ارشيف من :أخبار لبنانية
طموحات الحريري في «المصفاة» السورية: المفاضلة بين المحكمة والحكومة
عماد مرمل - صحيفة السفير
لئن كانت تداعيات حادثة برج ابي حيدر قد أصبحت تحت السيطرة، بعدما كادت تضع البلد على حافة الهاوية، إلا ان أخطر ما كشفته هذه الحادثة هو مدى قابلية الارض للاهتزاز تحت تأثير خلاف فردي لا خلفيات سياسية أو مذهبية له، فكيف إذا تحرك «فالق» القرار الظني حاملا في طياته اتهاما لعناصر في «حزب الله» باغتيال الرئيس رفيق الحريري؟
بهذا المعنى، شكلت تجربة برج ابي حيدر جرس إنذار مدو، بعدما ظهر ان الاحتقان المتراكم بات قادرا على التحكم بإدارة الشارع أكثر مما تستطيع أن تفعله غرف العمليات الحزبية والقيادات السياسية، حتى عندما يتصل الامر بطرفين شديدي التنظيم والانضباط مثل «حزب الله» و«الأحباش».
وبقدر ما بيّنت التجربة الميدانية جهوزية الجمهور للانجرار الى الشارع، فهي كشفت ايضا المنسوب المرتفع من الانفعال لدى المستوى السياسي، ما كاد يؤدي الى تفاقم الامور لولا مسارعة «فوج الإطفاء» السوري الى تطويق الحريق الذي جرت تغذيته بمواد مذهبية سريعة الاشتعال.
وفي المعلومات أن بعض كبار المسؤولين الامنيين اللبنانيين أمضوا ليلة عصيبة في ذاك الثلاثاء الدامي، بعدما شعروا ان إشكال برج ابي حيدر قد يفجر برميل البارود الذي يعوم على سطحه البلد، بمؤسساته و«شعوبه».
وما فاقم القلق في تلك الليلة هو استهداف أحد المساجد، بما يرمز اليه من استحضار لنموذج «العرقنة» الذي لن يكون بإمكان أحد السيطرة عليه متى خرج من قمقمه. ولهذا السبب فإن التحقيق الذي يجريه الجيش يركز على معرفة ملابسات التعرض للمسجد المستهدف والهوية الحقيقية للأشخاص الذين هاجموه.
ولأن الجيش وضع يده على الموضوع، ولأن التحقيق أخذ مجراه، فإن قرار رئيس الحكومة سعد الحريري بتفقد المسجد لم يلق استحسانا لدى مراجع عليا في الدولة. وعندما جرى إبلاغ الحريري بأن خطوته هذه لم تكن موفقة، أجاب بأن حرق المسجد هو فعل خطير، «وكان لا بد لي من أنزل الى الشارع لاحتواء الفتنة وامتصاص نقمة الناس»، فجاءه الرد انه إذا كان هذا هو قصده، إلا ان «جولته الموجهة» أعطت مفعولا عكسيا.
وخلال الاجتماع الاخير لمجلس الدفاع الاعلى، بدا قائد الجيش العماد جان قهوجي غاضبا من اتهام الجيش بالتقصير وتحميله أكثر مما يحتمل، داعيا الى تأمين الامكانيات المادية التي يحتاج اليها بدلا من توجيه الانتقادات اليه. وقد ترك كلام قهوجي وقعا سلبيا لدى الرئيس الحريري الذي بدا منزعجا من موقف قائد الجيش بعدما شعر بأنه موجّه نحوه، إلا ان الرئيس ميشال سليمان سارع الى تصويب النقاش، فيما عاد الحريري لاحقا الى ترطيب الاجواء مع قهوجي الذي شارك في إفطار قريطم مساء امس الاول بدعوة من الحريري.
أين دمشق مما يجري في بيروت؟
من المؤكد أن الرئيس السوري بشار الاسد ساهم في احتواء «انفعالات» الحريري بعدما أكد أمامه خلال «السحور الدمشقي» قبل أيام أن المقاومة خط أحمر وانه يجب العمل سريعا على لملمة ذيول اشتباكات برج ابي حيدر، مبديا الاستعداد لتوظيف علاقته مع حزب الله للدفع في هذا الاتجاه.
