ارشيف من :أخبار لبنانية

السياسة الإمبراطورية الأميركية بين القوة الخشنة والقوة الذكية

السياسة الإمبراطورية الأميركية بين القوة الخشنة والقوة الذكية

نبيل فوزات نوفل - الثورة السورية


مهما حاول القادة الامريكيون، وبذلوا من اساليب لإخفاء حقيقة أن الولايات المتحدة الامريكية هي امبراطورية متوحشة، فإنهم سرعان ما تكشفهم أفعالهم واقوالهم على أرض الواقع واذا كان العالم كله متأكداً من هذه الحقيقة إلا ان البعض بعد قدوم الرئيس أوباما الى البيت الابيض، انخدع بأن هناك استراتيجية جديدة سينفذها الرئيس الجديد، خاصة وانه اعلن ذلك للعالم عامة، وللعرب والمسلمين خاصة في خطابه في القاهرة ولكن سرعان ما سقط القناع، وتم مرة اخرى التأكيد بأن الولايات المتحدة الامريكية ما زالت تلعب دور الامبراطورية المتغطرسة معتمدة على القواعد والوكلاء الاقليميين، وما زالت امبراطورية قال عنها الكاتب والناقد الامريكي لورانس فانسي، «انها ستجعل كل من تربع على عرش الامبراطوريات التي عرفها التاريخ، من الاسكندر والقيصر واغسطس وجنكيز خان إلى السلطان سليمان والامبراطور جوستيان. «الملك جورج الخامس، فخوراً وحاسداً».‏

وفي الواقع، ان ما يميز الامبراطورية الامريكية، ويجعلها فريدة في التاريخ، ليس سيطرتها المباشرة على أجزاء مترامية من الكرة الارضية أو تجمعاتها السكانية الكبرى، بل انتشارها ونفوذها الكونيين غير المسبوقيين في التاريخ والمتمثلة بانتشار اكثر من نصف مليون جندي امريكي في ارجاء المعمورة ووجود اكثر من 545.700 منشأة ومبنى موزعة على 5.400 موقع، ووجود اكثر من 700 قاعدة عسكرية امريكية موزعة على 63 بلداً في العالم، الى جانب توقيعها اتفاقات أمنية ثنائية في اكثر من 35 دولة، ووجود عسكري تحت مسميات مختلفة في اكثر من 156 دولة في العالم.‏


كل ذلك الى جانب امتلاكها مليون ومئة الف جندي، عدا 700 الف جندي موظف مدني تابعين للبنتاغون، ولا يدخل هنا المرتزقة من الشركات الأمنية واللوجيستية الخاصة الذين يصل عددهم حاليا الى 150 الف عنصر تقريباً. وكما يذكر الاقتصادي والمؤرخ الامريكي روبرت هيغن، تنفق الولايات المتحدة عمليا على الدفاع ما يقارب تريليون دولار، أي ما يعادل نصف الانفاق العسكري لدول العالم.‏


ولا يغيب عن البال سيطرتها بأساطيلها البحرية المنتشرة على معظم الممرات المائية في العالم وخطوط الملاحة حيث قسمت العالم الى 6 مناطق جغرافية تخضع كل منطقة منها لقيادة عسكرية خاصة لها. ومزودة بأحدث الاسلحة والتقانات في العالم وبرؤوس نووية، والعمل على محاصرة الدول التي لا تسير على نهجها وتقاوم هيمنتها وخاصة في امريكا اللاتينية وكوريا الشمالية وايران وسورية ولبنان والسودان وغيرهم.‏


إذاً .. الولايات المتحدة الامريكية ما زالت تلعب دور الامبراطورية المتغطرسة في الهيمنة على العالم، وما زال دورها المرسوم في الهيمنة على العالم من القرن الحادي والعشرين، ولكن يمكن لحظ تغيير في اساليب السيطرة ويقود الرئيس أوباما هذه السياسة متعاوناً مع فريق عمل مشبع بالتلمودية الصهيونية.

وهذا ليس مستغرباً فهو افراز لمؤسسة حاكمة، على الرغم من ثقافته وتجربته وجذوره وانه يحتل فريقاً أو اتجاهاً في جناح المؤسسة الليبرالي بالمقياس الامريكي، وهو محكوم بتجسيد مصالح النخبة الحاكمة وطموحاتها واستمرارها، انه يتبنى المشروع الامبراطوري الامريكي، ،لم تتخل عنه فهو لا يزال ينطلق من هيمنة فائض القوة العسكرية الامريكية باعتباره معطىً ثابتاً لا يخضع للمناقشة أو المساءلة، ويعتبر الرئيس أوباما ان مكمن الخلل في تعثر المشروع الامبراطوري الامريكي يعود الى الاستخدام «الغبي» للقوة العسكرية الامريكية من قبل الادارات السابقة، وخاصة ادارة بوش الابن، ويدعو الى ضرورة اقلاع واشنطن عن استخدام القوة الخشنة المهيمنة بصورة منفردة على المسرح الدولي لتنفيذ استراتيجيتها الكونية ويطالب باعتماد استراتيجية القوة الذكية من خلال المزج الخلاق بين القوة الخشنة والقوة الناعمة فكأنه يطالب اسلافه على عدم التوظيف الكامل لعناصر القوة الامريكية لخدمة اهداف الامن القومي الامريكي، ويتوجب على الولايات المتحدة الامريكية حسب وجهة نظره، ان تستخدم قوة الاذعان والاقناع معاً، ولا ننسى مفاعيل استخدام القوة في مجالات الاقتصاد والدبلوماسية والثقافة، والفنون، والاعلام.. الخ.
 
