ارشيف من :أخبار لبنانية
معادلة الجيش: الحكمة في الداخل... والقوة فقط ضد إسرائيل
ما ان هدأت الاشتباكات في برج ابي حيدر بين «حزب الله» و«جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية»، حتى انهمر الرصاص السياسي بغزارة على الجيش اللبناني من مختلف قوى 14 آذار، بعد اتهامه بالتقصير والتهاون في مواجهة أحداث الثلاثاء الدامي، وصولا الى المطالبة بمحاسبة الضباط الذين تقاعسوا عن القيام بـ«واجباتهم»!
بدت الحملة قاسية على المؤسسة العسكرية وهي التي كان يكال لها المديح في مناسبات أخرى، وآخرها واقعة العديسة، وكأن البعض لا يجد حرجا في التعاطي مع الجيش على القطعة او بالمفرق، تبعا لما تقتضيه مصالحه الظرفية.
فجأة، انقلبت قصائد الثناء الى هجاء، ونُزعت «الحصانة» عن الجيش الذي وجد نفسه في قفص الاتهام، يتلقى الدروس والعظات من السياسيين حول كيفية التصرف في شوارع بيروت التي تحولت، بفعل خطاب هؤلاء وسلوكهم، الى حقول ألغام طائفية ومذهبية، قابلة للانفجار عند أول دعسة ناقصة.
ولأن السياسيين هم أدرى بما زرعته أيديهم بالتوارث منذ الاستقلال حتى اليوم، وهم الأعلم بالتركيبة اللبنانية الهشة التي أنتجتها قواعد النظام الطائفي وذرّيته المتناسلة، فإن تحريض بعضهم الجيش على استعمال العنف في الداخل في لحظة شديدة الاحتقان سياسيا وطائفيا ومذهبيا، يدفع الى التساؤل عما إذا كان البعض يتسم البراءة والسذاجة في مقاربة الواقع اللبناني المعقد ام انه يملك قدرا عاليا من الخبث والمكر لاستدارج الجيش الى الغرق في الرمال اللبنانية المتحركة.
يبدو واضحا ان هناك من يريد ان يكون الجيش على قياس أجندته السياسية، فإذا اختلف معها او تمايز عنها، وُضع في دائرة التصويب المباشر وسحبت منه كل أوسمة التقدير والاشادة التي عُلقت على صدره في السابق، كما جرى على سبيل المثال بعد معركة مخيم نهر البارد التي حقق فيها الجيش نصرا مكلفا مخضبا بالدم، فيما كان السياسيون يكتفون بالتصفيق له من بعيد، إن لم يكن بعضهم قد تورط في أدوار ملتبسة في هذا الملف، خاصة في ما يخص ملف تنظيم «فتح الإسلام».
إنه «الصراع الكامن» على الجيش، عقيدة ووجهة سلاح. هنا، أصل الموضوع، والباقي تفاصيل. بعد اتفاق الطائف في العام 1989، حُسمت عقيدة الجيش العربية التي جعلت من إسرائيل عدوا لا لبس فيه، إثر سنوات من التأويل والاجتهاد، توزع خلالها الجيش على الطوائف والمذاهب، حيث بات لكل لواء عسكري عدوه وصديقه. انتظم إيقاع المؤسسة العسكرية منذ توحيد الجيش في العام 1990، بعدما تصالحت مع نفسها ومع الحقائق الموضوعية للوضع اللبناني، الى ان وقع زلزال اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005.
حينها افترضت الولايات المتحدة الأميركية والجهات اللبنانية الحليفة لها أن الفرصة ثمينة لإعادة صياغة خيارات البلد، ومن بينها خيار المؤسسة العسكرية. نجح رواد المرحلة الجديدة في الإمساك بالعديد من المفاصل الأساسية في البلد، ولكن الجيش بقي صامدا وظلت نوافذ وزارة الدفاع مقفلة أمام رياح التغيير الآتية من الغرب.
تمكن الجيش من تكييف ذاته مع المستجدات، وحافظ على مسافة واحدة من طرفي الصدام الداخلي: 8 و14 آذار. حينها تولى الجيش تأمين الحماية للتظاهرتين الكبيريين في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، ولم ينزلق الى احتكاك مع أي منهما، علما أن القوى الحليفة لسوريا والتي كانت ما زالت تقاوم التحولات وتسعى الى الاحتفاظ بالسلطة، طلبت من الجيش قمع تحرك خصومها في الشارع، إلا انه لم يستجب.
والمفارقة اللافتة للانتباه ان الاصوات التي أشادت بالجيش في تلك المرحلة بسبب عدم انزلاقه الى الاصطدام بحركة 14 آذار، هي نفسها تأخذ عليه اليوم امتناعه عن الاصطدام ب«حزب الله» و«الأحباش».
واجه الجيش على مدى عقدين من الزمن، اختبارات عدة في الشارع اللبناني، كان حريصا على الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة. وأكثر من مرة، خضعت العلاقة بينه وبين «حزب الله» الى امتحانات صعبة على الارض، ولكن كلاهما كان يتجاوزها بنجاح، على قاعدة ان الاولوية المشتركة هي لمواجهة الخطر الداهم: إسرائيل.
لم تيأس واشنطن من محاولة تطويع المؤسسة العسكرية، مفترضة ان تحكمها بمنابع التسليح يشكل ورقة ابتزاز فعالة في هذا المجال. وقد جاءت معركة العديسة لتقطع الشك باليقين وتُسقط ورقة التوت عن النوايا الحقيقية للولايات المتحدة التي جاهرت بأنها تبحث في احتمال حجب السلاح عن الجيش ما دام يجرؤ على توجيهه الى الاحتلال الاسرائيلي.
والغريب، ان بعض الاصوات اللبنانية التي حضت مؤخرا الجيش على استخدام القوة في الداخل، تعاملت بفتور مع مبادرته الى التصدي للاسرائيليين، بل ان هناك من ذهب الى حد المطالبة بالتحقيق في ما حصل على الحدود للتأكد مما إذا كان قرار الجيش بإطلاق النار في محله.
وهكذا، أصبحت أداة القياس واضحة بالنسبة الى فريق من اللبنانيين. الموقف الايـجابي من الجيش يتوقف على مدى استعداده للانخـراط في اصطفافــات داخلية ضد الخصوم، أما مواجهة إسرائيل فهي مغــامرة غير محســوبة لا حاجة اليها.
ولكن المعادلة مقلوبة بالنسبة الى الجيش: معيار النجاح في الداخل مرتبط بالجمع بين القدرة على تحقيق الاستقرار من جهة وحقن الدماء من جهة أخرى مع ما يتطلبه ذلك من حكمة في التصرف، بينما يتبدل معيار النجاح في مواجهة اسرائيل ويصبح مشروطا باستخدام الطاقة النارية القصوى ضدها وإلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بها.
لقد أثبتت التجارب الحية ان الجيش لا يملك قابلية المواجهة الداخلية، ليس لنقص لديه في الكفاءة، بل بسبب تركيبته الدقيقة المستمدة من توازنات البلد الطائفية والمذهبية، الامر الذي يعني ان أي صدام مرتجل بينه وبين جهة لبنانية سيعرضه حتما الى خطر التفسخ. هذا ما حصل في العام 1975 وبعده في العام 1984 ، فهل يُراد ان يتكرر المحظور؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018