ارشيف من :أخبار لبنانية

«انتفاضة» جريئة للحريري على شهود الزور.. فهل يكملها القضاء؟

«انتفاضة» جريئة للحريري على شهود الزور.. فهل يكملها القضاء؟

عماد مرمل - صحيفة السفير

«هناك أشخاص ضللوا التحقيق، وألحقوا الأذى بسوريا ولبنان.. وشهود الزور هؤلاء، خربوا العلاقة بين البلدين وسيّسوا الاغتيال».

للوهلة الاولى، يعتقد المرء أن صاحب هذا الكلام هو أحد قيادات «حزب الله» أو أحد صقور المعارضة قبل أن يتبين أن قائله ليس سوى رئيس الحكومة سعد الحريري... ومن على صدر الصفحة الأولى لصحيفة «الشرق الأوسط» السعودية.

هي المرة الاولى التي يعترف فيها الحريري بوجود شهود الزور ويقر بدورهم في تخريب العلاقة بين لبنان وسوريا وفي تسييس التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. بهذا المعنى، فإن ما قاله رئيس الحكومة هو بمثابة «انقلاب أبيض» على جوهر الخطاب الذي اعتمده وفريق 14 آذار طيلة السنوات الخمس الماضية.

لقد بدا سعد الحريري وكأنه يرد على تيار المستقبل نفسه وعلى كتلته النيابية، بعدما كان الناطقون باسمه يرفضون حتى الامس القريب الإقرار بمبدأ وجود شهود الزور ويعتبرون أن هذا المصطلح هو مجرد هرطقة قانونية لا مكان لها في الإعراب القضائي، ناهيك عن أن موقفه المستجد يجوّف طرح حليفيه المسيحيين في 14 آذار، القوات اللبنانية وحزب الكتائب، اللذين يصران على تجاهل شهود الزور.

ولكن كلام الحريري، الذي يعكس بطبيعة الحال نقدا ذاتيا جريئا وشجاعة أدبية في التراجع عن بعض الاخطاء، قد لا يكفي بحد ذاته لمحو الندوب التي تركتها المرحلة السابقة على جسد العلاقات اللبنانية - اللبنانية ما لم تكن له تتمة، ولعله من المفيد الاشارة الى أن الاتهام السياسي لسوريا وحلفائها جر تحولات بنيوية في تركيبة السلطة والادارات لا تزال سارية المفعول حتى الآن.

ولئن كان موقف الحريري يندرج على ما يبدو في سياق تسديد آخر «سندات» الصفحة الجديدة التي فتحت بينه وبين دمشق، إلا أن «المتضررين» في لبنان من عاصفة السنوات الماضية يعتبرون أنه بحاجة الى ترجمة حتى يكتسب معنى ملموساً، لان الاعتراف بالخطأ، على أهميته وإيجابيته، يبقى «نظريا»، ما لم يستكمل بخطوات تصحيحية لاحقة، من نوع:

- تقفي آثار شهود الزور حتى النهاية، مع ما يستوجبه ذلك من محاسبة لمن رعاهم وفبركهم، وبعض هؤلاء ربما يكون موجودا في محيط رئيس الحكومة، فهل سيمتلك الاخير جرأة فتح هذا الملف الحساس كما امتلك شجاعة نفض يديه من شهود الزور وارتكاباتهم.

- مبادرة القضاء اللبناني الى ملاحقة شهود الزور، لا سيما أن موقف الحريري أعطى إشارة سياسية واضحة في هذا المجال.

- مساءلة رئيس لجنة التحقيق السابق ديتليف ميليس الذي احتضن شهود الزور واتخذ من إفاداتهم الكاذبة منصة لاتهام سوريا والضباط الاربعة باغتيال الحريري، من دون الالتزام بالحد الادنى من المعايير المهنية والعلمية التي يقتضيها عمله، وهو في هذه الحال إما أن يكون متواطئا عن سابق تصور وتصميم مع مشوهي الحقيقة، وإما أنه استُدرج الى الفِخاخ التي نصبها شهود الزور، وبالتالي لا بد من محاسبته سواء على تورطه أو على تقصيره، لان ما فعله سبب صراعا شرسا في لبنان ومع سوريا.

- إعادة الاعتبار، ماديا ومعنويا، الى الضباط الاربعة الذين كانوا من أبرز ضحايا شهود الزور وأمضوا قرابة أربع سنوات خلف القضبان بسبب الروايات الخيالية التي فبركها هؤلاء أو لُقنت لهم.