وبرأي العارفين، يسعى الحريري الى الحصول من دمشق على أقصى درجات الدعم، بما يسهل مهمته في السلطة، ويتيح له صرف «النفوذ السوري» في مواجهة خصومه، لكن من دون أن يقدم في المقابل ما يغري سوريا على منحه هذا الامتياز أو التفويض.
ويبدو أن السوريين يحاولون إفهام الحريري، على طريقتهم، وبوسائل غير مباشرة، أن إصراره على الاحتفاظ ببعض المستشارين و«الناصحين»، المعروفين بتشددهم حيال سوريا والمقاومة لا ينسجم مع التطور الحاصل في علاقته بها ومتطلبات هذا التطور.
وهناك في دمشق وبيروت من توقف باستغراب عند قول الحريري ان الرئيس فؤاد السنيورة خط أحمر، لان الترجمة السياسية لهذا الكلام تعني أن الحريري مقتنع بصوابية خيارات السنيورة وسياساته خلال السنوات الاربع الماضية التي شكّل خلالها الرجل «رأس جسر» لبناني للمشروع الاميركي الذي خاض معركة شرسة ضد سوريا.
ويقول العارفون إن الحريري اعتاد أن يعود كل مرة من دمشق متفهماً لوجهة النظر السورية القائلة بضرورة الحوار والبحث عن قواسم مشتركة مع الآخرين، لكن ما يحصل انه يلتزم في الظاهر بالتهدئة فيما يواصل الهجوم على حزب الله أمام المقربين منه والذين يحترفون لعبة التعبئة ضد الحزب، ما يعني أن شيئا جوهريا لا يتبدل في أعماق رئيس الحكومة وقناعاته.
ويبدو أن الحريري يعتقد أن بإمكانه العبور من «رواق» الخلاف السوري - الايراني على بعض المسائل في العراق، لتخفيف زخم احتضان الرئيس الاسد لحزب الله أو أقله لدفعه الى الوقوف على مسافة واحدة من الحزب ورئيس الحكومة. إلا أن العارفين بالموقف الاستراتيجي السوري يؤكدون أن الرهان على ابتعاده عن حزب الله هو مجرد وهم، لان الرئيس الاسد يدرك أهمية حزب الله في معادلة الصراع في المنطقة وفي تعزيز موقع سوريا داخل هذه المعادلة، ناهيك عن ان التفاهم بين دمشق وطهران بشأن لبنان وفلسطين، حيث جوهر القضية، هو تفاهم تام.
هل تؤيد دمشق تغييراً حكومياً؟
يؤكد العارفون أن أمر بقاء الحريري في سدة رئاسة الحكومة أو خروجه منها يخضع الى حسابات سورية دقيقة. والارجح أن دمشق تفضل بقاءه في رئاسة الحكومة، على قاعدة ان يُحسن التعاطي مع ملف المحكمة الدولية، وأن يقتنع بأن أي قرار ظني يتهم حزب الله سيؤدي فعليا الى خلط دراماتيكي للاوراق في لبنان وربما في المنطقة، وان يعتمد خطابا مدروسا في هذه المرحلة الحساسة، وان يتحرك جديا للمساهمة في محاولة إبعاد هذه الكأس المرة عن البلد.
يفضل السوريون أن يبقى الحريري في السلطة حتى إشعار آخر، لان ذلك يفسح المجال أمامهم لإحاطته ومواكبته بما يجعل تصرفاته مدروسة ومنضبطة، في حين ان وجوده في المعارضة سيؤدي الى تحريره من «الضوابط» وتقويته في بيئته وتعزيز الالتفاف السني حوله من جديد، في استعادة لتجربة والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أصبح أقوى بكثير، وفي الوقت ذاته أقل تأثراً بالاعتبارات السورية، بعد ابتعاده عن السلطة.
وتبقى الكرة في ملعب سعد الحريري الذي سيجد نفسه مضطرا في نهاية المطاف الى الاختيار بين الحكومة.. والمحكمة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018