ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري ولغة الإشارة السوريّة: نتيجة سلبيّة

الحريري ولغة الإشارة السوريّة: نتيجة سلبيّة
"الأخبار" - ثائر غندور


يخسر رئيس الحكومة سعد الحريري جزءاً من رصيده على نحو شبه يومي نتيجة بعض الأخطاء التي لا تزال قائمة حتى اليوم. تبدأ هذه الأخطاء من عدم معرفته للمواطن اللبناني ومناطقه، ولا تنتهي بأخطائه في إدارة ملف العلاقة مع دمشق

جال رئيس الحكومة، أول من أمس، على المناطق المتضرّرة من أحداث برج أبي حيدر. أسف الحكومة للدمار الذي لحق بأحد المساجد. لكن فاته أن المتضرّرين ليسوا طرفاً دون آخر، بل هم من طرفين. وجولة رئيس الحكومة على طرف دون آخر، تُلبسه لباس زعيم الطائفة الذي يزور «جهتها» بعد تعرّضها لدمار.

ليس في هذا الكلام دفاع عمّا حصل، أو إعطاء حقّ لطرفٍ دون آخر، وخصوصاً أن ما حصل لا يُمكن أن يتخطّى حالة التصرّف الميليشيوي بالكامل، بدون زيادة أو نقصان.
لكنّ الجدل حول دور رئيس الحكومة وتصرّفه في ذلك اليوم، هو مجرّد نموذج لتصرّف رئيس الحكومة في العديد من المحطّات.
فبعد أكثر من خمس سنوات على تزعّمه أكبر كتلة برلمانيّة في مجلس النواب اللبناني، وأقلّ من سنة على رئاسته حكومة لبنان، لا يزال رئيس الحكومة يتصرّف كشابٍ أكثر منه كرئيس حكومة وزعيم سياسي.

فيوم زار رئيس الحكومة رئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجيّة في منزله في بنشعي، في نهاية شهر تموز الماضي، قال من هناك إن هذه هي الزيارة الأولى له إلى المنطقة.
الكلام عينه قيل يوم ذهب برفقة أمير قطر حمد بن خليفة إلى الجنوب في نهاية شهر تموز أيضاً. الغريب أنه احتاج إلى أمير قطر ليرشده إلى طريق الجنوب. ربما هذا هو أحد دروس الرئيس فؤاد السنيورة له، وهو الذي تولّى رئاسة حكومة لبنان لخمس سنوات، ولم يزر الجنوب مرّة واحدة، رغم حدوث أعنف حرب على لبنان، في تموز عام 2006، أدّت إلى دمار عشرات القرى الجنوبيّة. كما أن السنيورة احتاج إلى غطاء أمير قطر أيضاً لزيارة الضاحية الجنوبيّة بعيد حرب تمّوز.

يتحدّث أحد «رفاق» الرئيس المغدور رفيق الحريري باستغراب عن هذه الوقائع. هو يسأل كيف يُمكن الحاكم أن يحكم شعباً لا يعرف قراه، وتضاريس هذه القرى، ونمط الإنتاج والحياة فيها. لا يفهم تقاليدها ولا يعرف من قيمها غير ما يُلقّن له من بضعة مستشارين، يعيش أغلبهم في حالة من الحقد الأعمى على تاريخهم وبيئتهم.
وفي المقارنة مع والده، فإن الحريري الابن، يفتقر إلى المعرفة الكاملة بالناس وحياتهم، بينما والده نشأ في البيئة الصيداويّة وانتقل إلى العيش في بيروت وجرّب العديد من المهن قبل أن «ينعم الله عليه» في السعودية. لكن الابن، وُلد مدلّلاً، ولا يزال كذلك، وصحّ قول أحد سليطي اللسان فيه: «أفضل ما في سعد الحريري هو ربطة عنقه».

إذاً، هذا هو رئيس الحكومة، الذي سيُمضي بعد نحو شهرين ونصف، عامه الأوّل في السرايا الحكومية، لم يبذل أي جهدٍ للتعرّف إلى المناطق اللبنانيّة، إذا استثيننا الزيارات التي قام بها إلى بعض المناطق خلال جولاته الانتخابيّة في عامي 2005 و2010، وهي جولات قدّم فيها الحريري الكثير من الوعود ببناء المدارس والمهنيّات والمشاريع التي بقيت كلاماً في الهواء، وأهالي المناطق البقاعيّة والشماليّة يعرفون هذا الأمر خير معرفة.
إلى هذا، فإن أداءه كرئيس حكومة، وأداء حكومته، لا يُعطيانه علامة نجاح، «فالناس لن يحصروا الفشل بممثل هذا الحزب أو ذاك، بل سيقولون إن حكومة سعد الحريري فشلت في تأمين أي من مستلزمات الحياة الكريمة، ولم تخرج بقرار جدي واحد حتى الآن».

هنا، يُشير صديق الحريري الأب إلى أن أداء الحريري الابن داخل تيّاره السياسي وعدم معرفته بطبيعة الشعب اللبناني، يؤديان تدريجاً إلى التقليل من رصيده وتحويله إلى مجرد زعيم طائفة، بينما سعى والده مراراً ليكون زعيماً أكبر من طائفته.

أمّا النقطة الثانية، التي يرى فيها هذا الصديق أن سعد الحريري يخسر من رصيده فهي في علاقته مع دمشق. يقول الرجل إن رفيق الحريري عرف دوماً أن تحوّله إلى زعيم لبناني لا يكون إلّا بعلاقات طيّبة مع سوريا. ويوم ذهب الحريري الابن إلى سوربا لم يكن ضيفاً عادياً ينام في فندق خمس نجوم، بل عامَله رئيسُها بشّار الأسد كواحد من أهل البيت، ونام الحريري في واحدةٍ من غرف القصر الرئاسي، ولهذا الأمر دلالاته، «وإذا بالحريري، يأتي بالنائبين السابقين باسم السبع وأنطوان أندراوس وهما من ألدّ أعداء سوريا، يوصل رسائل غير جيّدة باتجاه دمشق، وخصوصاً أن مواقف الرجلين لا تزال على حالها من دمشق». يُضيف الرجل إن أغلب تعيينات المكتب السياسي من النائب أحمد فتفت (ممثلاً كتلة المستقبل في المكتب)، علي حمادة، رضوان السيد، محمد السمّاك، وسليم دياب، تُرسل هذا النوع من الإشارات، وخصوصاً أن هؤلاء عيّنهم الحريري بنفسه ولم يُنتخبوا.

هذا أمر يُضيف إليه أحد السياسيين المقرّبين من دمشق، أن مشكلة الحريري هي عدم قدرته على فهم الإشارات وترجمتها على نحو سريع، بل إن الأحداث تنتهي أحياناً قبل أن يكون قد تصرّف الحريري.
ويرى الرجل أن الحريري سيسمع في الزيارة المقبلة له إلى دمشق كلاماً واضحاً ومحدداً، وإذا لم يعرف كيف يتصرّف، «فإننا سنتولّى إيضاح الأمور له بوضوح لدى عودته»، ويُذكّر الرجل بأن الكلام الذي بدأ في السرّ منذ ثلاثة أشهر عن التحضير لتغيير حكومي في الكواليس تحوّل إلى كلام عام اليوم.


2010-08-28