ارشيف من :أخبار لبنانية

خذوا العبرة من بكركي..

خذوا العبرة من بكركي..

"السفير" - إدمون صعب

«ان الوطن يعيش في ضمائر ابنائه قبل ان يعيش في الجغرافيا والتاريخ» الإمام موسى الصدر

في غمرة الفوضى التي اثارتها أحداث برج أبي حيدر الأخيرة، والتي كادت تهدد السلم الأهلي وتطيح نتائج القمة الأخيرة التي عقدت في بعبدا وضمت الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيسين السوري بشار الأسد واللبناني ميشال سليمان، كان هناك موقف عقلاني للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في عظة الأحد، إذ قال «ان الأحداث التي جرت مؤخراً وذهب ضحيتها بعض المواطنين، لا تريح البال».
وأضاف: «ان هناك أموراً تبعث على القلق حيث يتساءل الناس عما إذا كان الوضع سينفجر».
وجاء هذا الموقف الهادئ والمسؤول للبطريرك في وقت كان جزء من بيروت يغلي بفعل الكلام التحريضي من جانب الفريق السياسي الذي ينتمي الى رئيس الحكومة سعد الحريري.

والمؤسف ان الحريري لم يتصرف كرجل دولة حيال أحداث برج أبي حيدر الدامية التي سقط فيها ثلاث ضحايا، إضافة الى عدد من الجرحى، بل تصرف كرئيس لهذا الفريق. ولقد كان على رئيس الحكومة ان يعطي المثال الصالح، بضبط الأعصاب وعدم الانجرار وراء العواطف والهياج، ويهدئ من روع أهل بيروت الذين روّعهم الاقتتال بين الأهل والحلفاء تحت وطأة الشحن الطائفي والمذهبي الذي تعرضوا له طوال سنوات.
والمثال الصالح قدمه البطريرك في هدوئه وابداء قلقه على ما جرى، مفسحاً في المجال للمعالجة الواعية، عن طريق تسليم المسؤولية الى القوى الأمنية، من جيش وقوى أمن داخلي وقضاء عسكري. ولا نظن ان هذه قد قصّرت في واجباتها على ما صرح قائد الجيش العماد جان قهوجي لـ«السفير» رداً على السياسيين الذين ينتمون الى رئيس الحكومة، والذين انتقدوا أداء الجيش واتهموه بالتقاعس والتردد، والوصول متأخراً الى ساحة المعركة، مثله مثل الدفاع المدني والصليب الأحمر، بقوله: «المطلوب ألا ينفخ احد بالنار ثم يطالب الجيش بإخمادها»، مؤكداً ان «الجيش بإجراءاته وتصديه للمسلحين، اخــــمد الفتنة وحسم الوضع».
 
وزاد مجلس المطارنة الموارنة على مثال البطريرك، ما ورد في بيانه أمس من مطالبة «بوضع حد للفوضى في السلاح»، وهذا مطلب جميع اللبنانيين، وقد درسته اللجنة الوزارية الخاصة بموضوع السلاح، كما نظر فيه المجلس الأعلى للدفاع اول من أمس.
وأضاف المطارنة ان ما جرى في برج أبي حيدر هو من «الأحداث المؤسفة».
وقد رفع المطارنة الأجلاء الصلاة عن أرواح الضحايا الثلاث، متمنين الشفاء للجرحى.
وهذا ما كان مطلوباً، في حده الأدنى، من الرئيس سعد الحريري الذي شاء معالجة موضوع سلاح «حزب الله» في بيروت مع القيادة السورية، وقد أسمعه الرئيس بشار الأسد الكلام المناسب في هذا الشأن. وقد عاد بزاد يحض على اعتماد الحوار «لحل المشاكل العالقة»، مشدداً على «أهمية تعزيز الوفاق الوطني ودعم المقاومة، بما يحفظ قوة لبنان ويحميه من الاخطار الخارجية التي تهدد أمنه واستقراره».