وفي موازاة هذه الخطوات المفترضة، يثير كلام الرئيس سعد الحريري مجموعة من الاسئلة المشروعة ومن بينها:

- الى أي مدى سيظل ثابتا على موقفه الجديد، لا سيما أن بعض التجارب السابقة أظهرت أنه يتراجع أحيانا عما يدلي به، تحت وطأة ضغوط أو ظروف معينة؟

- هل كلامه هو نتاج مراجعة شخصية فقط أم أنه يحظى بتغطية خارجية وتحديدا سعودية؟
 

- هل رُفعت الحماية الخارجية عن شهود الزور وبالتالي سقطت الحصانة السياسية التي كانت تعطل إطلاق عملية ملاحقتهم ومحاسبتهم؟

- كيف سينعكس التحول في موقف الحريري من شهود الزور على السجال الداخلي حول ملف المحكمة الدولية، وما هي إمكانية ان يشكل موقفه الجديد توطئة لمقاربة مختلفة، تكون أكثر واقعية، للقرار الظني؟

وفي انتظار أن تحمل الايام المقبلة إجابات عن هذه الاسئلة، يُتوقع أن تساهم»انتفاضة» الحريري على شهود الزور، في الدفع نحو إعادة تصويب العلاقة بينه وبين حزب الله وتكريس التهدئة السياسية، وربما تطويرها نحو تأسيس أرضية مشتركة، يمكن الطرفين أن ينطلقا منها في مواجهة التحديات الراهنة والمقبلة.

وفي هذا الاطار، تعتبر أوساط الحزب أن الموقف الصادر عن رئيس الحكومة يمثل تطوراً مهماً وإيجابياً، ولكنها تلفت الانتباه في الوقت ذاته الى أن بلوغه احتاج الى خمس سنوات من المعاناة المجانية للبلد التي تركت مفاعيل واسعة على مختلف الاصعدة.

وتشير الاوساط الى ان كلام رئيس الحكومة يؤكد صوابية موقف حزب الله وباقي أطراف المعارضة عندما نزلوا الى وسط بيروت تحت شعار «شكراً سوريا» في 8 آذار: «يومها رفضنا اتهام سوريا باغتيال الرئيس الحريري وامتنعنا عن الانجراف وراء موجة العداء لها، الامر الذي عرضنا لضغوط داخلية وخارجية في موازاة تخويننا، وخيضت انتخابات نيابية وجاءت أكثرية وتشكلت حكومات على قاعدة التحريض على النظام السوري وصولا الى المناداة بإسقاطه، وقيل إن كل من يصوّت للمعارضة يصوّت لقتلة رفيق الحريري»!

وتتساءل أوساط الحزب: أما وقد ظهر الآن اننا كنا على صواب، فهل سيسمعون منا هذه المرة بعدما صمّوا آذانهم في السابق، وهل سيستفيدون من خطأ اتهام سوريا استنادا الى شهود الزور لتفادي الوقوع في خطيئة اتهام حزب الله، الذي لن يكون صعبا تأمين ما يتطلبه من شهود زور؟ وإذا كان اتهام سوريا قد ترك ما تركه من تداعيات على الاستقرار الداخلي، فهل يدركون أن اتهام حزب الله أدهى بكثير وسيُرتب نتائج وخيمة؟
 

وتدعو الاوساط الى أن يكون هناك وعي مسبق لما يُعد حاليا للبنان قبل الدخول مجددا في نفق طويل ثم يجيء بعد خمس سنوات من يقول إنه أخطأ بحق حزب الله، مع فارق جوهري وهو أن الاعتراف بالخطأ هذه المرة ربما يأتي بعد فوات الأوان، مشددة على أهمية أن يكون الرئيس الحريري قد استخلص الدروس من التجربة السابقة، منعا لتكرار فصولها مع حزب الله.

وترى الاوساط أن المطلوب من الاجهزة الامنية أن تتحمل مسؤولياتها في البناء على ما قدمه الأمين العام لحزب الله من قرائن ومعطيات ترجح الفرضية الإسرائيلية، وخصوصا أن لدى هذه الاجهزة من المعلومات والوثائق ما يتيح لها أن تعد ملفا متكاملا بهذا الشأن، وإذا كان بعضها قد ساهم في الماضي في تأسيس قاعدة المعلومات التي بني عليها الاتهام السياسي لسوريا، فإن الفرصة متاحة الآن كي تعوض عما ارتكبته، من خلال التعامل مع الفرضية الاسرائيلية بجدية.

2010-09-07