى لتكريس حق التخصيب وتاليا حق صناعة الوقود النووي، بقدر ما كانت ولا تزال الدفاع عن استحقاق الدول المستقلة في تأميم أو توطين التكنولوجيا النووية لأجل تحرير القرار السياسي من التبعية لمعادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية غربها وشرقها وهي المعادلة التي باتت تتحكم بها المصالح الصهيونية العليا للأسف الشديد.

وعليه فان انطلاق محطة بوشهر الذرية اليوم وما حملته من معان مشار اليها آنفا سترمي بظلالها بقوة على مفاوضات طهران مع ما يسمى بمجموعة فيينا المرتقبة، وكذلك على المفاوضات المرتقبة أيضا مع مجموعة الخمسة زائد واحد، اضافة الى المناكفات والمشاغبات والشد والجذب الايراني الأمريكي حول الملفات الاقليمية الساخنة من فلسطين مرورا بلبنان، وصولا الى العراق الذي وصل الى محطته الخريفية من حيث غروب شمس الاحتلال الامريكي وأفول نجمه !.
2010-08-22