ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري إذا أكمل درب «الشرق الأوسط» يخسر.. وإذا تراجع يخسر أكثر!

الحريري إذا أكمل درب «الشرق الأوسط» يخسر.. وإذا تراجع يخسر أكثر!
"السفير" - نبيل هيثم

من المبكر إجراء محاكمة جدية وحقيقية لمبادرة رئيس الحكومة سعد الحريري المتمثلة في الاعتراف بوجود شهود زور ضللوا التحقيق وبخطأ توجيه الاتهام السياسي الى سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ذلك ان بلورة الحكم النهائي على اعتراف الحريري بالخطأ تتطلب إعطاءها فسحة زمنية، لمعرفة ما اذا كان الحريري قد قال ما قاله تنفيذاً لقرار أم انسجاماً مع قناعات جديدة.

وإذا كان ما اقدم عليه الحريري قد لـُفَّ بحبل طويل من الأسئلة حول التوقيت والمبررات والغايات والخطوات التطبيقية المكملة، فإن سلسلة ملاحظات تكونت لدى عدد من المتابعين يمكن إيجازها كالآتي:
ـ الملاحظة الأولى، إن ما قاله الحريري للصحيفة السعودية، بدا وكأنّه لا يملك حتى الآن، القدرة على التفشي في جسم فريقه السياسي وحلفائه في حركة «14 اذار»، حيث ظهرت في هذا الجانب جملة مفارقات لا تنسجم مع خطوة كبيرة كالتي اقدم عليها الحريري، لا بل تتعارض معها، ما يحمل على الاعتقاد بأن تلك الخطوة الحريرية تمت على غفلة عن هؤلاء.

ومن المفارقات ايضاً ان الاعتراف الحريري بالخطأ بدا وكأنه حصل في دولة اخرى، ولذلك لم تبلغ الفضاء السياسي التابع لرئيس الحكومة، ولم تحدث صدى إيجابياً داخل فريقه السياسي والنيابي، فكتلة «تيار المستقبل» نأت بنفسها عن مبادرة ولي امرها السياسي ولم ترفده بكلمة دعم او تأييد، وذلك خلافاً لعادتها، او بالأحرى وظيفتها في مواكبته في اية خطوة، فكان قرار السكوت تعبيراً ضمنياً عن واقع الاحتجاج الذي خرج من الغرف المغلقة في قريطم ووادي أبو جميل ومؤسسات رئيس الحكومة.
 
فالماكينة الاعلامية ـ السياسية الحريرية، التي تدل التجربة انها تتحرّك تحت اي ظرف او عنوان، وبصورة منسقة كـ«البولدوزر»، بدت وكأنها مستقيلة من وظيفة الترويج لهذا الحدث، لا بل تصرفت على قاعدة «ان الحريري قال ما قاله وكفى المؤمنين القتال»، فلم يظهر اي اثر له تعليقاً أو سؤالاً، بينما أوفد اعلام الحريري «قوة ضاربة» الى واشنطن لمواكبة انطلاقة المفاوضات المباشرة، وخصّص حيزاً زمنياً لها ونقلها على الهواء مباشرة، وفي المحصلة، بدا التخبط والتناقض في مواقف من استـُصرح من نواب وقياديي المستقبل، اذ أن هناك من توقع ان يواكب حلفاء الحريري انفتاحه (نموذج محمد قباني). ومنهم من ناقض اعتراف الحريري بوجود شهود زور «اذا تبيّن في تقرير وزير العدل ابراهيم نجاز ان لا وجود لشهود زور سنسميهم بغير ذلك، اما اذا تبيّن انهم شهود زور فسنتهمهم عندها انهم شهود زور»(نموذج عقاب صقر). ومنهم من ذهب ابعد «اذا تبين فعلاً أن هناك شهود زور، فنحن أول من سيطالب بمحاكمتهم».ومنهم من دعا الى «تحميل كلام الحريري اكثر مما يحتمل، وحتى نحكم على وجود شهادات كاذبة علينا ان ننتظر وعلينا ان ننتظر الحكم الذي ستصدره المحكمة، والتحقيق يستند إلى إفادات ما يزيد عن 200 شاهد كما يقال، وليس على إفادة شاهدين أو ثلاثة ممن يسميهم البعض «شهود زور» (نموذج هادي حبيش).
 
على ان اكثر المفارقات دلالة، تلك التي ظهرت في أداء صاحب المبادرة نفسه، اي رئيس الحكومة، حيث قفز عنها في خطاباته الرمضانية، ولم يأت بخطوات تكملها، وربما كانت منتظرة منه في مجلس الوزراء، حيث غيّبها تماما، وسارع الى افتتاح الجلسة بكلام مقتضب «دعونا ندخل مباشرة في جدول الاعمال، فقد تكلمنا في السياسية ما يكفي هذه الايام». على ان العلامة الأكثر من فارقة هو ان وزراء المعارضة لم يستفسروا من الحريري موقفه وأبعاده، وحتى من باب العلم بالشيء.

