ارشيف من :أخبار لبنانية
"الطرف الثالث" في برج أبي حيدر
يمكن لما حصل قبل أيام في برج أبي حيدر أن يتكرر وربما بعنف أكبر لان بيروت كانت وستبقى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات كثيرة، ولأن اللبنانيين جاهزون في كل مرة للغرق في لعبة الأمم لأسباب لا يتقن سرها الغريب سواهم .
ووسط تأكيد المعنيين باشتباك برج أبي حيدر على الطابع الفردي من جهة، والشكوك في أن يكون طرف ثالث دخل على الخط من جهة ثانية، فان التاريخ اللبناني القديم والحديث يرسخ القناعة بأن كل الحروب التي ألمت بلبنان بدأت على نحو فردي منذ معركة عين دارة الشهيرة بين الدروز والموارنة الى يومنا هذا.
ولذلك من المفيد دائما إلقاء نظرة على الأوضاع المحيطة بلبنان لأن فيها يكمن دائما الجزء الأساس من عوامل التوتير والتصعيد والاقتتال وتصفية الحسابات.
ففي فلسطين، تحمل المفاوضات المباشرة العتيدة بين سلطة محمود عباس وحكومة بنيامين نتنياهو نذر تفجيرها قبل بدايتها، ويطل وزيرا الخارجية افيغدور ليبرمان والداخلية ايلي يشاي بتصريحات تنعي رسميا المفاوضات قبل الشروع فيها. فالأول يحذر الفلسطينيين قائلا انه «في نهاية المطاف من يأتي بنهج إما كل شيء أو لا شيء فسيبقى مع لا شيء». والثاني يقول «انه لا فرصة للسلام وانه لا بد من العودة الى التخطيط وبناء المستوطنات».. وذلك بعدما كان عباس ومعه «معتدلو» الانظمة العربية خفّضوا سقف التفاوض الى حد مجرد وعد اسرائيلي بتجميد الاستيطان.
وفي العراق بدأت المذابح المودعة للجيش الاميركي بسقوط أكثر من 300 قتيل، وسط تأكيد غريب من البيت الأبيض بان مهمة الجيش الاميركي في العراق «تكللت بالنجاح وان العراقيين قادرون على ضمان امنهم بأنفسهم». ليس معروفا ما هو المقصود بإكليل النجاح، اذا كان الجيش الاميركي يخرج وسط هذه الدماء وفي ظل مذبحة سياسية مستمرة «يكللها» العجز عن تشكيل حكومة عراقية بعد نصف عام على الانتخابات التشريعية. والجدير ذكره ان الولاية الرسمية للحكومة السابقة انتهت في الأول من أمس الخميس.
والملاحظة الثانية في الشأن العراقي قول السفير الاميركي الجديد في بغداد جيمس جيفري ان «ايران مسؤولة عن ربع قتلانا في العراق». ولو كان الأمر صحيحا، فذلك يعني أن الأطراف الاقليمية ستكون صاحبة الكلمة الفصل في المستقبل العراقي. ويكفي النظر الى استئناف الحركة السياسية العراقية صوب دمشق للتأكد من ذلك .
وأما الموضوع الايراني، فهو مرشح حكما الى مزيد من التفاقم مهما كانت المهدئات الدبلوماسية قوية في الوقت الراهن. ويمكن فقط قراءة تصريح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قبل يومين أمام سفراء فرنسا في الخارج لنفهم ان «ايران تمثل التهديد الاساس للأمن الدولي وتغذي العنف والتطرف في المنطقة»، رافضا مقولة ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو مفتاح مشاكل وحلول المنطقة. فساركوزي قرر منذ مدة أن يصبح الناطق الأوروبي الأبرز باسم الخيار الغربي الضاغط على ايران...
واذا كانت فرنسا تطمح من خلال تعيين الدبلوماسي العريق جان كلود كوسران مسؤولا عن ملف التفاوض الاسرائيلي السوري الى تعزيز المغريات الغربية لدمشق وتفعيل دور باريس في هذا الملف الشائك، فان الانطباع العام يميل صوب صعوبة تحقيق اختراقات فعلية على هذا المسار في الوقت الراهن، الا اذا شعر الاسرائيليون بضغوط كبيرة عليهم وبفشل تام في المسار الفلسطيني، ذلك أنهم في هكذا احوال فقط يجددون الرغبة في تحسين مستوى التفاوض مع دمشق، ولا شك من خلال التصريحات السورية الرسمية ان سوريا ما عادت تجد أي مبرر للثقة بالحكومة الاسرائيلية الحالية.
وسط البؤر السوداوية هذه، خلط لبنان في الأشهر الماضية أوراقا كثيرة ليست لصالح اسرائيل: كشفٌ عن الشبكة الواسعة للجواسيس، تقديم دلائل جديدة حول عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تكثيف للاتصالات والاتفاقيات مع سوريا، استعداد لاستقبال الرئيس الايراني احمدي نجاد، تصريحات حول احتمال الحصول على السلاح للجيش اللبناني من مصادر مختلفة بينها ايران.
هذه الاوضاع الاقليمية والمحلية جميعا، ستجعل لبنان في المرحلة المقبلة عرضة لخضات حتمية، قد تكبر او تصغر وفق قدرة الاطراف على لجمها قبل توسعها خصوصا وان الشحن المذهبي جاهز ومتحفز تماما لفرش السجاد الأحمر أمام كل مستفيد من التوتر. وما حصل في برج أبي حيدر، وعلى فرديته، مؤشر ينبغي التعامل معه بكثير من الجدية والبحث عن الطرف الثالث طالما ان لا مصلحة لا لـ«حزب الله» ولا لـ«جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية» في ما حصل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018