ارشيف من :أخبار لبنانية

بعد اعتراف الحريري بوجود شهود الزور وإلحاقهم الأذى بلبنان: ما هو الموقف العملي لمحاسبة مضلّلي التحقيق قضائياً وسياسياً؟

بعد اعتراف الحريري بوجود شهود الزور وإلحاقهم الأذى بلبنان: ما هو الموقف العملي لمحاسبة مضلّلي التحقيق قضائياً وسياسياً؟

علي الموسوي - صحيفة السفير

فجّر رئيس الحكومة سعد الحريري مفاجأة باعترافه الصريح بوجود شهود الزور في جريمة اغتيال والده رفيق الحريري، وذلك في المقابلة التي أجرتها صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية معه ونشرت أمس الاثنين، شاطباً كلّ الكلام عن عدم وجودهم والصادر عن كتلة تيّار المستقبل، وعن شخصيات سياسية تدور في فلك 14 آذار.


وانشغل المراقبون في تحليل كلام الحريري، كونها المرّة الأولى منذ وقوع جريمة 14 شباط 2005، يصدر مثل هذا الموقف الرسمي والسياسي الهام عن ولي الدم، ويعترف فيه بأنّ التحقيق القضائي اللبناني الذي أجري بين العامين 2005 و2009 وأوقف الضبّاط الأربعة اللواءان جميل السيّد وعلي الحاج والعميدان مصطفى حمدان وريمون عازار على أساسه، كان مضلّلاً من قبل شهود زور سيّسوا الاغتيال.


وإنْ ذهب بعض القانونيين إلى اعتبار موقف الحريري ضربة استباقية لاستيعاب الصدمة التي قد يحدثها قرار قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان دانيال فرانسين في دعوى اللواء السيّد على المدعي العام الدولي دانيال بيلمار، إلاّ أنّه في مطلق الأحوال، اعتراف رسمي بما كان يعلنه رسمياً وكلاء الدفاع عن الضبّاط الأربعة، وهو ثابت في أرشيف الصحف والمستندات المقدمة للقضاء، بأنّ توقيفهم سياسي ومبني على شهود زور سبق للجنة التحقيق الدولية في عهد رئيسها الثاني القاضي البلجيكي سيرج برامرتز أن أبلغت القضاء اللبناني رسمياً وتحديداً منذ شهر كانون الثاني من العام 2006 بأنّ جميع شهود التوقيف الذين ارتكز إليهم الرئيس السابق للجنة التحقيق القاضي الألماني ديتليف ميليس، هم مزوّرون.


ولو لم يقم القضاء اللبناني ممثّلاً بالنائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا بإخفاء كتاب برامرتز المعطى له عن الشهود المضلّلين، عن محامي الضبّاط الأربعة، وعدم قيام لجنة التحقيق بنشره علناً، لما استمرّ توقيف هؤلاء الضبّاط بين شهر كانون الثاني 2006 و29 نيسان من العام 2009، مع التذكير بأنّ اللواء السيّد وفي بيانات أصدرها من مركز اعتقاله التعسفي في سجن رومية المركزي، قال إنّه لا يجوز للجنة التحقيق الدولية أن تنشر علناً إفادات شهود الزور خلافاً لسرّيّة التحقيق، ثمّ أن تحجب تقريرها أو كتابها الذي يبيّن أنّ الشهود مزوّرون، عن الإعلام وعن وكلاء الدفاع، متحجّجة بسرّيّة التحقيق.


وأتى كلام سعد الحريري مخالفاً لما نشرته صحيفة «النهار» في عددها الصادر في 21 آب 2010 بعد اجتماع كتلة المستقبل برئاسته من أنّ رأي الكتلة «استقرّ على أنّه لا شيء اسمه ملفّ شهود الزور». كما أنّ كلام الحريري أتى مناقضاً لكلّ المواقف الشفّافة لعدد لا بأس به من السياسيين والوزراء والنوّاب المؤيّدين له والذين أجمعوا على نفي وجود شهود الزور.


وقد حاول بعض السياسيين وضع كلام الحريري في إطار سياسي مرتبط بالعلاقة الحريرية ـ السورية برعاية سعودية، لكنّه لا يعالج النتائج القانونية والمسؤوليات الجزائية والأضرار اللاحقة بالأشخاص الذين اتهموا وأوقفوا بالاستناد إلى شهود الزور والتسرّع في اتهام سوريا عبر الضبّاط الأربعة مدّة ثلاث سنوات وثمانية أشهر.


ويقول أحد القانونيين الخبراء إنّه يمكن أن يفهم موقف الحريري على أنّه استباق استيعابي للنتائج المحتملة لقرار القاضي فرانسين الذي إذا ما قرّر إلزام بيلمار بتسليم السيّد الأدلة على شهود الزور ولم يستأنف بيلمار هذا الحكم، فإنّ الأدلّة سوف تكون بحوزة السيّد عملياً بدءاً من الأسبوع الثالث من شهر أيلول الجاري، وعندها سوف تسقط مقولة نفي وجود شهود الزور والتي يتمّ تداولها منذ 29 نيسان من العام 2009 حينما أطلق فرانسين سراح الضبّاط الأربعة.


