ارشيف من :أخبار لبنانية
اليونيفيل ليست في منأى عن تداعيات القرار الاتهامي
بات القرار الاتهامي واجهة تختبئ وراءه موقتاً معركة أكثر ضراوة وتتحرّك ببطء، هي معركة إسقاط المحكمة الدولية. ذاك ما يعنيه تصلّب حزب الله في رفض القرار الاتهامي على طريق رفض المحكمة واتساع هوة التناقض بينه وبين الرئيس سعد الحريري.
آخر تموز الماضي، ذهب موفد خاص من الرئيس السوري بشّار الأسد ـــــ في الغالب يضطلع منذ سنوات بدور الوساطة ونقل الرسائل بين دمشق وباريس ـــــ إلى العاصمة الفرنسية، والتقى الرئيس نيكولا ساركوزي، حاملاً إليه رسالة مثّلت فحوى نتائج القمة السعودية ـــــ السورية في دمشق في 29 تموز، والقمة الثلاثية السعودية ـــــ السورية ـــــ اللبنانية في بيروت في 30 منه. كانت تلك أول رسالة نحو المجتمع الدولي لحضّه على الاضطلاع بدور إيجابي لمعالجة ذيول محتملة للقرار الاتهامي المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إذا صدر، والسعي إلى معالجة جدّية للملف المتكامل الذي تنطوي عليه المحكمة الدولية.
أبلغ الموفد الخاص للأسد إلى ساركوزي الأخطار التي يلوّح بها القرار الاتهامي إذا صحّ ما يُشاع عن أنه يتجه إلى اتهام أعضاء في حزب الله باغتيال الحريري، وأن من شأن قرار كهذا تعريض الاستقرار في لبنان للاهتزاز.
قال له أيضاً: إن الجهود التي عمل عليها تعاون سوريا مع فرنسا في سبيل استقرار لبنان ستكون مهدّدة من جراء تداعيات هذا القرار، وكانت سوريا قد مرّت بتجربة مماثلة، كما يعرف الرئيس الفرنسي، عندما وُجّه إليها اتهام سياسي من هذا النوع، ما أساء إلى العلاقات اللبنانية ـــــ السورية وأدى إلى تدهورها، وإن تدخّل فرنسا حينذاك أعاد الأوضاع في لبنان إلى سياقها الطبيعي بالتعاون مع سوريا، واتضحت الحقائق أمامها وأمام المجتمع الدولي حيال الدور الإيجابي لسوريا في تحقيق الاستقرار في لبنان. لكن إذا صحّ القرار الاتهامي فهو سيمثّل تهديداً جديداً للبنان والمنطقة.
وقال أيضاً إن على فرنسا أن لا تغفل وجود واقع حساس في جنوب لبنان، وخصوصاً في ظلّ وجود قوات دولية من ضمنها جنود فرنسيون، لن تكون في منأى عن تداعيات القرار الاتهامي إذا استهدف حزب الله.
في حصيلة ما سمعه من الرئيس الفرنسي، لمس الموفد الخاص للرئيس السوري أن باريس لم تكن مقتنعة بأن قراراً كهذا من شأنه أن يؤدي إلى مثل هذه التبعات، وأن الأمر يمكن أن يمر، في رأيها، بسهولة متى سلك طريقه القضائي بلا نتائج سلبية، من غير أن تتبيّن تداعيات القرار الاتهامي على الاستقرار الداخلي في لبنان.
رغب الأسد في إيصال رسالته إلى ساركوزي، في خطوة هي أقرب إلى تحذير استباقي نظراً إلى ما تعرفه القيادة السورية عن تأثير فرنسا على المحكمة الدولية، فضلاً عن دورها الناشط في المنطقة والدول ذات التأثير المشابه في النطاق نفسه، وخصوصاً شريكي باريس في جهود التهدئة الإقليمية تركيا وقطر.
حصل ذلك قبل أن يعقد الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله مؤتمراً صحافياً في 9 آب، قدّم فيه ما عدّه قرائن ومعطيات من شأنها اتهام إسرائيل باغتيال الرئيس السابق للحكومة، وأدرج هذه القرائن كفرضية جديدة محتملة لا تستثني الدولة العبرية من جريمة الاغتيال.
في قمّة دمشق في 29 تموز، اقترح العاهل السعودي الملك عبد الله مهلة أسبوعين لمعالجة الجدل الدائر حول المحكمة الدولية بما يطوي القرار الاتهامي، ويجنب استقرار الوضع الداخلي في لبنان الانهيار. كان الأسد قد أطلعه على موقف حزب الله الذي يحظى بتأييد مطلق من سوريا، وهو رفض أي تأجيل للقرار الاتهامي أو التعاطي معه على أنه موضوع قابل للتسوية بعد صدوره. وشدّد الرئيس السوري على معالجة الملفات المتداخلة في المحكمة الدولية، والقرار الاتهامي أحدها.