وما كان أغنى الحريري عن التوجه الى دمشق طالباً تدخلها، لو هدّأ من روع جمهوره البيروتي الذي اضطربت أعصابه جراء ما جرى في برج أبي حيدر، فراح يطالب بـ«تنظيف» بيروت من «الدخلاء»وطردهم منها مع سلاحهم، على أساس ان بيروت لها أهلها وليست «متروكة».
ولكان نال اعجاب اللبنانيين واحترامهم لو هو تصّرف كمواطن لا كزعيم لتيار سياسي يمثل طائفة معينة، فتوجه الى منازل ذوي الضحايا معزياً ومتضامناً معهم في محنتهم.

وماذا كان ينقص رئيس الحكومة لو هو أقفل أذنيه حيال أصوات التحريض والشحن من الجوقة المحيطة به والمعروفة النيات والأهداف، سواء ضد الجيش، رمز كرامة الوطن وحامي السيادة والأمن، او ضد المقاومة، وإن يكن مواربة، عن طريق المطالبة بـ«بيروت منزوعة السلاح» ومتروكة لشبكات العملاء وأسلحتهم ومتفجراتهم، الذين لم يلق ملفهم الاهتمام الكافي الى الآن. ماذا كان ينقصه لو توجه الى المستشفيات يعود الجرحى، بدلا من المسارعة الى تفقد الأضرار التي تسبب فيها الاقتتال بين الأخوة في بيروت، وهو الذي تجاهل تفقد الأضرار التي أوقعها عدوان تموز 2006 في بيروت والضاحية والجنوب وأنحاء عدة من لبنان.

ولقد استوقفنا المثال الذي أعطاه البطريرك صفير ثم الكلام الذي ورد في بيان المطارنة، وهما اللذان اختبرا خلال أربعة أعوام نتائج الاثارة الطائفية والشحن المذهبي والتحريض على الفتنة، من خلال التصويب المركّز على «حزب الله» وسلاحه وإصابة الشيعة عموماً بشظاياه، مع ما أحدثه ذلك من تصدّع في الجبهة الداخلية، منذ «النداء السابع» الذي أذاعه المطارنة مطلع أيلول 2006، اثر انتهاء حرب تموز التي حققت فيها المقاومة انتصارها الكبير على الجيش الإسرائيلي، واتهموا فيه الحزب بالتسبب في الحرب، محملينه مسؤولية الدمار الذي ألحقه الطيران الحربي الإسرائيلي بالمنشآت والمصانع والطرق والبنى التحتية اللبنانية. ووصف النداء المقاومة بأنها أصبحت بعد التحرير في 25 أيار 2000 بمثابة ميليشيا مسلحة خارجة عن القانون. واستمر هجوم بكركي والمطارنة على المقاومة وسلاحها، وبلغ أوجه حتى عشية الانتخابات النيابية في 6 حزيران 2009 حين حذّر البطريرك الناخبين من الاقتراع لمرشحي المعارضة، وفي مقدمهم المسيحيون منهم المتحالفون مع «حزب الله»، لأن هذا الفريق يهدد بمواقفه الكيان والعروبة. وكانت هذه الموجة مرشحة للاستمرار لولا الزيارة الراعوية التي قام بها البطريرك الماروني لمدينة زحلة قبل شهرين من أجل تدشين مبنى المطرانية هناك. وهنا كان المفترق.
فقد اكتشف البطريرك ان التحريض السياسي والشحن الطائفي والمذهبي يهددان بتدمير الكيان، فضلاً عن كونهما يباعدان بين اللبنانيين، ويمزقان النسيج الاجتماعي، ويفسدان العيش المشترك.
 
إن المجال مفتوح أمام البطريرك ومجلس المطارنة للعب دور تاريخي في التوفيق بين اللبنانيين، وهو الدور الذي غاب في سنوات الضياع بين 2005 و2010، والعودة بالمسيحيين جسراً للتلاقي والحوار، ورأب الصدع، وإعادة وصل ما انقطع في الداخل، ومع سوريا كذلك.
وبهذه الروح الطامحة الى احياء التضامن الوطني، يمكن لبكركي البدء بإظهار تضامنها مع «حزب الله» في ما يعتبره اتهاماً ظالماً له في القرار الظني في موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
كذلك مطلوب من الرئيس سعد الحريري اظهار تضامن مماثل مع الحزب إذا كان حقاً يعتبره مظلوماً في هذه القضية، وان يتعظ بعد سنوات من الزوغان والضياع.
لقد اتعظت بكركي، فهل يتعظ الحريري؟


2010-09-02