ارشيف من :أخبار لبنانية

القرار الإتهامي أم سلاح المقاومة يقوض الإستقرار؟

القرار الإتهامي أم سلاح المقاومة يقوض الإستقرار؟
"الأخبار" - نقولا ناصيف


يشير أكثر من تصويب أدلى به الرئيس سعد الحريري مساء أمس بعد اجتماع اللجنة الوزارية، إلى محاولة استعادة الحوار مع حزب الله وتبريد الجدل الساخن المتبادل معه. لكن التصويب يصير ذا دلالة أكثر أهمية، إذ يلي زيارة الحريري دمشق فجر أمس الاثنين

كأن تردّي العلاقة بين رئيس الحكومة سعد الحريري وحزب الله كانت تعوزه أحداث برج أبي حيدر الأسبوع الماضي، كي تضاعف وطأتها بعد الخلاف المتنامي بين الطرفين على القرار الاتهامي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن خلاله على المحكمة الدولية. ولم يكن يعوز هذه العلاقة أيضاً الجدل الساخن بين نواب تيّار المستقبل ونواب الحزب، سواء حيال المناداة ببيروت مدينة منزوعة السلاح، أو معاودة الحملات على سلاح حزب الله، أو حتى تقليل أهمية حرب الشوارع الصغيرة التي دارت بين مسلحي الحزب ومسلحي جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية واختصارها بإشكال فردي، حتى يتأكد مقدار المأزق الذي يواجهه الحريري والحزب.

على مرّ خطب الإفطارات اليومية، تجنّب الحريري، حتى اندلاع أحداث برج أبي حيدر، اتخاذ موقف من القرار الاتهامي، داعياً إلى ما راح يكرّره يومياً عن التهدئة والحوار و«الكلمة الطيّبة». ترافق ذلك مع انكفاء تيّار المستقبل كذلك عن الخوض في القرار الاتهامي سوى تأكيد التمسّك بالمحكمة الدولية. كانا قد تفاهما في تلك الغضون على تبريد سجالهما حول شهود الزور مذ عُهِدَ إلى وزير العدل إبراهيم نجار، وكلاهما يعرف أن إحالة كهذه غير شافية له: لا حزب الله يتوقع من الوزير إعادة فتح ملف هؤلاء لدى القضاء اللبناني، ولا الحريري كان يرغب في إضفاء صدقية على وجود هذا الملف مذ أصبح على طاولة مجلس الوزراء بمواقفة رئيس الحكومة بالذات. وهكذا لم يجعلا من شهود الزور مشكلة، ولا سبباً للانقسام، لكن موضوع هؤلاء لم يصبح كذلك ـــــ وخصوصاً ـــــ موضوعاً قابلاً للتوافق والتفاهم. غداة الاشتباكات العنيفة، خرج رئيس الحكومة عن «الكلمة الطيبة» ليوجه تلميحاً، ونواب تيار المستقبل جهاراً، انتقادات حادة إلى حزب الله وتحميله مسؤولية ما حدث في برج أبي حيدر، والخوض مجدّداً في سلاح حزب الله.

كان انقطاع الحوار المباشر بين الحريري والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في صلب التشنّج المتنامي بين حزبي الرجلين. لا يستقبل نصر الله رئيس الحكومة ما لم يتخذ مسبقاً موقفاً سلبياً من قرار اتهامي يتردّد أنه يتهم أعضاءً في حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولا يجاري الحريري مطلب نصر الله هذا كي لا يقع في فخ التناقض بين دعمه غير المشروط للمحكمة الدولية، مهما تكن القرارات التي قد تتخذها، وبين تحفظه عن قرار اتهامي قبل أن يصدر. في ظلّ هذا التباعد، عقد رئيس الحكومة مع معاون نصر الله حسين الخليل في الأسابيع الأخيرة اجتماعين، أولهما بعد القمّة الثلاثية في قصر بعبدا في 30 تموز، وثانيهما بعد المؤتمر الصحافي الرابع للأمين العام في 9 آب. كلاهما لم يفضيا إلى نتيجة إيجابية تنبئ بمعاودة الحوار المباشر بين الحريري ونصر الله. لكن الاجتماع الأول كان الأسوأ، بسبب تمسّك كل من الحريري والخليل بوجهة نظره.

