ارشيف من :أخبار لبنانية

استثمار المسجد المحروق

استثمار المسجد المحروق
فداء عيتاني - صحيفة الاخبار

وقف رئيس حكومتنا موقفاً جادّاً بُعيد أحداث برج أبي حيدر ليقول إنّ بيروت يجب أن تكون منزوعة السلاح. كما أعلن في الإفطار المنعقد في 31 آب الماضي، أنّ «القانون فوق الجميع»، ناسياً أن الدستور اللبناني يعاقب على إثارة النعرات الطائفية. كما نسي مرشده الرئيس السابق فؤاد السنيورة أن القوانين تتطلب منه إبراء ذمّته المالية أمام المجلس النيابي عبر تقديم قطع الحساب عن الموازنات الممتدة من عام 2003 حتى اليوم، وهي هفوة أصبح يشارك فيها رئيس الحكومة الحالية.

ولكن ما لم يظهر أمام الإعلام والمواطنين بعيد اشتباكات برج أبي حيدر، أن ثمة ثلاثة أطراف عملت خلال الساعات التالية على الاشتباك لحصد المكاسب، وهي: مفتي الجمهورية اللبنانية، الرئيس الحالي للحكومة والمملكة العربية السعودية.

ومن ممثلي السعودية، تلقّى مفتي الجمهورية إشارات بأن اللحظة مواتية لسحب البساط من تحت أقدام جمعية المشاريع، التي لها الباع الطويل في مقارعة الفكر الوهابي وانتشاره، وسبق أن اغتالت مجموعة سلفية رئيسها الشيخ نزار الحلبي، وإن سحب البساط يمكن أن يبدأ عبر سحب المسجد المحروق من تحت سيطرة الجمعية. ويستحسن أن يبدأ الأمر عبر ترميم دار الإفتاء في بيروت للمسجد، على أن تليه خطبة المفتي في المسجد يوم الجمعة.

في المقلب الحريري من المشهد، بعث رئيس الحكومة بتوصية مشابهة الى المفتي. ولكن ما يعرفه بعض أركان المستقبل أن الشارع المؤيد للتيار استحسن ما قامت به الجمعية من مواصلة الاشتباك من مركزها في برج أبي حيدر لساعات عدة، وبدأت مقارنة ما فعلته الجمعية بما قام به أركان تيار المستقبل ومقاتلوه في السابع من أيار حين كانوا بالآلاف في بيروت، وفرّوا من أمام مقاتلي قوى المعارضة خلال دقائق أو ساعات معدودة.

حرص كوادر في تيار المستقبل على نقل صورة التعاطف بين صفوف التيار مع جمعية المشاريع، وأشاروا الى توقف الضخ المالي في الشارع، والتذمّر من إعادة هيكلة التيار على قاعدة بضعة منتسبين متفرغين في كل حي فقط لا غير... كل ذلك أدى الى ضرورة القيام بخطوات مباشرة نزل على أثرها رئيس الحكومة الى الشارع لحصد مكاسب مباشرة من اشتباك سقط فيه ثلاثة من شهداء المقاومة، بمن فيهم أحمد جمال عميرات.

أما مفتي الجمهورية الذي تلقى طلب المملكة وسعد الحريري، فقد كان في موقع حرج بعض الشيء. وهو بالكاد توصل الى تسوية تحميه من الفساد والهدر الماليين المرتكبين في أموال الوقف الإسلامي، وقد أعاد وصل العلاقات مع حزب الله أخيراً بعيد تعزيته بالعلّامة محمد حسين فضل الله، ولقائه الأمين العام لحزب الله وتواصله مع المعنيين في حزب الله، وها هو يطلب منه أن يقف مرة أخرى ليكون كبش محرقة ويحقق بضعة مكاسب للحريري الشاب.

في الاتصالات التمهيدية التي أجراها المفتي على نحو غير مباشر مع جمعية المشاريع، طرح تكليف شركة لبحث الأضرار في مسجد البسطة وتقويمها وتكليف متعهد لترميم المسجد. إلا أن جواب الجمعية كان أن شخصيات تبرّعت بالكلفة الكاملة مباشرة، على أن تتكفل شركة خاصة بترميم المسجد، مع شكر دار الإفتاء على لفتتها.

كانت تلك الخطوة الأولى في إبعاد المفتي ومن يقف خلفه عن محاولة إعادة السيطرة على مسجدي البسطة وبرج أبي حيدر. إلا أن المفتي الذي نجا من ملفات الفساد والانحياز السياسي الفاقع والتورط في مشاريع استجلاب الدعم المذهبي لمصلحة تيار المستقبل، لم يرغب هذه المرة في أن يكون ضحية مرة أخرى لتكتيكات التجييش الطائفي، فأحسن الاتصال بكل الفرقاء قبل النزول الى مسجد البسطة لإلقاء خطبة الجمعة. وحين كاشفه بعض المسوؤلين الأمنيين بخطورة الوضع في الشارع، قدّم خطبته مكتوبة الى الجهاز الأمني، وإلى جمعية المشاريع، وإلى من يعنيهم الأمر في أماكن أخرى أيضاً، والتزم خلال الخطبة بالورقة المكتوبة. كما أنه طلب مشاركة المشاريع في الصلاة في مسجدها بكثافة، وهو ما كان، رغم حذر «المشاريع» من أن تكون صلاة الجمعة مدخلاً لإعادة وضع دار الإفتاء يدها على المسجد.

المفتي، من ناحيته، اصطحب العديد من أئمّة المساجد، وحصر الكلام بما جرى في منطقة برج أبي حيدر بكلمته فقط، بينما خطب في المساجد خطباء شبان حول أمور الدين حصراً دون السياسة. وخرج المفتي من مجموعة المطالب التي وضعت أمامه من رئيس الحكومة ومن المملكة سليماً معافى هذه المرة. وساهم في إفشال الاستثمار المذهبي للمسجد المحروق.
2010-09-03