ارشيف من :أخبار لبنانية

عصافير أوباما ونتنياهو

عصافير أوباما ونتنياهو
بقلم: عصام داري - صحيفة تشرين السورية


هل هناك من يصدّق أن إدارة باراك أوباما أطلقت المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بغية تحقيق السلام في الشرق الأوسط؟ .

هذه الكذبة لا يصدقها حتى معظم المحللين والمتابعين والساسة الأميركيين الذين يرون أن رعاية الإدارة الأميركية لهذه المفاوضات كانت في المقام الأول لأغراض داخلية بحتة، ومن ثم هي لتحقيق أغراض إسرائيلية بحتة أيضاً. ‏

أفضل توصيف قرأته للمفاوضات المباشرة جاء على لسان جون الترمان، وهو مدير قسم الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية الذي قال: «لقد حرصت الولايات المتحدة على إطلاق المفاوضات لأن تفكيرهم هو أنه حتى وإن لم يكن الوقت مناسباً، فمن الأفضل أن تتحرك الأمور على صعيد السلام حتى وإن لم يتم تحقيق انفراج، لأنها ستمنع انهياراً كاملاً». ‏

ويربط الترمان بين المفاوضات والانتخابات النصفية للكونغرس، إذ يرى أن أوباما حرص على عقد المفاوضات قبل شهرين من انتخابات الكونغرس كي يظهر نجاحاً دبلوماسياً بعد أن استغل الحزب الجمهوري عدم قدرة الرئيس على تحقيق انجاز في السياسة الخارجية.

في هذا الصدد تقول (ميشيل دان)، الخبيرة في قضايا الشرق الأوسط في معهد «كارنيفي للسلام الدولي» والمسؤولة السابقة في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، تقول دان: «كان من المهم أن يظهر أوباما أنه متفق مع نتنياهو قبل انتخابات الكونغرس، إضافة إلى الإعلان عن نجاح في أحد أهم ملفات السياسة الخارجية»، وهذا ما يتلاقى مع ما ذهبت إليه الصحافة الإسرائيلية عقب «لقاء المصالحة» بين أوباما ونتنياهو عندما تراجع الرئيس الأميركي عن مطالبته بتجميد الاستيطان، فالصحافة الإسرائيلية قالت: يستطيع أوباما الآن الذهاب إلى الناخب اليهودي ودافع الضرائب ليعلن أنه من أشد المدافعين عن إسرائيل. ‏

لكن ذلك لا يعني أن الضغط الأميركي متعدد الأشكال لإطلاق المفاوضات المباشرة كان فقط لتحقيق هدف داخلي عشية انتخابات الكونغرس فحسب، بل هو أيضاً هدف إسرائيلي لتحقيق «صفقة» مع المفاوض الفلسطيني يتم من خلالها التخلي عن معظم حقوق الشعب الفلسطيني بما فيها -بل في مقدمتها- حق العودة. ‏

كما أن أوباما والفريق السياسي والإعلامي الذي يروج لساكن البيت الأبيض ويحاول حصد أصوات جديدة في الشارع الأميركي لصالحه، هذا الفريق ينظر إلى أبعد من المفاوضات، وأبعد من انتخابات الكونغرس النصفية إذ تقول ميشيل دان أيضاً: «إن تحديد عام للتوصل إلى اتفاق مهم بالنسبة للأجندة الأميركية حيث سيكون أوباما يستعد للانتخابات الرئاسية بعد عام ويعوّل المسؤولون في البيت الأبيض على نجاح في المفاوضات قبل الانتخابات». ‏

هكذا يرى المحللون الأميركيون أن إدارة أوباما تريد أن تكون المفاوضات ورقة رابحة إن كان في الانتخابات النصفية بعد شهرين أو في الانتخابات الرئاسية بعد سنتين. ‏

قد نفهم مما تقدم السبب وراء الإصرار الأميركي على إطلاق المفاوضات المباشرة، وبالتالي قد نفهم الأسباب التي جعلت الإدارة الأميركية تمارس ضغوطاً هائلة على العرب- أو معظمهم على الأقل- وعلى السلطة الفلسطينية، للقبول بمفاوضات من دون شروط مسبقة ومن دون مجرد أحلام بالتوصل إلى حل يحصل فيه الفلسطينيون على دويلة هزيلة ضعيفة منزوعة السلاح والسيادة. ‏

وإذا كان أوباما يريد اصطياد عصفورين في انتخابات الكونغرس والرئاسة بحجر المفاوضات المباشرة، فإنه يوفر من خلال هذه المفاوضات الظروف الملائمة لتحصل إسرائيل على صقورها أيضاً من هذا الصيد الأميركي- الإسرائيلي. ‏

فإسرائيل لن تقدم للفلسطينيين أي تنازلات فهي ستواصل الاستيطان، ولن تتخلى عن القدس التي تعتبرها عاصمة أبدية وموحدة لها ولن تقبل مناقشة حق العودة وغير ذلك من قضايا وموضوعات يفترض أن تكون جوهر المفاوضات المباشرة التي أعطت إدارة أوباما شارة البدء لها من واشنطن. ‏

مقابل «العصافير» التي سيصطادها أوباما ونتنياهو بحجر المفاوضات هذا، ماذا سيجني الفلسطينيون؟ وما هي الضمانات التي حصلوا عليها وجعلتهم يهرولون إلى واشنطن ويصافحون اليد الملطخة بدماء أطفال ونساء وشيوخ الشعب الفلسطيني؟ ‏

لن نجيب على هذه التساؤلات كي لا نتهم بأننا نبث اليأس في النفوس، لكننا ندعو هذا الفريق اللاهث وراء سراب الوعود الأميركية إلى الإجابة، وإن كان لا يمتلك هذه الإجابة، فإننا ندعوه إلى التحلي بشيء من الشجاعة التي تجعله يعترف بأنه غير قادر على الصمود أمام الضغوط الأميركية، وانه خائف من التهديدات الأميركية التي قد تهزّ الكراسي والجالسين عليها!! والشارع العربي ينتظر إما الإجابات أو الاعتراف.. ونؤكد أن الانتظار سيطول. ‏

2010-09-07