بعد أقل من أسبوع على المؤتمر الصحافي الرابع لنصر الله في 9 آب، قصد الأمير عبد العزيز بن عبد الله، نجل الملك السعودي ومستشاره، سوريا وأبلغ إلى رئيسها رغبة والده في تمديد جهود المملكة لمعالجة موضوع المحكمة الدولية أسابيع إضافية، تنتهي بعد عطلة عيد الفطر، بغية استكمال الاتصالات التي يجريها عبد الله. وخلافاً للغرب ـــــ وقد اشتركت وإياه في العمل على إنشاء المحكمة الدولية لكشف قتلة الحريري الأب في مرحلة طبع التدهور علاقة الرياض بدمشق، فبدت المحكمة الدولية بعد التحقيق الدولي جزءاً لا يتجزأ من هذه المواجهة ـــــ قدّرت المملكة حجم الآثار السلبية المترتبة على قرار ظني يتهم حزب الله باغتيال الحريري الأب على الاستقرار والوحدة الوطنية في لبنان، فقرّرت البحث عن مخارج.
إلى الآن، لم يطرأ أي تطور ملموس وعلني على ما تعهّدت المملكة القيام به في قمّة دمشق، رغم ما تردّد عن اتصال أجرته بواشنطن بقي طيّ الكتمان. وتبعاً لمصادر دبلوماسية على صلة بالاتصالات السعودية ـــــ الأميركية، كان جواب الإدارة أن للمحكمة الدولية آلية لا يمكن تجميدها أو توقيفها، ولا تلحظ هذه الآلية طريقة لذلك، ولا يسع الغرب السعي إلى أمر كهذا يمسّ تقويم العدالة الدولية ودورها وصدقيتها.
لاحظت واشنطن كذلك في جوابها، وهي تؤكد حرصها على الاستقرار في لبنان، تقول المصادر الدبلوماسية إياها، أن اللبنانيين شجعوا إنشاء محكمة دولية في اغتيال الحريري الأب من غير أن يتفقوا على إقرارها في ما بينهم، فأقرّها مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. بيد أن اللبنانيين لم ينتبهوا أيضاً إلى أنهم لم يستعدوا، في المقابل، لاستراتيجيا العودة عن المحكمة الدولية، ولم يخطر في بالهم أنهم ـــــ ربما ـــــ وجدوا أنفسهم يوماً في حاجة إلى استراتيجيا الخروج هذه منها، رغم أنهم خاضوا بضراوة ـــــ وخصوصاً رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ـــــ معركة الإصرار على إنشاء المحكمة الدولية، والتمسّك بدعم المجتمع الدولي لهم بغية الوصول إلى هذا الهدف، مهما كانت الوسائل.
إلى الآن تنتظر دمشق، كما ينتظر حزب الله، الجهود السعودية لمعالجة واقع المحكمة الدولية، وقد أضحت مشكلة حقيقية للأطراف جميعاً: لرئيس الحكومة سعد الحريري وحلفائه في قوى 14 آذار الذين يتمسّكون بها وهم يدركون أنها أصبحت عبئاً عليهم يهدّد العلاقة مع سوريا وحزب الله ويقوّض الاستقرار، ولسوريا والحزب أيضاً اللذين قرّرا، ببطء ملحوظ، خوض معركة إسقاط المحكمة الدولية من خلال القرار الاتهامي.
والواقع أن حزب الله ينطلق في مقاربته موضوع المحكمة والقرار الاتهامي من تمني الأسد على نصر الله الفسح في المجال أمام مساعي المملكة، لإيجاد حلّ لموضوع المحكمة الدولية، والمحافظة في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي، من دون التخلي عن ثوابت الموقف السياسي كما من المحكمة.
كان المعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين خليل زار دمشق بعد القمّة الثلاثية في بيروت في 30 تموز، والتقى الرئيس السوري، وعاد بانطباعات عن وقائع القمّة الثنائية ثم عن القمّة الثلاثية. وحمّله الرئيس السوري تمنياً لنصر الله بإعطاء المعالجة فرصة بعدما كان قد تعهّد للملك عبد الله في قمّة دمشق السعي لدى حزب الله لترسيخ التهدئة، ومنح الجهود وقتاً كافياً لإتمام المعالجة. وهكذا، راعى الأمين العام للحزب في مؤتمريه الصحافيين اللذين أعقبا القمتين الثنائية والثلاثية، الثالث في 3 آب (متناولاً أحداث العديسة ودعم الجيش وخلايا المتعاملين مع إسرائيل) والرابع في 9 آب (اتهام إسرائيل باغتيال الحريري الأب) تفاهم عبد الله والأسد، فخفف نبرة التصعيد والحدّة من غير التخلي عن التصلّب في الموقف من القرار الاتهامي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018