بعدما عرض الخليل موقف حزب الله من السياق الذي سلكه عمل المحكمة الدولية بعد التحقيق الدولي، وإسهابه في العلاقة التي كانت قد جمعت نصر الله بوالده الراحل ومحطات توافقهما، متطرقاً أيضاً إلى اتهام سوريا باغتيال الحريري الأب، ومن ثم اعتقال الضباط الأربعة، انتهى إلى الخلاصة الأكثر تعبيراً عن الموقف الرسمي والمتشدّد لحزب الله، والشرط اللازم لحصول لقاء الحريري ونصر الله، وهو الآتي: لن يقبل حزب الله بالمسار الذي تسلكه المحكمة الدولية راهناً، ولن يقبل خصوصاً بأي اتهام يُوجّه إلى الحزب باغتيال الرئيس السابق للحكومة، وإن تلميحاً، وحضّ رئيس الحكومة على اتخاذ موقف صريح وواضح حيال ذلك.
كان ردّ الحريري عرضاً آخر لوجهة نظره من عمل المحكمة الدولية، وتمسّكه بالوصول إلى العدالة والحقيقة، والرغبة في الحوار الداخلي وحماية الاستقرار، كي يختم في نهاية المطاف بالقول، مخاطباً الخليل: هل تريدني أن أنسى دم والدي؟
عقّب معاون نصر الله: لا نريدك أن تنسى دم أبيك، ولا أيضاً البحث الجدّي عن القاتل الحقيقي له، الذي يُفترض مبدئياً أن يكون إسرائيل. نحن وأنت نريد معرفة قاتل أبيك، لكن المعادلة ليست في تلبيسنا جريمة القتل كي لا تنسى دم أبيك.
لم يكن الاجتماع الثاني عاصفاً كالأول. إلا أن رئيس الحكومة بدا أكثر استعداداً للتفاهم. مع ذلك، بقي خيط الحوار المجدي مقطوعاً بين الطرفين، وخصوصاً أن حزب الله، تبعاً للمطّلعين عن قرب على موقفه، أجرى جولتي الحوار مع رئيس الحكومة بناءً على تمنٍّ مباشر من رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي رغب إليه في إبقاء أبواب التواصل بين الطرفين مفتوحة.
حصل ذلك كله قبل اشتباكات برج أبي حيدر التي أيقظت مجدّداً ـ وإن بين الحلفاء ـ الاحتقان السنّي ـ الشيعي الكامن.

واقع الأمر أن تلك الاشتباكات انتقلت بالجدل المتشنج بين الحريري وحلفائه في قوى 14 آذار، وحزب الله وحلفائه في قوى 8 آذار، من القرار الاتهامي والمحكمة الدولية إلى إقحام سلاح المقاومة في نزاعات داخلية، واعتباره ــ على الأقل في اعتقاد أفرقاء قوى 14 آذار ـ الأكثر تهديداً للاستقرار وبثّ الفوضى، والأكثر استجلاباً لفتن مذهبية من القرار الاتهامي، على نقيض ما كان قد أشاعه الحزب تكراراً في معرض رفضه هذا القرار، لئلا يحدث كل ذلك.
 