ـ الملاحظة الثانية، ان حلفاء الحريري في «14 اذار»، ولا سيما المعروف انهم يقفون على خصومة شديدة مع دمشق، من «القوات اللبنانية» الى حزب الكتائب الى الى «الأمانة العامة»، بدوا جميعاً كمن بلع لسانه. علماً ان ثبوت جدية طرح الحريري ومكملاته يعني انها قد تفرض عليه لاحقاً، انما ليس بعيداً، ان يخلع بعض القمصان السياسية الملطخة بالعداء لسوريا. ومن المفيد التوقف عند لهجة كتائبية سلبية آخذة بالتصاعد على خلفية أي تقارب بين الحريري و«حزب الله» (قال أحدهم إنهم «يبيعوننا عند كل مفترق طرق»).
 
ـ الملاحظة الثالثة، بدا ان قوى المعارضة، وإن تلقفت إقرار الحريري بالخطأ بحق سوريا ومن ثم الاعتراف بوجود شهود زور، من زاوية ان العبرة الحقيقية تبقى في التكملة التطبيقية والطبيعية، أي إطلاق يد القضاء في محاكمتهم، فإنها لم تجتمع على قراءة موحدة، فحركة «امل» اعتبرت على لسان النائب علي حسن خليل ان مبادرة الحريري تؤسس لتصويب كل المسار السياسي، وأما التيار الوطني الحر فدعا الى التسييل الداخلي للاعتذار من دمشق بإقرانه بالاعتذار ممن اسيء اليهم وكانوا عرضة لحملات التجني والافتراء، فيما شكك معارضون آخرون في مصداقية كلام الحريري «فما يزال يـُجلس اعداء دمشق الى يمينه من سمير جعجع الى امين الجميل وابنه الذي لا يخجل من التعامل مع اسرائيل ضد سوريا، والى صانعي شهود الزور وهم كثر الى جانبه».
وكان لافتاً للانتباه أن نواب كتلة الوفاء للمقاومة لم يعلقوا بحرف واحد على الحريري بقرار من قيادة «حزب الله»، وبذريعة أن المبادرة الحريرية ما زالت قيد الدرس!

ـ الملاحظة الرابعة، الصمت السوري حيال ما قاله الحريري، فلم تبدر عن دمشق ما يفيد عن ترحيبها بالإقرار المتأخر بخطأ اتهامها باغتيال الحريري، اقله حتى الآن، الا انها اعطت إشارة بالغة الدلالة تمثلت باستقبال الرئيس السوري بشار الأسد للواء جميل السيد على مدى ساعتين، مع ما يعنيه السيد من رمزية بالنسبة الى مسألة «شهود الزور»، سواء من خلال الدعاوى ضدهم امام المحكمة الدولية او في باريس او في سوريا. وتردد في هذا الاطار، ان الاستنابات القضائية السورية تبدو متأهبة لجولة مراسلة جديدة ما بين القضاء السوري والقضاء اللبناني. وفي السياق، كان لافتاً للانتباه، أن القيادة السورية أطلعت قيادة «حزب الله» في اليوم التالي تفصيلياً على نتائج «السحور الدمشقي»، وهي حرصت على إبلاغ معظم أطياف المعارضة وبعض الشخصيات غير المدنية بمضمونها في ظاهرة غير مسبوقة في التعامل السوري.
 
ـ الملاحظة الخامسة، ان منطق الربح والخسارة بدأ يسود بعض الاوساط القريبة من رئيس الحكومة. وليس خافياً على أحد وخاصة على حليف سعد الحريري، النائب وليد جنبلاط أن الإقرار بملف شهود الزور، يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة متصلة بالبطانة السياسية المحيطة برئيس الحكومة، وهي البطانة التي كان لها دورها في التحريض ضد سوريا وقيادتها، كما تفعل اليوم ضد «حزب الله»، ولبعضها بصماته في ملف شهود الزور، وهناك محاضر وتسجيلات صوتية تشي بذلك.

واللافت للانتباه ان المنطق القائل بأنّ الحريري قد يربح بمبادرته مساحة حكم وثقة مترامية الأطراف تقرب خصومه في المعارضة منه وتتيح له فرصة حكم هادئة ومديدة، لا يجد صداه عند المحيطين به، فهو اذا أكمل كما بدأ في «الشرق الأوسط» يخسر كثيراً من رصيده في شارعه، وإذا لم يكمل سيخسر أيضاً.. وبالتالي ثمة مأزق لا يعرف كيف يخرج منه، خاصة في مواجهة جمهور «14اذار» الذي لبى الدعوة الى الساحات على أنقاض اتهام سوريا والنظام الامني اللبناني السوري المشترك!
2010-09-09