وفي سبيل تحقيق هذا النهج تعمل واشنطن على تحجيم القوة المقاومة في العالم عامة والوطن العربي خاصة، والدفع بدول المنطقة للوقوع في اشتباك التي تجعلها ضعيفة او تؤدي بها الى ازمات خانقة مثل اتفاقات التجارة الحرة، والتي يرى فيها روبرت زواليك (مدير البنك الدولي حاليا) من الوسائل الضرورية لمحاربة الارهاب «وهنا يتضح ايضا جوهر المقاربة الامريكية لكل مشاريع الاصلاح والتغيير المزعومة في المنطقة في مقاربة أمنية لمصلحة الولايات المتحدة الامريكية، لان هذا الامر من شأنه دخول ميسر للبضائع الامريكية الى الاسواق في الدول النامية وخاصة العربية ويعطل مفاعيل الاتفاقات التجارية العربية - العربية وبالتالي التكامل الاقتصادي العربي، وتهديد الصناعة الوطنية الصاعدة فيها، وبالتالي لا تزال الذهنية السائدة في الادارة الامريكية تعبر عن اختيار وضعية التكيف والتراجع التكتيكي احيانا بحكم الاضطرار وتحت ضغط التعثر الميداني او الازمات المالية المتغيرة، وهذا كله يصب في خدمة المافيا الامريكية المتمثلة بتجار النفط والسلاح والمخدرات والذين يهيمنون على صناعة القرار في المؤسسات الامريكية المختلفة، ولذلك هي تطرح بين مرحلة وأخرى ما يسمى مشاريع سلام في المنطقة والتي أثبتت التجارب أنها دائما لمصلحة الكيان العنصري الصهيوني.

وبالتالي الاستمرار في اتباع دول المنطقة لسياسة تنموية تابعة ضعيفة عاجزة بحيث يحكم هذه التنمية معادلة سلطة تسعى الى تكدس الثروة.

وهي معادلة تشجعها دائماً اطراف إقليمية ودولية طرحت لاسيما في العقود الاخيرة، نظرية الليبرالية الجديدة المرتكزة على وصفات الصناديق الدولية ودعوات اعادة الهيكلية الاقتصادية عبر اقتراض مؤسسات القطاع العام لصالح مشاريع الخصخصة، وزيادة العبء الضريبي، وتدمير ركائز الرعاية الاجتماعية الصحية والتربوية والعلمية، ولا يغيب عنا ما ترسمه من خرائط طريق لتفتيت المنطقة واعادة رسم حدودها على أسس مذهبية، وطائفية وعرقية وغيرها.‏


امام هذا الواقع، لا مناص امام احرار العالم عامة والامة العربية خاصة من التوجه لبناء ذاتها على أسس قوية والطريق لذلك لابد ان يرتكز الى جملة من الامور يأتي في مقدمتها: تحقيق العدالة الاجتماعية التي تعد ركناً اساسياً من أركان المجتمع المقاوم الذي تعود فيه ثمار التنمية الى جميع ابناء المجتمع.‏

وبناء تنمية حقيقية لأنه لا استقلال حقيقياً دونها والخلاص من مظاهر الفساد التي ترافقها ومن أوهام التنمية المعلبة المصنوعة في الخارج اي اننا في الوطن العربي بحاجة لبناء المجتمع المقاوم الذي ركائزه الاساسية الشفافية والعدالة وسيادة القانون والمساءلة والكفاءة في تحقيق الاستخدام الامثل للموارد، والتمسك بالوحدة الوطنية والثوابت الوطنية والقومية.‏


على أي حال، أن الامبراطورية التلمودية الامريكية كما أنها تملك من القوة المادية الشيء الكثير، كذلك فهي تعاني من ثقوب كثيرة في مركبها، والتي بدأت تعرضه للغرق نتيجة ما يعانيه المجتمع الامريكي من سياسات اقتصادية وعرقية وغيرها، الاضافة الى الوعي الذي بدأ عند شعوب العالم والتي انكشف لها زيف الادعاءات الامبريالية، وبدأ سلاح احتلال العقول وغسلها وتدجينها كما تشاء الامبراطورية يتهاوى شيئاً فشيئاً، وما على شعوب العالم، وخاصة عالم الجنوب والعرب تحديداً الا التمسك بأهدافهم وعقيدتهم وقيمهم والتصدي لكل محاولات العبث في عقولهم ومقدراتهم وحقوقهم، ودعم نهج المقاومة الذي بدأ يترسخ في عقول وأذهان أبناء الامة والذي أثبت جدواه عبر التاريخ، وهو اليوم الطريق الأمثل والأقدر على مواجهة سموم وغطرسة الامبراطورية الامريكية وعملائها أينما كانوا.‏


2010-08-29