استخلص أيضاً أن الفريق الآخر يسعى إلى حجب الشكوك في المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، كي يضعها في سلاح حزب الله الذي لا يكتفي بالتعرّض لخصومه ومعارضيه فحسب، شأن ما حدث في 7 أيار 2008، بل يعمّمه على حلفائه وشركائه في الخيار السوري. التقط الحزب هذه الإشارة عندما لاحظ أن الحملة العنيفة على سلاحه اقترنت باتهامه بإثارة نعرات مذهبية من خلال التعرّض لتنظيم سنّي هو الأحباش، الأكثر استفزازاً من داخل السنّة لتيّار المستقبل، سواء بالنسبة إلى الخيار السياسي لهذا التنظيم واتهامه في أوقات شتى في الحقبة السورية بالارتباط المباشر بالاستخبارات العسكرية السورية، ولا سيما منها باللواء رستم غزالة، أو بالنسبة إلى خياره العقائدي الذي يجعله سنّياً نقيضاً من سنّية تيّار المستقبل. مع ذلك، أخذ حزب الله في الاعتبار توجّه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني إلى مسجد البسطة الفوقا كي يؤم المصلين بعد يومين من الاشتباكات، ولم يذهب إلى مسجد محمد الأمين على جاري عادته، وكان يشترك في الصلاة فيه الحريري وسلفه الرئيس فؤاد السنيورة.

لفتته تلك الإشارة التي قلّلت إلى حدّ تصعيد الاحتقان المذهبي، فلم ينضم المفتي إلى النبرة العالية التي طبعت مواقف نواب تيّار المستقبل، ولم يستعد ما قاله يوم 7 أيار 2008 بأن الشيعة يغزون بيروت السنّية. بيد أن حزب الله لم يفصل كذلك تصرّف قباني عن جهود كان يبذلها في أكثر من اتجاه: بعد لقائه نصر الله قبل أكثر من شهر وتأكيده له أن السنّة في لبنان لن يقبلوا باتهام حزب الله باغتيال الحريري الأب، يسعى إلى ترتيب زيارة لدمشق لطيّ صفحة الماضي في علاقته بها، المشابهة لعلاقة رئيس الحكومة بها حينذاك.

وإذ تبدو سلسلة المواقف التي أطلقها رئيس الحكومة في اتجاه حزب الله، على هامش اجتماع اللجنة الوزارية الثلاثية مساء أمس، مستعيداً «الكلمة الطيّبة»، فاتحة استعادة الحوار معه من غير أن يكون واثقاً من الاجتماع بنصر الله، على أثر زيارته الرابعة دمشق ولقائه الرئيس بشّار الأسد وتأكيدهما معادلة دمشق التي تقرن الاستقرار الداخلي بحماية المقاومة، يتجه الحزب إلى إعادة توجيه الجدل الدائر مع معارضيه في المنحى الذي سبق اشتباكات برج أبي حيدر تبعاً للآتي:

1ـ عدم فصل موقفه من القرار الاتهامي عن موقفه من المحكمة الدولية، شأن عدم تمييزه التحقيق الدولي عن المحكمة الدولية. وهو بذلك، يقترب يوماً بعد آخر من خياره الحتمي: الخروج من الإجماع الوطني على المحكمة الدولية مذ تحقق لأول مرة في أول طاولة حوار وطني في 2 آذار 2006.

2ـ عزمه على عقد مؤتمر صحافي بعد عطلة الفطر لخبراء في الاتصالات من داخل الحزب، يظهرون خلل عمل التحقيق الدولي ثم المحكمة الدولية من خلال شهود الزور وقطاع الاتصالات. وهي إشارة إلى عدم اكتفائه بما أُنيط بوزير العدل القيام به. وينطلق الحزب من مقاربة تجعله يطابق بين خلل شهود الزور الذين قادوا إلى اتهام سوريا باغتيال الحريري الأب، وخلل الاتصالات التي ترمي إلى اتهام الحزب بجريمة الاغتيال. وكشأن ارتكاز التحقيق الدولي على شهود الزور، يرتكز القرار الاتهامي، في تقويم الحزب، على الاتصالات. إلا أنه يسعى إلى إبراز قرائن جديدة تكشف الاختراق الإسرائيلي لقطاع الاتصالات اللبنانية وسبل استخدامها في وجهة تجريم الحزب.

2010-08-31