ارشيف من :أخبار لبنانية

نحو تقويم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية

نحو تقويم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية
عوني فرسخ(*)
تعدد خلال الشهور الأخيرة بين الكُتاب والمحللين السياسيين العرب القائلون إذا كان الفريق المتولي مقدرات منظمة التحرير الفلسطينية والمحتكر صناعة قراراتها لم يحقق أي إنجاز باعتماده خيار المفاوضات ورهانه على الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، فإن قوى المقاومة لم تنجز ما يتكافأ وتضحيات ومعاناة شعبها، الذي أولاها ولا يزال ثقته وتأييده. عودة إلى البدايات تظهر أنه في العام 1882 وصلت إلى فلسطين الموجة الأولى من المهاجرين الصهاينة، ولم يكونوا جماعة من اليهود الفقراء الباحثين عن ملجأ آمن بعد أن ضاقت بهم أوطانهم الأوروبية، وإنما كانوا طليعة استعمار استيطاني عنصري، تمتلك الرؤية الاستراتيجية والتنظيم السياسي، فضلاً عن كونها مشمولة بالرعاية والحماية البريطانية، وتحظى بالدعم المالي والسياسي والإعلامي من الرأسمالية اليهودية متزايدة التأثير في أوروبا وأمريكا. وفي العام 1897 وضع المؤتمر الصهيوني الأول بزعامة هرتزل استراتيجية إقامة “الوطن القومي اليهودي” وأنشأ المنظمات السياسية والمؤسسات المالية اللازمة لتنفيذها . ومنذ الاحتلال البريطاني لفلسطين سنة 1917 مارست “الوكالة اليهودية” برئاسة حاييم وايزمان أنشطة إدارية واقتصادية واجتماعية وسياسية، وكأنها دولة كاملة الصلاحيات في ظل سلطة الانتداب.
وبالمقابل كان المجتمع العربي الفلسطيني حين جوبه بالغزاة الصهاينة لما يزل أسير تراكمات قرون الانحطاط المملوكي والاستبداد العثماني، بحيث كان متخلف الوعي والمعرفة، ومفتقراً تماماً لأي تنظيم سياسي أو اجتماعي. الأمر الذي بدا فيه لصناع القرار البريطاني إمكانية تنفيذ مشروعهم الصهيوني من دون مقاومة تذكر. كما يستدل على ذلك من قول حاييم وايزمان في مذكراته: “وعدتنا بريطانيا أن تكون فلسطين سنة 1935 يهودية كما هي إنجلترا انجليزية”. وهو الوعد الذي حالت دون تحققه الممانعة الشعبية العربية، ذلك أنه في العام 1935 لم يجاوز الصهاينة 28% من سكان فلسطين، ولا جاوز استعمارهم 5% من أراضيها .
وكما جرى منذ العام 1920 العمل على استغلال التناقضات الثانوية في المجتمع العربي الفلسطيني . وذلك ما بدأه العقيد ستورز، الحاكم العسكري البريطاني للقدس، إذ اتخذ من تولي رئاسة بلدية القدس أداة أسهمت في تعميق انقسام قوى الحراك السياسي الفلسطيني بين رافضي وعد بلفور والانتداب الملتزمين بالتحرير والاستقلال الوطني، وبين معارضة موالية للاستعمار وغير ممتنعة عن الانفتاح على الصهاينة . الأمر الذي تواصل طوال سنوات الانتداب، وبعد النكبة، وكان ولا يزال في مقدمة عوامل قصور توظيف الإمكانات المادية المتاحة والقدرات البشرية المتوفرة في تقديم الاستجابة الفاعلة للتحدي الامبريالي الصهيوني.
ويتضح مما سبق أن قوى الممانعة والمقاومة الفلسطينية واجهت منذ عشرينات القرن الماضي تحالفاً استراتيجياً بين الاستعمار والصهيونية والنخب العربية المرتبطة مصلحياً بدوائر صناعة القرار الأوروبية والأمريكية: وحين تقرأ المسيرة الفلسطينية على مدى العقود التسعة الماضية يبدو جلياً تواصل الجدل بين قوى الممانعة والمقاومة، وبين القوى المراهنة على تسوية مستحيلة التحقق . ولقد كان الانقسام الفلسطيني على الدوام موضوعياً إذ يقوم بين ملتزمين بنهجين متناقضين تمام التناقض، ومتمايزين في الموقف من الثوابت الوطنية والتفاعل مع العمق القومي العربي والمحيط الاقليمي.
ولما كان الشعب العربي الفلسطيني يخوض صراعاً وجودياً مع استعمار استيطاني عنصري إجلائي، المعركة فيه “مباراة صفرية”، كانت الممانعة والمقاومة التجسيد الحي لاستجابته للتحدي الذي فرض عليه، وأداته في إبقاء جذوة الصراع متقده، والتي مكنته من تحقيق إنجازاته التاريخية، وفي مقدمتها فشل التحالف الاستراتيجي ثلاثي الأطراف في أن يستلب إرادته أو يفرض عليه الاستسلام . ما جعل مقاومته تحتل موقعاً متميزاً بين حركات التحرر الآسيوية والإفريقية والأمريكية اللاتينية باعتبارها حققت إنجازاتها برغم ضغوط التحالف الثلاثي . فضلاً عن أن استطاعة المقاومة الإنجاز في أصعب الظروف عمقت الثقة بقدرة شعب فلسطين على إفشال كل محاولات حسم الصراع إلا بشروطه . وإذا كان السكون مخيماً راهناً على قطاع غزة فليس معنى ذلك أن مقاومته باتت عاجزة عن تحقيق أي إنجاز . وفي الحاح صناع القرار السياسي والعسكري الصهيوني على موضوع “الأمن” في مواجهة القطاع ما يؤشر على أن مقاومته حققت ردعا متبادلاً مع العدو بعد أن أفشلت استعادته قوة ردعه التي افتقدها في صيف 2006 في مواجهة المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله . وهل كان أحرار العالم ينتصرون لشعب فلسطين وحقوقه المشروعة لو أن مقاومته فشلت في إبقاء جذوة الصراع مشتعلة، ولم تحل دون استلاب إرادته؟
وفي ضوء هذه الحقيقة يقّوم أداء المقاومة لمن شاء أن يكون كلامه علمياً ومؤسساً على قراءة موضوعية للواقع.
(*) المصدر: دار الخليج
2010-09-04