ارشيف من :أخبار لبنانية
مفاوضات في ذكرى المجزرة
قبل 16 عاماً، وبالتحديد في يوم الخامس عشر من رمضان عام 1994، أقدم المجرم الإسرائيلي المتطرف باروخ غولدشتاين على ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف، حيث أفرغ كل حقده وتطرفه ورصاصه بصدور المصلين بمشاركة وحماية جيش الاحتلال.
وقد لاقت المجزرة البشعة والمنافية لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والشرائع الإلهية ترحيباً في أوساط الغالبية العظمى في الكيان الإسرائيلي، ما يؤكد أن ما حصل ليس عملاً فردياً معزولاً بقدر ما هو نتاج تربية وعقلية عنصرية متطرفة، وقد عكسها إسرائيل شاحاك في كتابه «الشريعة اليهودية» عندما نقل وصف الحاخام دوف ليور لغولدشتاين "بالمؤمن التقي"، وتلاقى بذلك مع موقف الحاخام الآخر موشيه ليفنغر الذي اعتبر أن "مقتل العربي بالنسبة له مؤسف بقدر أسفه على مقتل ذبابة".
لقد ارتكبت المجزرة عن سبق الإصرار، وفي سياق مخطط مدروس لتحقيق هدف مرسوم، وهو تهويد الحرم الإبراهيمي، والضغط على الفلسطينيين للتسليم بالأمر الواقع أو مغادرة المدينة وتركها نهباً للاستيطان والمستوطنين، ومنذ ذلك التاريخ وإلى اليوم والخليل والحرم القدسي عرضة للاستهداف والتقسيم والانتهاك بهدف تهويده بالكامل وضمه إلى ما يسمى "تراثاً يهودياً".. ولا يختلف الوضع في الخليل عنه في القدس وسائر مناطق 48 التي تتعرض في ظل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للتهويد والاستيطان وطمس هويتها العربية المقدسة وتقطيع أوصالها عبر المستوطنات.
اليوم وبعد ما يزيد عن عقد ونصف على الجريمة، الاحتلال هو نفسه والممارسات هي نفسها مع اختلاف الأمكنة والتسميات.. فبالأمس كانت مجزرة الحرم الإبراهيمي واليوم تهدم المساجد في بورين والجلزون وتحرق حقول الخليل ومزروعاتها وتطمر بيوت الفلسطينيين بالمياه وتهدم القرى فوق رؤوس أصحابها ويحاصر القطاع ويُقتل المتضامنون الدوليون وتسرق مواد الإغاثة ويرفض المجرم أي تعاون مع لجنة تقصي الحقائق بل إن الجلاد يحقق مع نفسه ويحمل الضحايا المسؤولية في أبشع تحد للمجتمع الدولي ومشاعر المتضامنين وأهل الشهداء.
هذه هي إسرائيل وعبر تاريخها الدموي وحكوماتها المتعاقبة، كيان إرهابي قائم على المجازر واستلاب الحقوق، فعلوا ذلك في الخليل وفي أسطول الحرية وقبل ذلك في محرقة غزة ولبنان، إنها مجموعة عصابات متطرفة سجلها حافل بقتل العرب والفلسطينيين، والغريب أن ثمة من لا يرى ذلك كله، يطوي الملف وقوائم الشهداء ويتأهب ليخوض مع قادة هذه العصابات مفاوضات عبثية جديدة وضع نتنياهو سقفها الكارثي مبكراً دون خجل وأعلنها صراحة وبالفم الملآن: لا لأي من الحقوق الفلسطينية، فعلى أي شيء سيفاوض الجانب الفلسطيني وهو يعرف أكثر من غيره بالتجربة أن الإسرائيليين لن يعطوا شيئاً بل ذهبوا كي يأخذوا ويتم تصفية القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، هذه الحقوق التي لا يملك أي طرف فلسطيني حقاً بالتفاوض عليها لأنها حقوق مقدسة غير قابلة للتفاوض ولا تسقط تحت أي ظرف مهما طال الزمن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018