ويضيف هذا الخبير بأنّه ليس لموقف الحريري السياسي من قضية شهود الزور أيّ تأثير على الحقّ الشخصي للواء السيّد الذي أعلن بأنّه يطالب بحقّه الشخصي أمام المحاكم السورية بعدما اعتبرت المحكمة الخاصة بلبنان نفسها غير مختصة لمحاكمة شهود الزور، وبعدما سبق للقضاء اللبناني أن جاهر خلافاً للقانون والأصول، بعدم صلاحيته للتحقيق في موضوع شهود الزور وبكلّ ما له علاقة بالجرائم المرتكبة في سياق التحقيق والتوقيف الحاصلين في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.


ويلفت هذا الخبير النظر إلى نقطة مهمّة وهي أنّ سعد الحريري لم يقل ما هو الموقف العملي الذي يريد أن يتخذه قضائياً وسياسياً وإدارياً لمحاسبة مضلّلي التحقيق ولاسيّما أنّه قال صراحة في هذه المقابلة بأنّ شهود الزور «ضللوا التحقيق وألحقوا الأذى بسورية ولبنان وألحقوا الأذى بنا كعائلة الرئيس الشهيد».


وبهذا الإقرار الجريء يساوي الحريري بينه وبين الضبّاط الأربعة ويعتبر نفسه مثل هؤلاء الضبّاط متضرّراً من شهود الزور، ولكنّه لم يفصح عن الإجراء الذي ينوي أن يتخذه في هذا السياق وخصوصاً أنّه قال حرفياً: «وفي عداد شهود الزور اثنان في السجون اللبنانية وآخر مطلوب للقضاء اللبناني بتهمة المشاركة في اغتيال الرئيس الشهيد».


وهذا الاعتراف بوجود شاهدي زور في السجون اللبنانية يقصد به تاجر المخدّرات السوري أكرم شكيب مراد، والمخبر اللبناني أحمد مرعي. ولكنّ الرئيس الحريري وقع في مغالطة جوهرية بحديثه عن شاهد مطلوب للقضاء اللبناني بتهمة المشاركة في اغتيال والده، قاصداً السوري زهير بن محمّد سعيد الصدّيّق، لأنّ القضاء اللبناني تنازل عن صلاحياته لمصلحة المحكمة الخاصة بلبنان وأرسل الملفّات إليها، واستردّ المحقّق العدلي صقر صقر مذكّرة التوقيف الغيابية الصادرة بحقّ الصدّيّق ممّا يعني أنّه لم يعد مطلوباً للقضاء اللبناني.


ما هي الخيارات المطروحة أمام الحريري؟


يرى مرجع حقوقي أنّه بإزاء اعتراف الحريري بحصول ضرر سياسي وشخصي بحقّه، من خلال الحديث عن ضرر لحق بالعلاقات اللبنانية السورية بقوله: «هؤلاء (ويقصد شهود الزور) خرّبوا العلاقة بين البلدين وسيّسوا الاغتيال»، و«ألحقوا الأذى بنا كعائلة الرئيس الشهيد»، لا بدّ من إتباع الخطوات التالية:


أوّلاً: بالنسبة للضرر السياسي: يجب على مجلس الوزراء أن يحيل قضية تضليل التحقيق على المجلس العدلي، وأن يقوم وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى، بتعيين محقّق عدلي من غير الطقم الذي كان موجوداً في السنوات السابقة، وذلك عملاً بأحكام الفقرة ألف من المادة 356 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تجعل المجلس العدلي مختصاً في جميع الجرائم المنصوص عليها في المواد 270 وما يليها وحتّى المادة 336 ضمناً من قانون العقوبات فضلاً عن جرائم الإرهاب.


وفي اطلاع سريع على محتويات عيّنة من هذه المواد القانونية، يتضح بأنّ المادة 270 معطوفة على المادة 335 عقوبات تصف بالمؤامرة مضلّلي التحقيق ومن يقف وراءهم لأنّه يوجد اتفاق جنائي في ما بينهم.


والمادة 271 تتحدّث عن تعريض أمن الدولة اللبنانية للخطر، وذلك من خلال اتهام سوريا باغتيال الحريري.


والمادة 288 تتناول تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية وتعكير صلاته بالدولة السورية وتعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية.


والمادة 308 تقول بتعريض السلم الأهلي في لبنان وجرّ اللبنانيين للاقتتال في ما بينهم.


والمادة 569 تنطبق على احتجاز حرّيّة أربعة ضبّاط وغيرهم من اللبنانيين.


ثانياً: بالنسبة للضرر الشخصي: يستطيع الحريري أن يتخذ صفة الادعاء الشخصي أمام المحقّق العدلي كما فعل أمام المحقّق العدلي الثاني في جريمة اغتيال والده القاضي إلياس عيد حينما اتخذ صفة الادعاء الشخصي ضدّ الضبّاط الأربعة، ويمكنه أن يتوجّه إلى قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان بمذكّرة يطلب فيها تسليمه الأدلّة على شهود الزور تماماً كما فعل اللواء الركن جميل السيّد، وذلك لئلا يبقى كلامه وموقفه من دون خطوات عملية وإجراءات وتدابير جذرية ورادعة وحاسمة بحقّ شهود الزور، ولئلا يصبح التضليل سمة القضايا الكبرى، والأهم من كلّ ذلك الحفاظ على دم رفيق الحريري من أن يذهب هدراً ومن دون معرفة القاتل الفعلي وما جرّه على لبنان من تداعيات مأسوية لا يمكن أن تنسى بشحطة قلم.


2010-09-07