ارشيف من :أخبار لبنانية

مفتـاح الانفـراج فـي جيـب الحريـري.. بعـد الفطـر

مفتـاح الانفـراج فـي جيـب الحريـري.. بعـد الفطـر

خضر طالب ـ السفير

لا يملك سعد الحريري هامش الخيارات ذاتها التي أتاحت لحليفه وليد جنبلاط أن ينفّذ «شقلبة» في الهواء قبل أن يبلغ الأرض على قدميه بثبات استحق عليه تصفيقاً مصحوباً بدهشة من هذه «القدرات» الاستثنائية التي يملكها الزعيم الدرزي..

«يصارع» سعد الحريري نفسه فلا ينتصر عليها ولا تهزمه.. ويصارع عائلته فلا يقنعها ولا تقنعه.. يصارع أحلامه فلا تتبدّد ولا تفقد فرص التحقّق.. يصارع محيطه فيجده متصارعاً في ما بينه حول إتساع دائرة المصالح وما تتطلبه من مسايرة لما يقوله «الشيخ» حرصاً على التقرّب، أو معارضة تضمن موقعاً بين «الصقور».. ثم يصارع سعد رفيق الحريري جمهوره، الجديد والموروث، فيدير بعضهم ظهره له خيبة من «المهادنة» وهم كانوا يمنون النفس بصلابة تكسر كل «الأعداء»، ويصفق آخرون لأنهم لا يستمعون إلى ما يقوله وإنما إلى «نبضات الوفاء» التي تشدّهم إليه كما كانت تشدّهم إلى والده الشهيد.

هذه هي حال سعد الحريري الذي حمل الجمر بين كفيه إلى سردينيا، لكن مياهها لم تفلح لا في إخماد الجمرات المشتعلة.. ولا في تبريدها حتى.

كانت الفرصة ممكنة أن يساهم آل الشهيد رفيق الحريري في شدّ أزر وريثه السياسي نحو ما يراه مناسباً. أدلى كل بدلوه: إخوة وأشقاء وزوجة الوالد الشهيد. جاءت المحصلة غير متجانسة، ولم تأت بما يخفّف عن سعد عبء اتخاذ القرار، ولا عبء مسؤولية أي قرار... فرضت «إجازة سردينيا» مزيداً من التريّث عند سعد الحريري، ولا بأس من بعض الوقت لأن القرار لم ينضج بعد.

قد يتمكّن سعد الحريري اليوم، بحكم الخصوصية التي يتمتع بها في علاقاته العربية مع السعودية وسوريا، أن يؤمن مظلّة حماية لشركاء تولوا عنه الحكم «وكالة»، ولو حكموا «بالأصالة»، وفي مقدمهم رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة الذي يملك شخصياً تجربة فريدة عن انتقاله من شريك الحاكم إلى المتّهم المهدّد بالسجن، ثم إلى وكيل حاكم، فحاكم بالأصالة شريك في معادلة دولية ممتدة من أفغانستان إلى مصر والرياض عبر فلسطين والعراق ولبنان.

لم يعد فؤاد السـنيورة في ضوء الخط الأحمر الذي رسمه من حوله سعد الحريري هو الحاكم. للمرة الأولى بدا وكأن سعد الحريري يريد القول أنا الحاكم وأنا الرئيس وأنا من يوفر الحماية وبالتالي صار لزاما على فؤاد السنيورة أن ينزل من علياء السلطة.

عندما سقط رفيق الحريري تصرف السنيورة بصفته الوريث الشرعي له ووالد سعد الحريري السياسي. بـ«الخط الأحمر» قال له سعد الحريري: أصبحت أنا الوريث وأنا الأب السياسي منذ الآن فصاعداً!

قد يستطيع سعد الحريري أن يحفظ بضعة رؤوس ما زال بعضها يدير الدفة في قريطم أو «بيت الوسط» من خلف الستائر التي تحجبهم عن ضيوفه إلى موائد رمضان اليومية، لكن بالتأكيد لن يستطيع حماية كل «الرؤوس الحامية» التي أصبحت اليوم عنوان المعركة على محاكمة شهود الزور، لأنهم هم الهدف الرئيس أكثر من شهود الزور أنفسهم، ولهذا فإن من غادر بالأمس القريب من النواب قد لا يشعر بالوحدة طويلاً في غربته، إلا إذا كانت تعيينات «المستقبل» التنظيمية وإعادة الاعتبار الى «الصقور» رسالة استباقية لمن يهمه الأمر في الداخل والخارج!

إلى أين من هنا؟

لن يكون للرئيس سعد الحريري قرار حاسم في الوقت الراهن بشأن أي عنوان يتعلّق بالقرار الظني الذي يريده منفصلاً عن المحكمة الدولية. وهذه معادلة بدأت تطرح على بساط البحث: يمكن التصويب على القرار الظني.. يمكن التشكيك بمعطيات القرار الظني باعتبارها غير كافية لتوجيه الاتهام.. أما المحكمة فهي خارج دائرة الاستهداف، وهي لم تبدأ عملها بعد كي يحكم عليها بالانحياز أو بالعدل.. القرار الظني شيء وعمل المحكمة الدولية شيء آخر.

وفي الأصل، لا يملك سعد الحريري كل مفاتيح الحل.. هو أُعطي التفويض بالبحث عن مفاتيح، معظمها موجود في قريطم أو في «بيت الوسط»، لكن البحث فيها وعنها لا يكون بالرغبة والنيّة فقط، وإنما بالقرار والفعل.

يحاول سعد الحريري أن يجتهد تحت سقف صمته المعلن، فهو يعلن الاستمرار في الصيام عن الكلام، ويأخذ على الآخرين أنهم لا يراعون موجبات الهدنة المفترضة والمفروضة بفعل القمة الثلاثية في بيروت، لكنه يمسك بشعارات سياسية يعلن التزامه بها، فيحدد بذلك سقفاً سياسياً يريد استدراج الآخرين إليه بالإشارة والتلميح، ليحوّل بذلك فترة صيامه النظري عن الكلام إلى فرصة لرسم حدود الخيارات السياسية، ووضع شروط تحدّد مسار ما بعد انتهاء الصيام.

حول سعد الحريري ما تزال ترابط مجموعة من «هواة سباق الخيل»، يصرخون ويهللون لكل ما يعجّل في انتهاء الهدنة، يصفقون لكل تصريح متشنّج، ويراقبون كل كلمة تصدر خارج لبنان حول المواجهة بين إيران والولايات المتحدة لعلّ فيها ما يؤشر إلى قرب توجيه ضربة مزدوجة: تصيب إيران مباشرة وتقصم ظهر سوريا و«حزب الله».

في محيط سعد الحريري مجموعة من «الثوريين الجدد» تبعا لمفاهيمهم، لم تنل من «عزيمتهم» واندفاعاتهم بعد «الظروف والمتغيرات». بعضهم ما يزال مقتنعاً أنه يستطيع أن يغيّر العالم. هم مجموعة من «الإيديولوجيين» السابقين التحق بهم «ثوار» جدد يصنعون إيديولوجيتهم الخاصة التي تبدًأ «ألفها وباؤها» بأفكار «الثأر والانتقام» لكنها تريد المال والمال فقط الذي يمكن أن يصنع ثورة.. لكن بالثياب المخملية.

بعد عيد الفطر، سيكون سعد الحريري أمام تحدٍّ تفاداه طيلة شهر رمضان، ذلك أن مفتاح الانفراج السياسي في جيبه أولا... ومن السذاجة البحث عن مفاتيح في جيوب آخرين في الخارج.

2010-08-25