ارشيف من :أخبار لبنانية
دمشق تطالب الحلفاء بإحاطة الحريري
ابراهيم الأمين - صحيفة الاخبار
بدا أن دمشق المهتمة ببناء علاقة جيدة مع رئيس الحكومة سعد الحريري، تأخذ ببعض ما يقوله الرجل. لكن الأمر لا يقف عند ما يفترضه هو ومقربون منه لناحية أنه توافق. بل لعل بعض المهتمين وبعض العارفين في السياسة السورية يشرحون الأمر بأنه تفهّم لأسباب موقف الحريري، أي فهم ما يدفعه إلى موقفه، لكنه ليس تفاهماً معه على ما يقوله.
ويشرح زوار العاصمة السورية هذه المقاربة بالقول إن في سوريا، على مختلف المستويات، من هو مقتنع بأن الحريري سيكون، حتى إشعار آخر، الممثل الأكثر شرعية للطائفة السُّنية في لبنان، وإن التفاهم أو التعاون السوري مع السعودية يعزز موقع الحريري على غيره من المرشحين لتولي منصب رئيس الحكومة، وإن دمشق تعتقد أن بديل الحريري في ظل الانقسام السياسي الحالي في لبنان لا يمكن أن يكون مساعداً على الاستقرار، إلا إذا اختير من فريق الحريري نفسه. وهذا يعني أن البديل الواقعي للحريري هو الرئيس فؤاد السنيورة، وهو الشخص غير المرغوب فيه من سوريا ومن كل قوى المعارضة السابقة.
وبناءً على هذه القراءة، يبدو أن في سوريا حماسة إضافية لأن يُصار إلى البحث في تعطيل بعض الأسباب التي يعتقد أنها تؤثر سلباً على الحريري، ومن بينها أنه واقع طوال الوقت تحت تأثير قوى وشخصيات وجهات معادية لها وللمقاومة، سواء من المقربين أو العاملين معه أو من حلفاء له أو من شخصيات محلية وعربية ودولية تدور في فلك آخر. ووجدت سوريا أنه قد يكون من المفيد إدارة الأمر بطريقة مختلفة، تقوم على الإحاطة برئيس الحكومة، وهذه الإحاطة بمعناها السياسي توجب التواصل معه بطريقة مختلفة عن السابق.
لذلك، حثت سوريا شخصيات من معارضي الحريري على استعادة التواصل معه، والإصرار على التحاور معه في كل وقت، وحجز قسم من وقته لشخصيات من غير فريقه، والعمل على دفعه نحو مواقع أكثر التصاقاً بالعناوين التي تحول دون اندلاع فتنة لبنانية داخلية. بناءً على ذلك، باشرت شخصيات من القوى المحسوبة على سوريا التواصل مع الحريري على هذا الأساس. ومن بين هؤلاء، النائب الأسبق لرئيس مجلس النواب، إيلي الفرزلي، والنائب عاصم قانصوه. والأخير، وإن كان يستفيد من علاقة خاصة كانت قائمة بينه وبين الرئيس الراحل، فإن الآخرين يصنَّفون في خانة الفريق القادر على دفع الأمور نحو وجهة مختلفة.
لذلك، فإن بعض الاجتماعات التي عقدت في الأيام التي تلت زيارة الحريري لدمشق ولقاءه الرئيس بشار الأسد اتخذت هذا الطابع. وتفيد معلومات أكيدة بأن الحريري سمع من مقربين من سوريا كلاماً عن ضرورة اعتماد آلية تشاور مع جميع اللبنانيين لاتخاذ الموقف الأفضل في مواجهة الاستحقاقات الداهمة له محلياً وإقليمياً، وخصوصاً من موقعه رئيساً للحكومة. كذلك سمع الحريري كلاماً انتقادياً ومواقف وطروحات تصدر عن مقربين منه، توحي بأن هؤلاء لا يهتمون بعلاقته مع دمشق ولا يفهمون أنهم بمواقفهم هذه إنما يسيئون إلى الحريري ولا يساعدونه على مواجهة المطروح أمامه. وربما ذهب البعض في الانتقاد إلى حدّ تسمية مقربين أو زوار لرئيس الحكومة وذكرهم بصورة قاسية، واستعادة مواقف لوالده، من بينها قَسَم تجاه هذه الشخصيات. وعلى حد تعبير أحدهم، فإن الحريري الأب كان قد أقسم إنه لن يسمح للرئيس أمين الجميّل بالدخول إلى منزله، لكن الأخير صار في فترة قياسية أحد ساكني القصر، وأظهر رغبة قوية في بناء تحالف وثيق مع الحريري، وبات من الزوار الدائمين لقريطم. كذلك، هناك بحث لمواقف مقربين من الحريري من الذين تعتقد دمشق أنهم دفعوه إلى مواقع خاطئة سببت له مشكلات وخسائر سياسية وشعبية كبيرة.
وبحسب البعض، فإن الحريري في مرحلة الاستماع وليس في مرحلة التفاعل مع هذه الأمور، ولو أنه يتعامل مع الأمر بجدية آخذاً في الاعتبار أن دمشق تظهر له استعداداً للتفاعل والتعاون أكثر مما يعتقد هو، لكنها لا تريد للأمر أن يظل على ما هو عليه حالياً، أي على النحو الذي يقول زوار دمشق إنه يقوم على فكرة أن مفعول زيارة الحريري لسوريا لا يتجاوز الأيام القليلة، وأن فريقاً مكلفاً «تخريب» علاقته بسوريا يتولى خلال هذه المدة تسويق كل المواقف التي من شأنها إعادة الأمور إلى النقطة الصفر.
لكن هل هذه هي طريقة العلاج؟
في جانب من الأمر، تبدو دمشق متفهمة لحاجة الكل إلى التواصل والتحاور، وخصوصاً أن الحريري باقٍ في موقع رئيس الحكومة حتى إشعار آخر. لكن في مكان آخر، ثمة استعادة سورية لمنطق سبق أن جربته أثناء وجودها في لبنان، وفي سوريا آراء من النوع الذي يظهر سوريا كأنها على الحياد في مواجهة الاستحقاقات، فضلاً عن أنّ في الأمر نوعاً من الرهان غير المنطقي، ربطاً بالموقع الفعلي الذي يحتله الحريري محلياً وعربياً ودولياً. وهو رهان يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل خمس سنوات، الأمر الذي لن يكون واقعياً أو منطقياً؛ لأن حجم التحولات التي جرت في البلاد كبير جداً، والخطورة تكمن في أن يكون في سوريا من يرغب في إعادة تكرار السياسة السابقة، ما يعني أن البلاد ستكون مقبلة على تجاذبات لا تنتهي إلى نتائج حاسمة، وعندها يكون الحريري قد استفاد ـــــ كما وليد جنبلاط ـــــ من الغطاء السوري من دون أي مقابل حقيقي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018